مجلة منظمة الصحة العالمية

أرباب المهن الصحية في البلدان العربية يمتلكون مفتاح المستقبل

لم يتغير إقليم ما في العالم بقدر التغير الذي لحق بالعالم العربي خلال الأشهر الاثني عشر المنصرمة، ولايزال التغير مستمراً ، وعن هذا الموضوع تحدثت فيونا فليك إلى سامر جبور.

سامر جبور
سامر جبور

سامر جبور هو أحد كبار المحاضرين في كلية العلوم الصحية بالجامعة الأمريكية ببيروت والمحرر الرئيسي لكتاب الصحة العمومية في الوطن العربي، وهو كتاب قيد الإصدار من مطبعة جامعة كامبريدج. وقد تخرج سامر جبور من كلية الطب بجامعة حلب بالجمهورية العربية السورية عام 1989 وحصل على درجة الماجستير في الصحة العمومية من كلية هارفارد للصحية العمومية عام 1998.

س: كيف يسهم "الربيع العربي" في تغيير مشهد الصحة العمومية؟

ج: إن "الربيع العربي" هو كلمة اصطلح عليها الاتجاه العام لوسائل الإعلام الدولية، وليس هناك سوى عدد قليل جداً ممن يعيشون في هذا الإقليم من يصفون ما يحدث على أنه "ربيع". فهم بدلاً من ذلك يصفون ما يحدث على أنه "ثورات" أو "انتفاضات"، كلٌّ بحسب الحالة. نعم، إن التطورات الجارية تغير في مشهد الصحة العمومية، ولكن سوف يستغرق الأمر سنوات لكي يتبلور الأثر الكامل لما يحدث حالياً. لقد أزاحت هذه الانتفاضات الشعبية الستار عن قضايا اجتماعية مهمة، مثل البطالة والإقصاء وتردي الخدمات الاجتماعية، بما في ذلك تدني مستوى الخدمات الصحية، كما رأينا جميعاً على اللافتات التي رفعت في ميدان التحرير [في مدينة القاهرة، مصر]. وهذه هي المحددات الاجتماعية الأساسية التي يجب أن تسهم فيها الصحة العمومية. فهناك مهمة ضخمة تنتظرنا تتمثل في إعادة بناء مؤسسات النظام الصحي، مثلاً، في ليبيا. ولأول مرة منذ عقود، سيكون هناك حكومات منتخبة انتخاباً ديمقراطياً عليها أن ترتقي إلى تطلعات الناخبين في جميع القطاعات؛ وقطاع الصحة العمومية لا يستثنى من هذا.

س: ما مدى أهمية نهوض المجتمع المدني لإدخال تحسينات على الصحة العمومية؟

ج: إن نهوض المجتمع المدني هو أمر مهم بالنسبة للصحة العمومية، ولكن التغيرات التي نشهدها من حولنا الآن قد لا تترجم ذاتياً إلى منافع في الصحة العمومية. فالتغير الطارئ على الصحة العمومية والسياسة الاجتماعية قد يتباطأ ويعجز عن مواكبة النبض الشعبي والتغيير السياسي، ولاسيما حيثما تهيمن الأفكار المحافظة والمصالح الضيقة على المؤسسات الطبية وعلى مؤسسات الصحة العمومية. إن التغيير يعتمد على ما إذا كانت الجماهير ذات العزيمة المتجددة سوف تدفع، بشكل مباشر أو من خلال ممثليها الجدد، في اتجاه إيجاد سياسات وممارسات جديدة وجيدة بالنسبة للصحة العمومية. وهنا تكمن أهمية المجموعات المنظمة من مجموعات المجتمع المدني والمهنيين الصحيين، حيث أن بإمكانهم، مجتمعين، قيادة هذه العملية أو توجيه دفتها.

س: في عام 2006، صرحتَ أنتَ وزملاؤك (في مقالة نشرتموها في المجلة الطبية البريطانية) أن بإمكان المهنيين الصحيين الإسهام في الإصلاح السياسي والاجتماعي وبناء الديمقراطية. هل لك أن توضح دورهم في ضوء المستجدات الحالية؟

ج: إن وقت التغيير هو فرصة تاريخية للمهنيين الصحيين لإحداث تأثير لم يكن بإمكاننا أن نتخيله منذ أعوام قليلة مضت. وهذا ما يحدث بالفعل. كان المهنيون الصحيون جزءاً من الاستنهاض الاجتماعي في كل بلد من البلدان التي شهدت تغيراً سياسياً، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع وضعهم الاجتماعي واحترامهم بين العامة لدعمهم للحراك الديمقراطي. ففي البحرين والجمهورية العربية السورية، على سبيل المثال، رأينا مجهوداً بطولياً يبذله المهنيون الصحيون الذين استجابوا إلى نداء الواجب لعلاج ضحايا الوحشية التي مارستها الدولة، رغم ما واجهوه من تهديدات، ورغم الزج بهم في السجون. وبمجرد استقرار الوضع الحاد ومع البدء في إعادة البناء، يمكن للمهنيين الصحيين أداء دور حاسم في ضمان احترام الحكومات الجديدة لمطالب الشعوب؛ تلك المطالب المتمثلة في الكرامة والمشاركة والديمقراطية والمساءلة داخل مؤسسات النظام الصحي على الوجه الكامل الذي يجب أن تكون عليه في ظل الحكومات الجديدة.

