مجلة منظمة الصحة العالمية

من تنظيم السكان إلى حقوق الإنسان

أدريان جيرمين، الناشطة في مجال صحة المرأة، تتحدث إلى سارة كومبيرلاند حول التحول الذي غير النهج العالمي تجاه الصحة الإنجابية

Adrienne Germain

أدريان جيرمين، هي الرئيس الفخري للتحالف الدولي لصحة المرأة، وعملت في مجال صحة المرأة وحقوق الإنسان طوال 42 عاماً. وبعد 14 عاماً من العمل مع مؤسسة فورد، منها أربعة أعوام في منصب الممثل الإقليمي للمؤسسة في بنجلاديش، قادت جيرمين عمل التحالف حول السياسة الدولية للصحة والسكان بالتعاون مع المنظمات المحلية في القارة الأفريقية وآسيا وأمريكا اللاتينية.

س: لماذا كانت بداية حياتك المهنية في مجال تنظيم الأسرة؟

ج: لقد قضيت خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين وقتاً طويلاً في القارة الأفريقية وآسيا وأمريكا اللاتينية. وشاعت حينئذ موضوعات الخوف من الموت عند الولادة وزواج الأطفال والعنف الأسري والألم والفقر والاستسلام. وكان هناك فقر شديد في المعلومات والخدمات الصحية، ومن هنا وقع اختياري على العمل في مجال تنظيم الأسرة نظراً لأنه أحد الموارد الحيوية للصحة الإنجابية. كما كان هو المجال الوحيد المتاح للنساء الفقيرات في البلدان النامية.

س: ما سبب تدني خدمات الصحة الإنجابية إلى هذا الحد في البلدان النامية في ذلك الوقت؟

ج: لم تكن الحكومات تشعر بأن الصحة الإنجابية، باستثناء تنظيم الأسرة، شيء يستحق الاستثمار فيه. وكانت المعطيات المتاحة حول الصحة الإنجابية للنساء متفرقة، وكان يتم تقدير، وليس حصر، أعداد الوفيات بين الأمهات، بينما كانت المِراضة مصيرها الإهمال والتجاهل. وكان هذا الإهمال مستنداً إلى الزعم بأن منع حدوث الحمل هو الأفضل طريقة لمنع هذه الوفيات، بدلاً من توفير خدمات القبالة. وكانت الأمراض المنقولة جنسياً والإجهاض العمدي من الموضوعات التي يرفض الناس التعاطي معها، على الرغم من استخدام الإجهاض، الذي كان في الغالب الأعم غير مأمون أو مُهلِك، كوسيلة لتنظيم النسل. وكان ذلك يتضح من الإحصاءات القليلة التي كانت متاحة ومن خبرتي في العمل مع مثل هؤلاء السيدات.

س: هل تتذكرين واقعة توضح عواقب هذا الإهمال؟

ج: هناك صورة صارخة توضح مدى الافتقار للخدمات وحقوق الإنسان الأساسية للنساء اللاتي مررن بتجربة الإجهاض، حدثت هذه الواقعة في الكاميرون حيث قمت بزيارة مستشفى جديدة للولادة تلألأ على سفح أحد التلال. أما في أسفله، فيما كان يبدو في الأغلب وكأنه بحر من الوحل أحمر اللون، كانت هناك بناية متهالكة يترك بها النساء اللاتي يعانين من مضاعفات الإجهاض "غير القانوني" مستلقيات بجوار الباب بعد أن يهجرهن ذويهن الذين يخجلون من أن يرون معهن. ولم يكن يعمل هناك سوى طبيب واحد، ويعمل في ظروف فظيعة وتقريباً بلا معدات أو أدوية. وكانت النساء يوضعن على حداجات يكسوها الصدأ وعليها ملاءة متسخة، ويتم تسكينهن بعد المعالجة في "غرف" لا يختلف مقاسها عن مقاس خزانة الملابس، وبكل منها ثلاثة أرفف خشبية. وفي إحدى هذه الغرف، رأيت "روزا" وهي تحتضر. وقد كان بإمكان المستشفى الفاخرة المشيدة أعلى التل أن تنقذها، ولكنها رفضت أن تسدي خدماتها للنساء اللاتي خضعن لعمليات إجهاض غير مأمونة.

