مجلة منظمة الصحة العالمية

التحفيز ضروري للتخطيط للجائحة

تنقح منظمة الصحة العالمية مرشدها (دليلها) للبلدان حول كيفية التحضير لجائحة انفلونزا في المستقبل، لكن التحديات هائلة، كما يذكر ميشيل دومياك في تقاريره.

فبعد ثلاث سنوات من جائحة انفلونزا H1N1 ، توجد معارضة للتحدث عنها – حتى بين مسؤولي الصحة – فرغم الذعر الذي ساد، إلا أنها كانت أقل تخريباً من الانفلونزا التي أصابت إسبانيا عام 1918. لقد بدأ التعب الناجم عن الجائحة، ولكن يصعب التغلب عليه في الأزمة الاقتصادية الحالية.

WHO/Tom Pietrasik

تقول الدكتورة ناهوكو شينودو من برنامج الانفلونزا العالمي لمنظمة الصحة العالمية: ”من المهم للمجتمع الصحي العالمي فَهْمُ ما حدث خلال فاشية 2009 والتعلم منها“.

وتنبه إلى ضرورة حدوث ذلك سريعاً، سوف تفقد البلدان الزخم وتتلاشى ذكرى ما حدث. ”نحتاج إلى إصلاح الأمور التي لم تنجح بحيث أننا نستطيع أن نعالج التهديدات المماثلة بشكل أفضل في المستقبل.“

وأولى أولوياتها حقيقة أنه خلال الطور الباكر من جائحة 2009، كانت بعض البلدان تتبع مرشدها الوطني الذي يقوم على نسخة قديمة من مرشدة منظمة الصحة العالمية للاستعداد للجائحة، بينما كانت منظمة الصحة العالمية تتبع النسخة المُحَدَّثَة. إضافة لذلك، فإنها تؤكد على حقيقة وصول اللقاحات إلى بلدان كثيرة بعد انتهاء الموجات الأولى من الجائحة.

وتقول شيندو: ”انتُقدت السلطات الصحية لطلبها أموالَ طائلة لإنفاقها على اللقاحات والأدوية المضادة للفيروسات في ذلك الوقت، ومع التأمل حالياً فيما حدث، تظهر المعطيات المتاحة أن الأدوية المضادة للفيروسات قد ساعدت في إنقاذ الأرواح وأن اللقاحات كانت فعالة في تمنيع السكان.“

وخلال تحرك منظمة الصحة العالمية ضد فيروس H1N1 عام 2009، وُزِّعت ثلاث ملايين معالجة من أوسيلتاميفير إلى 72 بلداً خلال أسبوعين. كما أُرسلت عتائد تشخيصية إلى 140 بلداً. وتم خلال سنة إرسال أكثر من 78 مليون جرعة من اللقاح الجديد إلى 77 بلداً.

بدأت هذه السنة عملية مراجعة مرشدة منظمة الصحة العالمية للاستعداد للجائحة بالتوازي مع الدروس المستقاة من جائحة H1N1 عام 2009، وتتضمن مشاورات مع 194 بلداً من البلدان الأعضاء في منظمة الصحة العالمية. في البداية، سوف ترفع المنظمة تقريرها حول هذا الموضوع إلى البلدان في اجتماع الهيئة التنفيذية في يناير (كانون الثاني) من السنة القادمة، وبعدها إلى الجمعية العامة للصحة العالمية في مايو (أيار).

تقول شيندو تميل المرشدة المُراجعة لاستبقاء أسلوب يشمل كامل المجتمع يتضمن جميع القطاعات، ولكن قد تعالج مكونتان بطريقة مختلفة: شدة الجائحة وأطوار الجائحة، إذ يستخدم نظام يحدد جميع أوجه الاستجابة. لكنها تضيف، رغم الالتباس المتعلق بهاتين المكونتين، إلا أن عملية المراجعة بعيدة عن أن تنتهي. فقد تخضع هذه العناصر وعناصر أخرى للتبديل.

ورغم أن تلك المرشدة حول الاستعداد لجائحة الانفلونزا هامة. إلا أن البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، على وجه الخصوص، تعتمد عليها، بينما يميل كثير من البلدان عالية الدخل لاعتماد خطط خاصة به. وتقول شيندو: ”جائحة الانفلونزا حدث عالمي، وبالتالي، ومن المهم عند مراجعة الدليل الإرشادي لمنظمة الصحة العالمية أن نحصل على موافقة الدول حول مفهوم ´الأطوار`، و´الشدة` ومصطلحات أخرى.“

التحديات التي تواجه السلطات الصحية استعداداً للجائحة القادمة كبيرة لهذا فإن من الضروري وجود مرشدة موثوقة.