س: هل لك أن تضرب لنا مثالاً على كيفية اضطلاع المهنيين الصحيين بدور أكثر أهمية في الوقت الحالي؟

ج: في مصر، يأتي المهنيون الصحيون في طليعة جهود الاستنهاض للمجتمع المدني الواسع النطاق، مثل لجنة الدفاع عن حق المواطن في الصحة، التي تناهض تحرير الخدمات الصحية [من القطاع العام]، وتدعو في القطاع الصحي إلى الإصلاحات التي تستهدف تعزيز الحق في الصحة. فرأينا العاملين بمستشفى المنصورة [بمحافظة الدقهلية التي تبعد عن القاهرة 150 كم شمالاً] يضغطون لأول لكي ينتخبوا مديراً لهم بدلاً من تعيينه من قبل السلطات المركزية. ويمكن للمهنيين الصحيين أن يؤدوا دوراً مهماً في توسيع نطاق الحوار حول الصحة في الإقليم للتحول من التركيز التقليدي الضيق على الخدمات إلى النطاق الأوسع للمحددات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للصحة.

س: أنت المحرر الرئيسي لكتاب جديد سيصدر هذا العام تحت عنوان الصحة العمومية في العالم العربي ما هي الفكرة الكامنة وراء هذا الكتاب؟

ج: الكتاب محاولة لإيصال صوت إقليمي إلى مسامع المجتمع الدولي. لقد شعرنا بأن مكتبة الصحة العمومية في حاجة إلى كتاب يتعامل مع العالم العربي كوحدة تحليلية واحدة. ففي الأدبيات المتاحة، تعامل المنطقة [العالم العربي] إما على إنها جزء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا [كما في بعض المنظمات الدولية]، وبهذا تستثنى منها البلدان الأفقر في الجنوب، أو على إنها جزء من إقليم شرق المتوسط [كما في منظمة الصحة العالمية]، وبذلك يستثنى منها بلدان أخرى مثل الجزائر وموريتانيا. والكتاب يعتمد على تحصيل المعارف والتعاون بين التخصصات المتعددة، ويقصد به أن يكون كتاباً شاملاً، ولكنه مبتكر في الوقت ذاته؛ حيث يتبنى منهج المحددات الاجتماعية للصحة، ويغطي موضوعات جديدة في مجال الصحة العمومية مثل مرونة المجتمع والأمن الإنساني. لقد جمع هذا الكتاب 80 كاتباً ينتمون إلى مختلف القارات والخلفيات لكتابة 38 فصلاً.

س: ما مدى تشابه البلدان العربية في منهج تعاملها مع الصحة العمومية؟

ج: يناقش الكتاب كيفية عمل الاستثمارات في مجال تطوير الصحة العمومية والنظم الصحية في البلدان عقب الاستقلال في سياق بناء دول تتمتع بالرفاه أو المعافاة الاجتماعية. وقد كان هذا هو الوضع بوضوح في البُلدان الجمهورية وفي البُلدان الملكية. وقد أسهم ذلك في التحسينات الهائلة التي أدخلت على قطاعَيْ الصحة والتعليم. ولكن مع إدخال إصلاحات الليبراليين الجدد في ثمانينيات القرن العشرين، تراجعت هذه الاستثمارات في كثير من البلدان. واليوم، تتميز المنطقة بالتنوع في المناهج المتبعة في الصحة العمومية والنظم الصحية، وهو تنوع يوضح التفاوت في توافر الموارد كما يوضح العوامل التاريخية والسياسية. تظل الصحة العمومية متأثرة تأثراً كبيراً بالنموذج الطبي البيولوجي الذي يسيطر عليها الأطباء. وتتفاوت قوتها بين بلد وآخر، ولكنها متدنية بصورة عامة. فلدى جميع البلدان مزيج من النظم الصحية الموجَّهة للخدمات بدلاً من الأسلوب الصحي الشامل للسكان.

س: هلا ضربت لنا مثالاً؟

ج: بعض البُلدان، مثل لبنان، لديه نظام صحي يهيمن عليه القطاع الخاص، مع ضعف دور الدولة في مجال الصحة، بينما تمتلك بُلدان أخرى، مثل الجمهورية العربية السورية، حضوراً قوياً لهياكل الدولة حتى مع محاولات تحرير الخدمات الصحية. وفي بُلدان أخرى، مثل بعض بُلدان مجلس التعاون الخليجي، توجد تغطية شاملة للخدمات الصحية للمواطنين، مع محدودية التغطية للعاملين الوافدين. وهذا الكتاب إنما يحاول كشف أوجه التشابه والاختلاف بين هذه النظم.

