مجلة منظمة الصحة العالمية

لا تدع ضحايا التعذيب يخرجون عن دائرة الاهتمام

غالباً ما يحرم ضحايا التعذيب وسائر أشكال إساءة المعاملة المرتبطة بالعنف من فرصة الحصول على العلاج الأساسي. يتحدث إريك هولست إلى فيونا فليك حول دور الأطباء والنظم الصحية في إعادة تأهيل هؤلاء الضحايا.

إهداء من إريك هولست
إريك هولست

غالباً ما يحرم ضحايا التعذيب وسائر أشكال إساءة المعاملة المرتبطة بالعنف من فرصة الحصول على العلاج الأساسي. يتحدث إريك هولست إلى فيونا فليك حول دور الأطباء والنظم الصحية في إعادة تأهيل هؤلاء الضحايا.

س: كيف أصبح العمل مع ضحايا التعذيب هو مناط الاهتمام في حياتك المهنية؟

ج: كان ذلك حين دعيت لكي أترأس مجلس إدارة مركز التأهيل والبحوث المعني بضحايا التعذيب في كوبنهاجن منذ شباط/فبراير 1990. ولم أكن أفكر حينئذ في أني سيكون لي أي دور آخر سوى ترأُس الاجتماعات، ولكني حضرت أحد الاجتمعات في جامعة ترومسو بشمال النرويج وأصبحت على دراية بحالات الإيذاء النفسي التي كانت قد كانت تحدث في أوروبا الشرقية. وكانت حقيقة في ذلك الوقت أني استوعبت أن مهنة الطب، وهي مهنتي، كان عليها كثير من ديون لتسددها. وأدركت أنه يمكنني الاستفادة جيداً من الخلفية الخاصة التي جئت منها، سواء الأوساط الأكاديمية أو المؤسسات المهنية، حيث عملت مثلاً كرئيس للجنة الدائمة لل"باء في الجماعة الإقتصادية الأوروبية (الاتحاد الأوروبي حالياً). وقلت لنفسي: "إن هذا تحدي لا أستطيع أن أرفضه."

س: لقد بدأت بالتعامل مع القضية من منظور أخلاقي طبي، ولكن ركزت لاحقاً على مساعدة الضحايا. كيف حدث هذا التحول؟

ج: لقد أدركت وجود سقف يحدد ما يمكن إنجازه عن طريق الخروج بتصريحات أو إعلانات عن الأطباء والتعذيب. فالتجارب التي شهدتها أوروبا الشرقية مع الانتهاكات النفسية، ثم الجزائر وأيرلندا الشمالية، وأمريكا اللاتينية حيث كان يتم إشراك أطباء الجيش، علمتني أنه لم يكن كافياً أن أخبر الأطباء أن عليهم الابتعاد عن التعذيب. والحقيقة هي إنهم إن كانوا جزء من الهرم، كما في حالة أطباء الجيش أو أطباء السجون، فإنهم يواجهون مخاطر المشاركة. "يجد الأطباء الأفراد صعوبة بالغة في مواجه نظاماً يستخدم التعذيب لأن مجرد المواجهة تعني فضح النظام نفسه، والذي قد يتحول ضد الطبيب" وبرغم أنه يكون مستحباً أن نرى الأطباء وهم يفضحون مماراسات التعذيب، فإن هذا لا يحدث في الواقع على الإطلاق. ومن ناحية أخرى، هناك الكثير الذي يمكن بذله من أجل ضحايا التعذيب. وكان ذلك قد أصبح مفهوماً في عام 1980 في مركز التأهيل والبحوث في كوبنهاجن، وفي برنامج هارفارد لإصابات اللاجئين في ولاية بوسطن. ولا يخفى أن تقديم المساعدة إلى ضحايا التعذيب كان نهجاً واضحاً اتخذته مهنة الطب في المواقع التي لا تفيد فيها صياغة القرارات المناهضة للتعذيب.

