مجلة منظمة الصحة العالمية

عصرٌ جديدٌ للتبرع بالأعضاء وزراعتها في الصين

تؤسس الصين الآن نظاماً وطنياً جديداً للتبرع بالأعضاء وزرعها، استناداً إلى المعايير الاجتماعية والثقافية الصينية، ويهدف لأن يكون أخلاقياً ومستداماً. وفيما يلي الحوار الذي أجراه فيونا فليك Fiona Fleck مع هايبو وانغ Haibo Wang

Courtesy of Dr Haibo Wang

هايبو وانغ Haibo Wang هو مدير مركز بحوث نظام الاستجابة لزرع الأعضاء في وزارة الصحة الصينية، وهو منصب شغله منذ عام 2011. كما إنه عضوٌ في الجمعية الوطنية للتبرع بالأعضاء وفي جمعية زرع الأعضاء. لقد كان منذ 2004 معاوناً لمدير سجل زرع الكبد في الصين في كلية طب Li Ka Shing بجامعة Hong Kong في الإقليم الإداري الخاص للصين، حيث ساعد على تطوير نظام الحاسوب الوطني لتخصيص زرع الأعضاء. وكان قد تخّرج في الطب السريري من جامعة Sun Yat-Sen للعلوم الطبية في Guangzhou، الصين عام 1998 وحاز على درجة الماجستير في الكيمياء من جامعة Maryland، الولايات المتحدة الأميركية في عام 2001.

س: قالت الصين إنها ستنهي اعتمادها على أعضاء السجناء المعدومين من أجل الزرع، متى بدأ الانتقال إلى النظام جديد؟

ج: استعمل العديد من بلدان زرع الأعضاء الرئيسة السجناء المعدومين خلال تاريخ تطور خدمات زرع الأعضاء لديها. ولكن مع التطور الاجتماعي، نُبذت هذه الممارسة غير الأخلاقية وبدأت الدول بتطوير نظم التبرع الوطنية التي تصدت للحاجة لزرع الأعضاء. ففي عام 2006، صرّح Jiefu Huang نائب وزير الصحة، والمسؤول عن التبرع بالأعضاء وزرعها في الصين، علناً للمجتمع المعني بالزرع (كل الوكالات المشمولة بأعمال التبرع وزرع الأعضاء) بأنّ الصين لا تستطيع الاستمرار بالاعتماد على أعضاء السجناء وبأنه حان الوقت لأن تنتقل الصين لتطوير نظام تبرع بالأعضاء أخلاقيٍّ ومستدام. وفي العام 2007، أصدر مجلس شورى الدولة الصيني قانونَ زرع الأعضاء البشرية. وهذا جزء جوهري من تشريع تطوير نظام الزرع للشعب الصيني الذي يحتاج لزرع الأعضاء. ودعم منظمة الصحة العالمية حيويٌّ لجعل هذا القانون ملائماً للمعايير الدولية.

س: متى ستتوقف ممارسة أخذ الأعضاء للمدانين بالإعدام؟

ج: بما أننا لا نستطيع إنكار حق السجناء المجكومين بالإعدام بالتبرع بأعضائهم، فنظام زرع الأعضاء المعتمد على أعضاء السجناء المتوفين حديثاً غير أخلاقي أو ليس مستداماً. وهناك حالياً اتفاق بين مجتمع المعنيين بالزرع في الصين على أنّ النظام الجديد سيتخلى عن الاعتماد على أعضاء المعدومين. وسيبدأ تطبيق نظام جديد باكراً في العام القادم على الأقل. وسيكون هذا علامةً على البدء بالتخلص التدريجي من الممارسة القديمة. وبالرغم من أنّ تأسيس نظامٍ وطني متطور للتبرع بالأعضاء في البلدان الغربية يأخذ عقوداً، أنا متفائل بأنّ الصين تستطيع القفز نحو النجاح في وقت قصير نسبياً وذلك بدمج الدعم الحكومي مع الخبرة الدولية.