س: في قارة آسيا في سبعينيات القرن العشرين، نفذت بلدان كثيرة برامج قوية لتنظيم السكان وعنيت هذه البرامج بتوفير خدمات تنظيم الأسرة ألم تحصل النساء في هذه البلدان على رعاية أفضل من تلك المقدمة للنساء في البلدان التي لم تكن حكوماتها تدعم منع الحمل؟

ج: في الوقت الذي كان فيه منع الحمل خدمة ضرورية ومرغوبة، لم يوجَّه سوى اهتمام ضئيل لجودة الخدمة نظراً لأن الهدف كان ينصب على تشجيع قبول وسائل منع الحمل. ففي الهند، على سبيل المثال، نرى أن تثبيت الوسائل الرحمية لمنع الحمل التي يتم تركيبها أثناء "المخيمات" الدورية لم يكن يتم بصورة صحيحة، ومن ثم كانت تؤدي إلى حدوث حمل غير مرغوب فيه. وكان الأمر ينتهي بهؤلاء النساء إلى خضوعهن لعمليات إجهاض غير مأمونة نظراً لعدم توافر مثل هذه العمليات داخل مرافق الرعاية الصحية، وعلى الأخص في المناطق الريفية، برغم إباحتها قانونياً عام 1972 لحالات الحمل حتى 10 أسابيع. ولا يزال الوضع هكذا في المناطق الريفية. وبرغم إتاحة خدمات الإجهاض على نطاق واسع حالياً في المناطق الحضرية، ولاسيما من مقدمي الرعاية بالقطاع الخاص والمنظمات غير الهادفة للربح. فالسيدات منخفضات الدخل في الحضر لم يزلن يلجأن إلى العمليات غير المأمونة. ومع بقاء الوسائل الرحمية لمنع الحمل غير شائعة في الهند، كانت خيارات منع الحمل محدودة للغاية وكانت الخدمات، كما هو الحال الآن، متدنية في الغالب. ومع هذا فقد كانت النساء هن من يتحمل المسؤولية عن عزوفهن عن استخدام تلك الوسائل. وفي إندونيسيا، كانت خدمات منع الحمل تقدم غالباً إلى القرى عن طريق قوات الجيش. ولم يكن هناك خيارات متاحة أمام السيدات فيما يتعلق بالأمور الخاصة بمنع الحمل؛ ولم يتلقين دعماً أو معلومات حول التعامل مع آثارها الجانبية أو لم يحصلن على مشورة أو توجيه عند اختيار الطرق البديلة. ومجددا، أؤكد أن الباعث على زيادة أعداد المتقبلين لخدمات منع الحمل قد طغى على الاهتمام بجودة الخدمات.

س: لقد شهدت خلال ثمانينيات القرن العشرين ثورة نسائية اختلفت عن تلك التي حدثت في البلدان ذات الدخل المرتفع خلال ستينيات إلى سبعينيات القرن ذاته. من أجل ماذا كان يناضل النشطاء؟

ج: لقد كان لتلك الحركة التي حدثت في البلدان النامية جذورها في الكفاح من أجل العدالة الاجتماعية الأكثر شمولاً. فكثير من الزعماء كانوا قد طورا من مهاراتهم السياسية في الكفاح ضد الديكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية، وحاولوا القضاء على الفقر في قارة آسيا. وأرادوا أن تعامل المرأة على أنها بشر تتمتع بحقوقها الجنسية والإنجابية. وأدركوا أن حماية هذه الحقوق لابد أن تحدث بالتوازي مع العمل الرامي إلى تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة. وطالبوا بتغيير إطار السياسات الحالي من إطار يرتكز على السيطرة على النمو السكاني إلى سياسيات ترتكز على الصحة الجنسية والإنجابية والحقوق المرتبطة بها من منظور النساء أنفسهن.

س: لقد غير مؤتمر الأمم المتحدة للسكان والتنمية الذي انعقد بالقاهرة عام 1994 من النُهُج التي تتبعها الحكومات إزاء السكان والتنمية. بماذا طالبت أنتِ وغيرك من النشطاء المشاركين في هذا المؤتمر من الحكومات؟

ج: لقد طالبنا الحكومات بتوفير خدمات شاملة عالية الجودة في مجال الصحة الجنسية والإنجابية، بما في ذلك وسائل منع الحمل والإجهاض المأمون ورعاية الأمومة وتشخيص الأمراض المنقولة جنسياً ومعالجتها، مدعومة بالتوسع في الثقافة الجنسية وحماية حقوق الإنسان. كما طالبنا بتحسين إمكانية حصول المرأة على الخدمات الصحية الخاصة بها. وأخيراً، فقد اعتمدت 179 حكومة، خلال مؤتمر القاهرة، المعالم الرئيسية لهذا الإطار، الذي أصبح يعرف بـ "الصحة الإنجابية والعدالة: إعلان ريو" (نظراً لإعداده خلال اجتماع بمدينة ريو).