س: هل هناك حاجة إلى مزيد من المجلات العلمية والصحية باللغة العربية؟

ج: نظرياً، قد تسهم المجلات الصادرة باللغات المحلية في تكريس مزيد من الاهتمام للقضايا المحلية، ولكن ربما تكون المجلات الدولية مؤهلة أكثر للجمع بين الباحثين والممارسين معاً بغية مخاطبة قطاع أعرض من الجماهير. ومع هذا، حذر بعض الزملاء من ظاهرة "النشر عالمياً والاختفاء محلياً"، التي تسري عندما لا يكون هناك تبادل للبحوث المحلية على المستوى المحلي، وكنتيجة لذلك، لا تحقق البحوث المحلية التأثير اللازم. وبصراحة، هناك حاجة لوجود مزيج صحي بين النشر في جميع المجلات المحلية والإقليمية والدولية. والمنطقة لا تزال في حاجة إلى مجلة إقليمية قوية ومتخصصة في مجال الصحة العمومية لكي تساعد في رفع مستوى جودة معارف الصحة العمومية.

س: هل ترى أي تحسن في صحة ومعافاة شعوب العالم العربي منذ إصدار تقرير التنمية الإنسانية العربية عام 2002؟

ج: منذ عام 2002، شهدنا أعداداً من حالات الوفيات والضحايا، ودرجة المعاناة المترافقة مع القمع وانعدام الأمن والتشريد واسع النطاق في مناطق الصراعات مثل العراق وليبيا وفلسطين والصومال. وكل هذه الأمور قد قوضت أي تحسينات عامة شهدتها مؤشرات الصحة والرفاهية. ولكن حتى في مناطق الصراعات، كان يجب تقييم التحسينات المدخلة على مؤشرات الصحة والتنمية تقييماً دقيقاً. وفي تقرير التنمية البشرية لعام 2010 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، جاءت خمسة بلدان عربية، من بينها تونس، بين "أفضل 10 بلدان محركة" لمنسب التنمية البشرية خلال الأربعين عاماً الماضية. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى التحسينات الكبرى التي أدخلت على قطاعي الصحة والتعليم. ويشير التقرير إلى أن مأمول الحياة ارتفع من 51 عاماً في 1970 إلى ما يقرب من 70 عاماً، ويصحب ذلك بعض التفاوت، غير أن الانتفاضات العربية انطلقت من تونس، التي كانت تعتبرها الوكالاتُ الدولية "قصةَ نجاح". فمن الواضح أن الشعب هناك كان يشعر بخلاف ذلك. والصحة العمومية، كمجال للدراسة والممارسة، تهتم دائما بأن ترى هذه التحسينات منعكسة على المؤشرات الصحية. ولكن، وكما اتضح من الحالة التونسية، فإن الأرقام وحدها ليست كافية، والحاجة ماسة إلى ضرورة وضع مفاهيم أوسع نطاقاً للصحة. وهذا ما يعود بنا إلى تعريف منظمة الصحة العالمية للصحة الذي أدرك أن العدالة وللعدل الاجتماعي هما الموقع الرئيسي في ميدان العمل من أجل عافية الشعوب.

س: كيف ترى دور المنظمات الدولية في جهود تحسين الصحة والعافية في العالم العربي؟

ج: يعترف المهنيون الصحيون أن المنظمات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية، قد أدت دوراً مهما في تطوير الصحة العمومية بالمنطقة، وفي دعم ركائزها المتمثلة في التعليم والبحوث والممارسة. وهذه المنظمات تستطيع الانطلاق من هذه النوايا الحسنة تجاه دفع المزيد التغيير. وأولاً وقبل أي شيء، ينبغي أن تبدي المنظمات الدولية تضامنها مع الشعوب والتزامها بتوفير احتياجاتهم الفعلية والمعلنة. وحتى يتسنى لها فعل ذلك، ينبغي على هذه المنظمات أن تتعاون مع الشركاء داخل البُلدان، بما في ذلك المجتمع المدني، وأن تكون مستعدة لأن تقدم وتتحمل النقد البناء. إن إطار الأفكار القديم القائم على أن "النظير الوحيد الذي نتعامل معه هو الحكومة" و"أننا نعمل فقط ما تسمح لنا الحكومة بعمله" يجب وأن يتغير.

س: إلى متى تعتقد أن التغييرات التي حدثت العام الماضي سوف تستمر؟

ج: لنا الآن أن نقول بأن المنطقة قد تغيرت بالفعل في كثير من الأوجه، وأنه لا يمكن الرجوع إلى الوراء. إن التغير الذي يحمل بين طياته إمكانية إحداث أكثر التأثيرات استمرارية يكمن في أن الناس باتوا مستعدين لأن يحاربوا من أجل حقوقهم، وأن يقدموا التضحيات الواجبة في سبيل ذلك. إن ما رأيناه في هذا الصدد قد جعلنا جميعاً نشعر بالتواضع.

شارك