س: لا يزال الأمر تشريعاً الآن، فكيف يمكن جعله واقعياً؟

ج: مرت خمس سنوات قبل أن يُقرًّ هذا القانون ويخضع حالياً للتنقيح ليتمكن من مواجهة تحديات تأسيس نظام وطني، مثل تحديد دور المنظمات الوطنية ومسؤولياتها بما يتوافق مع الدلائل الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية. اعتماداً على هذا القانون، نحن نؤسس بهذه الإجراءات لنظام جديد وهذا يشكل تحدياً كبيراً للصين. فمن جهة، نحن نواجه متطلبات كبيرة لزراعة الأعضاء، ولكننا من جهة أخرى لا نعتبر التبرع بالأعضاء قضية علمية فقط، بل ثقافية واجتماعية أيضاً. ولهذا السبب علينا معالجة الجوانب غير العلمية للتبرع بالأعضاء لكسب ثقة العموم ودعمهم.

س: لكسب هذه الثقة أنتم تحتاجون للشفافية. كيف تبنون الشفافية ضمن النظام الجديد؟

ج: قدّمت وزارة الصحة عمولةً لجمعية الصليب الأحمر الصيني لتشغيل نظام التبرع بالأعضاء. إنها تقوم ايضاً بدور المراقب للتأكد من أنّ التبرع بالأعضاء والحصول عليها وتخصيصها ضمن نظام طبي يجري وفقاً للقانون. بالإضافة لذلك، فقد أسّس فريقنا البحثي في جامعة هونغ كونغ نظام الحاسوب الوطني للأعضاء وحافظ عليه، وهو يخصص الأعضاء بحسب السياسة الوطنية التي تعكس الحالة الإسعافية والملائمة وحاجة المريض، ويُعرف باسم نظام الاستجابة لزراعة الأعضاء في الصين أو COTRS. إنه خالٍ من التدخل البشري ويُراقب من عدة هيئات لضمان الشفافية والعدالة وتتبع الحصول على الأعضاء وتخصيصها. وتؤمن هذه الإجراءات أساس الثقة العمومية في التبرع بالأعضاء.

س: كيف سيعمل النظام الجديد؟

ج: نريد حملات توعية عمومية تشجع الناس على التبرع بأعضائهم وتوضح أنه يوجد الآن نظام للزرع يجب التعامل معه. وهذه الفكرة هي للناس الراغبين في التطوع وليسجلوا في برنامج التبرّع الذي تشغّله جمعية الصليب الأحمر في الصين، وبعد موتهم يتم توزيع أعضاؤهم من خلال نظام الاستجابة لزراعة الأعضاء.

س: ما هي العوائق أمام النجاح؟

ج: تستند النظم الوطنية للتبرع بالأعضاء على مفهوم الموت. فالموت ليس مجرد عملية طبيعية منعزلة فحسب، بل هناك نواحٍ مجتمعية وثقافية فريدة لكل مجتمع، ويجب احترامها من قبل نظام التبرع بالأعضاء المجتمعي. تستخدم عدةُ بلدان الموتَ الدماغي بتعريفه القانوني لتقرير الوفاة، ويُؤخذ غالباً كأساس للاستئصال الجراحي للأعضاء المستخدَمة كغريسة. أما في الصين فلا توجد هكذا تشريعات مما يجعل القيام بالتبرع بالأعضاء بعد الموت لدينا أمراً صعباً- ولكن ليس مستحيلاً. سُئلْتُ عدة مرات من قبل زملائنا الدوليين: ”كيف تقوم الصين بعملية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة دون تشريع الموت الدماغي؟“ هذا هو تماماً السؤال البحثي الذي يجب التصدي له في النظام الجديد. إنه ليس عرفاً – من حيث ثقافتنا وقانوننا وممارستنا الطبية – أن نعتمد الموت الدماغي كتعريف للموت في الصين. يريد أفراد الجمهرة التبرع بالأعضاء لإنقاذ الأرواح، ولكنهم يريدون أيضاً أن يتأكّدوا أنّه عندما يتعلق الأمر بأخذ الأعضاء بعد الموت فلا بد أن يكون من أحبّوه قد مات نهائياً. وهذا ليس مجرد أمر قانوني. وحتى لو وُجد تشريع الموت الدماغي، سيظل البعض يقول "سأمنح أعضائي فقط عندما يتوقف قلبي". وهذا ليس محصوراً بالمجتمع الصيني بل تجده في بلدان أخرى، وإن بدرجات مختلفة.