س: هل لكي أن تضرب لنا مثالاُ لبلد قامت بتغيير سياستها الوطنية بما يعكس منهجاً قائماً على الحقوق إزاء الصحة الإنجابية؟

ج: بنغلاديش، فقد تبنت برنامج تخطيط غاية في القوة منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين. وعقب مؤتمر القاهرة، عمل التحالف الدولي لصحة المرأة بالتعاون مع الحكومة والمجتمع المدني والجهات المانحة على إدراج الخدمات التوليدية في الخدمات القائمة الخاصة بمنع الحمل وتنظيم الحيض. وقد تم تدشين برامج للوقاية من الأمراض المنقولة جنسياً بما في ذلك فيروس العوز المناعي البشري والتثقيف بالصحة الإنجابية بين الشباب ونشر المعلومات حول منع الحمل بين حديثي الزواج. وبعد مرور خمسة أعوام على برنامج الصحة والسكان الوطني الجديد في عام 1998, انخفضت الوفيات النفاسية بحوالي 25%. وبحلول عام 2008، انخفضت بنسبة 40%.

س: ما الذي سيساعد على إحداث تغير في البلدان؟

ج: إن الطلب من البلدان أنفسها هو ما سوف يساعد على تحفيز إدماج الخدمات المتكاملة للصحة الجنسية والإنجابية، والتثقيف الشامل حول الحياة الجنسية وحماية الحقوق الجنسية والإنجابية. ولحسن الحظ، بات هناك جيل من النشطاء الشباب بما لديهم من رؤى ومهارات، وهم ملتزمون بالعمل في بلدانهم، ولكنهم في حاجة لمزيد من الدعم. وعلى العالم أن يساند هؤلاء الشباب وأن يتبنى البارزين منهم.

س: بصفتك عضواً في فريق العمل العالمي المعني بالمرأة والعوز المناعي البشري والإيدز، ما هي التحديات التي ترغب في معالجتها وإزالتها؟

ج: برغم كل الاهتمام الموجّه لمرض الإيدز والإصابة بفيروسه والموارد المستثمرة بهما، فإنه لم يتحقق سوف تقدم طفيف في مجال إدماج الخدمات الخاصة بفيروس العوز المناعي البشري مع سائر الخدمات الصحية الجنسية والإنجابية المقدّمة للنساء والفتيات. وهذا الإخفاق الذي لا يخفى ما يترتب عليه من عواقب وخيمة بالنسبة للنساء والأطفال قد حفزنا على السعي إلى إحداث نقلة نوعية في السياسة المعنية بهذا المرض. ونحن هنا بصدد تحد سياسي وعملي هام ينطوي على إفهام الجميع من باحثين ومناصرين أن قابلية المرأة للتأثر بفيروس العوز المناعي البشري تنبع في الأساس من الإخفاق في حماية حقوقها الجنسية والإنجابية. علاوة على ذلك، يكون التعايش مع فيروس العوز المناعي البشري أكثر صعوبة وخطورة في حال عدم إدماج مثل هذه الخدمات. وقد أثرنا هذا الموضوع مراراً وتكراراً وقلنا بأن: فيروس العوز المناعي البشري يندرج تحت الحقوق الصحية الجنسية والإنجابية. وأخيراً وفي كانون الأول/ديسمبر 2009، تم اعتماد جدول أعمال عالمي بشأن تعجيل العمل من أجل المرأة والحقوق فيما يتعلق بفيروس العوز المناعي البشري، وجاءت الحقوق الجنسية والإنجابية في صميم أعمال هذا الجدول. ومع ذلك، لا تزال هناك جهود مطلوبة على الصعيدين الوطني والدولي من أجل ترجمة جدول الأعمال هذا إلى برامج ملموسة ومتمتعة بكامل الاعتمادات المالية اللازمة.