ولكن لماذا يتم التخطيط لفاشيات الانفلونزا وإنفاق الأموال لتخزين موارد قد لا تستخدم إطلاقا؟ كيف يتوجب على السلطات الصحية أن تستجيب في مواجهة تهديد صحي متطور عندما تكون الميزانيات الوطنية قليلة؟ وفي المستقبل، كيف يتوجب عليهم توصيل عدم الثقة في حالة سريعة التحرك مشحونة عاطفياً وسياسياً؟ وتفسر شيندو قائلة: ”يكون البشر مرتاعين خلال الفاشيات لأن مصدر خوفهم غير مرئي،“ ”ويغضبون أيضاً لأن الفاشيات تظهر ضعف نظمهم الصحية، إذ تخضع هذه النظم لإجهاد هائل، فيعاني البشر نتيجة لذلك.“

تظهر دراسة لمنظمة الصحة العالمية نشرت عام 2011 تحت عنوان، تحليل مقارن لخطط الاستعداد الوطنية لجائحة الانفلونزا، أن أكثر من 100 بلد كان يملك تلك الخطط عام 2009. وتقول شيندو: ”تمت مراجعة بعض الخطط على ضوء تجربة عام 2009، لكن بعض الخطط الأخرى تركت كما كانت عليه عام 2009. وحتى تملك بعض البلدان خطط معينة، فإن كثيراً منها يكون على الورق فقط، ولم تختبر قط في تجارب مكتبية، أو في حالة محاكاة أو تدريب،“ وتضيف: ”تحتاج هذه الخطط إلى دعم سياسي يدفعها للأمام.“

إن خطط كمبوديا وسنغافورة بين الخطط الحديثة حالياً، وهما بلدين من البلدان التي شملتها دراسة منظمة الصحة العالمية عام 2011.

تبين دراسة كمبوديا أنه حتى مع محدودية الموارد يمكن تحديث الخطط انسجاماً مع مرشدة منظمة الصحة العالمية. وطبقاً لما تقوله الدكتورة نيما أسغاري، خبيرة منظمة الصحة العالمية في ترصد الأمراض الناشئة في كمبوديا، فقد راجعت الدولة خطة استعدادها أمام الجائحة بعد جائحة H1N1 لتشمل الدروس المحلية المتعلمة بعد تلك الجائحة.

وتقول أسغاري إن منظمة الصحة العالمية ساعدت الحكومة الكمبودية على الأرض خلال جائحة انفلونزا H1N1 عام 2009، في مؤازرة جهود الترصد والاستجابة للفاشية، وفي إجراء المتابعة إثر ذلك، إذ قامت وزارة الصحة الكمبودية بمراجعة خطتها الخاصة بالاستعداد.

تصرح جين ليم، المديرة المساعدة لوضع السياسات والمكافحة في قسم الأمراض السارية في وزارة الصحة: ”أن سينغافورة تتبع أيضاً مرشدة منظمة الصحة العالمية في الخطط الخاصة بطريقة انتشار جائحة مستقبلية وتوصيل ذلك إلى العامة“.

كما تراجع سنغافورة إطار استجابتها لجائحة الانفلونزا آخذة بعين الاعتبار البينة الجديدة التي ظهرت خلال جائحة عام 2009. وتقول ليم: ” خطط الاستعداد للجائحة يجب أن تكون عقلانية، بناءً على الموارد المتاحة. وهذا ينطبق على الأمم المتطورة والنامية على حد سواء.“

WHO/Cédric Vincensini

تتبع سنغافورة منهجاً يشمل كامل المجتمع في الاستعداد لجائحة انفلونزا، وهو منهج يشمل عدداً كبيراً من القطاعات تنصح به منظمة الصحة العالمية. وتشرح ليم وجود ثلاث مكونات: الاستجابة الطبية (ترصد المرض، المعالجة، تعقب المتماسين، الحجر الصحي، سعة المستشفيات والمخزون الدوائي)؛ أما الاستجابة اللاطبية فتشمل وضع قيود على عبور الحدود وإجراءات المباعدة الاجتماعية؛ ودعم السكان، والتركيز على المحافظة على الخدمات الأساسية.

تم عالمياً تعلم دروس هامة من الاستجابة لجائحة 2009: فترصد المرض واستعرافه كانا جيدين بوضوح. لكن الاتصال يجب أن يكون فعالاً، متأنياً ودقيقاً، وإلا فإنه قد يكون عكسي الأثر، ليصبح مشحوناً من الناحية السياسية وصعب التصحيح. الاستعداد لجائحة مفهوم صعب التعريف والتنفيذ، يختلف عن التحضر لفيضان أو أي كارثة طبيعية أخرى.