س: كيف يُعرّف الموت في الصين وكيف يُستخدم هذا في التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

ج: تحترم معاييرنا للتبرع بأعضاء المتوفين المعاييرَ الاجتماعية والثقافية الحالية وتؤمن ثلاثة خيارات للجمهور الصيني الذي يريد التبرع بأعضائه بعد الموت: التبرع بالأعضاء بعد الموت الدماغي؛ والتبرع بالأعضاء بعد الموت الدوراني [توقف القلب]؛ والتبرع بالأعضاء بعد الموت الدماغي متبوعاً بالموت الدوراني. وتوحي معطيات برنامج التبرع بالأعضاء الريادي الذي عبّد الطريق لنظام وطني جديد بأن 9% فقط من منح الأعضاء تم على أساس الموت الدماغي بينما اعتمد الباقي على الموت الدماغي والموت الدوراني معاً أو الموت الدوراني فقط. هذه هي الحقيقة، ولكن بمجرد أن نحرز تقدماً مع النظام الجديد للتبرع بالأعضاء، فهذا سيغير المعايير الثقافية والاجتماعية تجاه الموت.

س: هل الحصول على تشريع للموت الدماغي ضرورة مطلقة أم فقط للتوصل إلى فهمٍ لماهيته بين أفراد الجمهرة؟

ج: يمكن لغياب التشريع أن يضع المهنيين الطبيين المنخرطين في زراعة الأعضاء أمام خطر قانوني، وهذا أحد أسباب حذرنا البالغ في تصميم البروتوكول الوطني عند تناول أخذ الأعضاء من المرضى الذين أُعلنت وفاتهم على أساس المعايير العصبية [الموت الدماغي]. غير أنّ إقرار تشريع الموت الدماغي يجب ألا يكون من أجل التبرع بالأعضاء فحسب، بل لأنّ تطورات التقانة الطبية تتطلبه، هذا أولاً. وثانياً، يجب ألا يكون مهنيو الزرع المحرّكين الرئيسين والوحيدين لمعايير تقرير الموت ومتطلبات التشريع، لأن هذا سيوجِد تضارباً في المصالح ويزيد قلق العموم. ثالثاً، وحتى مع الاعتراف القانوني بتقرير الوفاة على أساس المعايير العصبية أو تشريع الموت الدماغي، لا توجد ضمانات لنجاح التبرع من ناحية الاستعداد العمومي للتبرع.

س: كيف سينجز النظام الجديد توازناً بين تحقيق متطلبات العموم لزرع الأعضاء والحفاظ على ثقتهم؟

ج: لقد وُضعت معايير وإجراءات طبية لأخذ الأعضاء بعد تصريح الموت الدماغي والموت الدوراني ولدينا حالياً قواعد لتخصيص الأعضاء. وكما ذكرنا آنفاً، فقد عملنا بجد لنؤسس نظاماً وطنياً لتخصيص الأعضاء للجمهرة التي تريد التبرع بأعضائها لإنقاذ حياة الناس، ولكنهم يريدون التأكد من عدم المتاجرة بأعضاءهم. بالإضافة لذلك، يناقش الخبراء حالياً كيفية تأمين الدعم الاجتماعي لعائلات المتبرعين والآخذين المحرومين، وذلك باستخدام آلية الدعم الاجتماعي الموجودة في الصين لتغطية نفقاتها على ألا يكون شكلاً من أشكال دفع ثمن الأعضاء. ولا ينعكس هذا بالضرورة في القوانين، ولكن يجب إقراره وتبنيه في السياسات الحاكمة للعملية ككل.