س: ما سبب اتساع نطاق المقاومة لإدماج الخدمات الخاصة بفيروس العوز المناعي البشري وخدمات الصحة الإنجابية؟

ج: هناك أسباب عدة، ومن بينها نماذج مكافحة الأمراض التي تشدد على أهمية المخاطر وليس قابلية التأثر؛ والتنافس على الموارد الضئيلة؛ وقلة التدريب الانضباطي الذي يشجع الأخصائيين الصحيين على العمل بصورة مستقلة عن التعاون بين المواضيع والخدمات؛ والتحيز على أساس النوع وما إلى ذلك. وتشير الأبحاث إلى أن المرأة قد تأثرت قطعاً من فصل معلومات وخدمات فيروس العوز المناعي البشري عن سائر مكونات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية. وأحد الأمثلة على هذا هو عجز معظم خدمات العوز المناعي البشري في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء عن تقديم وسائل منع الحمل والإجهاض المأمون والإحالة عقب الإكراه الجنسي أو العنف الجنسي أو فيروس الورم الحُليمي البشري. وبينما يضطر الناس لأن يذهبوا إلى أماكن مختلفة في أيام مختلفة لكي يحصلوا على خدمات مختلفة، فكثير لا يستطيعون أو لا يرغبون في ذلك لأسباب وجيهة، وعليه فنحن نخسر فرص تثقيف العامة وتقديم الخدمات الوقائية.

س: ما هي أمنياتك بالنسبة لصحة المرأة؟

ج: طوال 40 عام لم أشاهد التزاماً قوياً تجاه صحة المرأة كالذي نبديه الآن على الصعيد العالمي؛ فقد أعلن الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس الولايات المتحدة الأمريكية عن مبادرتين مهمتين في مجال صحة المرأة. فلم يكن لدينا التزام على هذا المستوى من القيادة فيما سبق. وهاتان المبادرتان العالميتان المهمتان، وهما الاستراتيجية العالمية للأمم المتحدة لصحة المرأة والطفل ومبادرة الولايات المتحدة للصحة العالمية، مرشحتان بقوة لأن تكونا سبباً في إحراز التقدم المنشود. فالثقل السياسي لهما يشجع سائر المبادرات العالمية والجهات المانحة لتمويل وتقوية النظم الصحية مع التركيز على المرأة والأطفال. كما أن صندوق الأمم المتحدة للسكان يتمتع بقيادة جديدة ولديه خطة استراتيجية منقحة تركز على إدماج خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، فضلاً عن التركيز على صحة المراهقين وتطويرهم، وهذه الاستراتيجية يعززها تشجيع الاهتمام بالمساواة بين الجنسين وحقوق الإنسان. وتجدر الإشارة إلى أن كثير من الرواد وراء هذه الجهود الكبرى هم من الرجال. وكلما عبر مزيد من الرجال ذوي المناصب المهمة (بما في ذلك وزراء المالية) عن آرائهم واتخذوا الإجراءات المناسبة، وخصوصاً على الصعيد الوطني، فسوف يسرع ذلك من وتيرة التقدم المحرز.

س: إن أخذ التعهدات السياسية هو أمر جيد للغاية، ولكن هل يفي السياسيون بها؟

ج: لقد تحسن الخطاب السياسي، غير أن معظم السياسيين لا يعملون إلا فيما يتفق مع اهتماماتهم و/أو عندما يضطرون إلى ذلك. ففي معظم البلدان، لا يكون للسيدات والأطفال صوت سياسي عالٍ، برغم اكتسابهم أرضية جيدة في بعض البلدان خلال السنوات العشر الماضية تقريباً. وكان الدعم المقدم من المهنيين الصحيين أقل مما يجب، وكانت هناك ضرورة لأن يتم تثقيفهم حول كيفية الاستفادة من نهج الحقوق الجنسية والإنجابية والخدمات الصحية في تحقيق أهدافهم. ويجب أن نشجع ونثني على الرواد العالميين مثل هؤلاء الذين ذكرتهم، إلى جانب راسمي السياسات ومديري البرامج ذوي الخبرة والفاعلية العالية من البلدان التي تحرز تقدماً. ويجب أن نستثمر في المناصرين المحليين والدوليين الذين تتمثل مهمتهم الرئيسية اليوم في إقناع من في أيديهم مقاليد الأمور والموارد لترجمة خطابهم إلى أفعال.

شارك