يتحرك البشر والمعلومات بسرعة. ولا تميل الجوائح للحدوث بالطريقة التي تخطط لها البلدان. ”كان العالم كله يتوقع أن تبدأ الجائحة التالية في جنوب شرق آسيا،“ هذا ما صرحت به الدكتورة هاندي هارمانشي، موظفة طبية كانت تعمل مع برنامج الانفلونزا العالمي لمنظمة الصحة العالمية عام 2009، ”لكنها ظهرت في الأمريكيتين.“

ويقول غاري نابل، مدير مركز أبحاث اللقاح في المعاهد الوطينة للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية: لم تكن ذرية فيروس عام 2009 موجودة قبل تفجر الوباء. ”نحتاج إلى القيام بأكثر من مجرد التحضر لفيروسات المستقبل بناء على الذراري الموجودة حالياً“. ينتمي نابل لفريق من عدة فرق تبحث في تصنيع لقاح شامل للانفلونزا، أو على الأقل لقاح يتصف بقاعدة واسعة.

لايزال الجدل قائماً حول الاستجابة لجائحة H1N1 عام 2009 –أول جائحة تحضرت لها البلدان مسبقاً. تستمر المناقشات المتعلقة بعدد الضحايا. فقد قدرت دراسة نشرت في مجلة لانست للأمراض العدوائية في سبتمبر (أيلول) أن مئات آلاف البشر فقدوا حياتهم خلال الأشهر الاثني عشرة الأولى من جائحة H1N1 عام 2009، وهو رقم يفوق كثيراً الوفيات التي أثبتت مختبرياً والبالغ عددها 18.500 والتي أوردتها منظمة الصحة العالمية في أبريل (نيسان) 2009 حتى أوغسطس (آب) 2010. يشير هذا إلى أن وجود ترصد وتبيلغ جيدان أمر أساسي للحصول على معطيات أكثر موثوقية، تقول شيندو.

لاتزال الانتقادات تنص على أن منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الدولية قد غالت في أهمية الفاشية وتواطئت مع مصنعي الأدوية الربحيين؛ وهي تُهَمٌ ترفضها منظمة الصحة العالمية. وفي عام 2011، نشر تقرير حول لجنة مراجعة فعالية التنظيمات الصحية الدولية (2005) حول جائحة H1N1 عام 2009، وهو تقييم للاستجابة العالمية تجاه جائحة H1N1، واستخلصت هيئة دولية من الخبراء أن منظمة الصحة العالمية أبلت بلاءً حسناً بصورة عامة خلال الجائحة رغم وجود بعض مواطن الضعف. ولكن لم يُثبت أي دليل على سوء الإدارة.

وقد حذرت الهيئة التي تراجع الالتزام باللوائح الصحية الدولية المُلزمة قانوياً، من أن العالم كان سيء الاستعداد في الاستجابة لجائحة انفلونزا شديدة أو تجاه ”أي طارئ صحي عالمي مشابه مستمر خطير التهديد“. وكي تتم دراسة هذا الأمر، يُوصَى أن تنفذ البلدان بشكل أكثر وضوحاً السعة الحقيقة على الصعيدين المحلي والوطني والمنصوص عليها في اللوائح الصحية الدولية، إضافة إلى الالتزام بمقاربة عديدة القطاعات وتقوية نظم الرعاية الصحية فيها.

تقدم منظمة الصحة العالمية إلى البلدان الدعم التقني لتنفيذ هذه القوانين، وتُحَضِّرُ لوضع تقرير حول التقدم الذي تم في مراجعة مرشدة الاستعداد الحالي لجائحة 2009 للبلدان في الجمعية العامة للصحة العالمية في مايو (أيار) 2013، وهي الكيان المسيطر الأعلى لمنظمة الصحة العالمية، كما توصي بذلك هيئة المراجعة الخاصة باللوائح الصحية الدولية.

يقول جافين سميث، خبير مكافحة الفيروسات التنفسية والأمراض من آسيا ”لقد سلطت جائحة 2009 الضوء على أهمية المكافحة والاستجابة“، ”كانت العلاقات العامة كارثية، وقادت لسوء الحظ إلى الاعتقاد بأن منظمة الصحة العالمية والعلماء يتباكون بكاء الذئاب (يستغيثون كذباً). وهذا ما يجب أن يتم تدبيره بطريقة أفضل في المستقبل.“

شارك