س: ما هي المخاوف الدينية والثقافية حول التبرع بالأعضاء بعد الموت في الصين؟

ج: هناك العديد من الديانات والتقاليد في الثقافة الصينية، بما في ذلك الكونفوشية Confucianism والطاوية Daoism والبوذية Buddhism، والتي لا تحرّم جميعها منح الأعضاء البشرية بعد الموت. وبحسب بعض هذه المعتقدات يجب الحفاظ على سلامة الجسم البشري بعد الموت، ولكن بحسب المعتقدات نفسها، فمن الجيد إنقاذ حيوات الناس حيث لن يكون للجسم بعد الموت أية أهمية. وضمن هذه المعتقدات الدينية والثقافية كلها، لا يوجد مضادات استطبابٍ لمنح الأعضاء بعد الموت، وهذا شيءٌ يعمل لصالحنا ويستطيع المجتمع البناء عليه لضمان تزويد الأعضاء لإنقاذ الحياة دون أن يؤذي أحداً. لقد أجاب نائب الوزير على هذا السؤال في حزيران/يونيو خلال مقابلة على التلفزيون الوطني: "ما يؤخرنا ليس التقاليد أو مزاج الشعب الصيني، بل إنه منظومتنا."

س: ما هي الخطوات التالية؟

ج: عقدت مؤخراً وزارة الصحة الصينية وجمعية الصليب الأحمر الصيني اجتماعات مع لجنتَي التبرع وزرع الأعضاء لتحديد الخطوات التالية للتبرع بالأعضاء استناداً إلى نتائج برنامج ريادي للتبرع الوطني بالأعضاء دام سنتين. تفحصت هاتان اللجنتان قضايا أبرزتها هذه الدراسة وبدأت بتنفيذ النظام الجديد في النطاق الوطني. واستضافت وزارة الصحة وجمعية الصليب الأحمر في الصين لقاءً وطنياً في أيلول/سبتمبر أطلقت من خلاله النظام الوطني لأخذ الأعضاء وتخصيصها والذي يشكل محور النظام الوطني للتبرع بالأعضاء في الصين.

س: هل هناك العديد من المشافي التي لديها الطاقم والتجهيزات لقطف الأعضاء بعد الموت وزرعها؟

ج: هناك العديد من المشافي القادرة تقنياً على القيام بذلك، وتلك التي تحوي وحدة عناية مرّكزة ومركزاً للرضوض تكون عموماً قادرةً على استعراف المانحين المحتملين ويمكن دعوة فريق الزرع لإجراء أخذ الأعضاء. والسؤال هو حول التنسيق بين الفريق المسؤول عن المعطي المتوفى ومتلقي الغريسة. ستعمل المنظمة الوطنية الجديدة لأخذ الأعضاء، والتي أُطلقت هذا العام، على تحسين هذا التنسيق. ونستطيع فقط تصميم نظام يكون قابلاً للعمل في البيئة الصينية، والشيء الرئيس هو أن يتمتع بالمميزات الصينية وأن يكون قادراً على كسب ثقة الشعب الصيني.

س: إذاً سيكون هناك نظام تقوم تحت مظلته الجمهرة المتبرعة بمنح أعضائها بعد الموت، وهو نظام "اشتراك" وليس نظام "انسحاب"؟

ج: نعم، لا نستطيع أخذ القرار من أجل الناس، هم يجب أن يأخذوا القرار من أجل أنفسهم. قانونياً، نحن نستطيع فقط سؤال الشخص الأقرب لأخذ الموافقة، أما ثقافياً فأفراد العائلة كلها، والمجتمع كله في بعض الحالات كالقرية التي تعيش العائلة فيها، منخرطون في عملية اتخاذ القرار. يجب أن نقوم بما نستطيع لاحترام مشاعر الناس وتجنب إيذائهم. ويجب أن يشعر كلّ مساهمٍ في عملية التبرع بالأعضاء براحةٍ معها. وبعد كل ذلك، فالأمر لصالح المحتاجين من الجمهرة.

شارك