س: هل تقول أن التصريحات المختلفة المناهضة للتعذيب لها أثر محدود أو ليس لها تأثير على الإطلاق؟

ج: حسناً، أعتقد أن لها بعض التأثير. وأنا على يقين من أن حملة منظمة العفو الدولية في عامي 1972 و1973 وضعت هذه القضية على جدول الأعمال العالمي ودفعت الأمم المتحدة لأن تتحدث عنها. غير أن ملاحقة المهنيين الصحيين وتشجيعهم على عدم الانخراض في التعذيب، كما قلت من قبل، هو أمر سهل القول، ولكنه ليس هذه البدرجة من السهولة عندما نأتي إلى الفعل. فالأطباء يواجهون أحياناً مآزق حقيقية.

س: ماذا تعني بذلك؟

ج: حسناً، إن مهنتنا تجبرنا على أن نفعل ما نستطيع لكي نخفف آلام الناس وننقذ أرواحهم ولكن إن فعلت ذلك، وأنت تدرك تماماً أنك تقدم يد المساعدة لكي تبقي على ذلك الشخص على قيد الحياة من أجل أن يعذب مجدداً في الغد، فأنت في موقف لا تحسد عليه. وينص إعلان اتحاد الأطباء العالمي بطوكيو عام 1975 على أن الأطباء لا ينبغي لهم على الإطلاق أن يتواجدوا حيثما يمارس التعذيب أو يوشك أن يحدث، وأنه ينبغي عليهم تكريس معارفهم إلى ممارسات التعذيب سواء قبل حدوثها أو خلاله أو بعده. ومن هنا، فإن الواجب الأساسي على عاتق الأطباء المتمثل في الحفاظ على الحياة لا ينطبق في مثل هذا الموقف.

س: كيف بدأت مؤسسة ICAR؟

ج: يعود ذلك لعام 1991 حيث نظم مجلس التأهيل الدولي لضحايا التعذيب ندوة حول التعذيب في بودابست، بالمجر، ووجهنا الدعوة إلى ممثلين من بلدان أوروبا الشرقية، بمن فيهم الدكتورة كاميليا دورو من رومانيا. وكانت هذه الندوة هي ما دفع الدكتورة كاميليا دورو إلى إنشاء مؤسسة ICAR في بوخاريست بهدف معالجة المواطنين الرومانيين الذين واجهوا أشكال المعاناة خلال فترات القمع الشيوعي. وحالياً، تقدم المؤسسة المساعدة كذلك إلى ضحايا التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان الأخرى الذين يأتون إلى رومانيا قادمين من أماكن بها نظم قمعية، وخصوصاً من الشرق الأوسط وأجزاء من أوروبا الشرقية.

س: إلى أي مدى يوافق أرباب المهن الصحية على معالجة ضحايا التعذيب؟

ج: الاتجاه السائد حاليا يصب في صالح استخدام نهج متعدد التخصصات في المعالجة. فمعظم المراكز تقدم المساعدة الطبية والنفسية، إلى جانب المساعدة الاجتماعية والقانونية التي تتضمن مساعدة الضحايا في الحصول على حق اللجوء. لذلك، فإن الاستجابة لاحتياجات هؤلاء الأشخاص ليس بالأمر السهل الذي تستطيع إدخاله في نظام المستشفيات، ولكن يكن ذلك ممكنا في المراكز المستقلة الأصغر حجماً.

س: هل يعني ذلك أنك تفضِّل المراكز الصغيرة على المستشفيات لهذا النوع من المعالجة؟

ج: كلاهما لديه دوراً يؤديه. فقد أجريت دراسة على إدماج معالجة ضحايا التعذيب في نظم الرعاية الصحية في أوروبا. وتتمثل المشكلة الأساسية في أن، في معظم البلدان، لا يتمتع طالبو اللجؤ بإمكانية الوصول للنظام الصحي المحلي حتى بالنسبة للمشاكل الصحية العامة، وحتى إن سُمح لهم بالوصول إليه، فلا يكون النظام بالضرورة مجهزاً لمساعدة ضحايا التعذيب. وبهذا، فأحد التحديات الماثلة أمامنا هي القدرة على تقديم أي خدمات في الأساس. والأمر لا يتعلق كثيراً بمعرفتنا بكيفية مساعدة هؤلاء الناس، بل بكيفية تنظيم الأشياء بالطريقة التي يتم بها تحديد ضحية التعذيب على وجه السرعة بمجرد وصوله للبلد وإحالته إلى الأجهزة ذات الخبرة المناسبة.

س: هل هناك بلدان تقوم بذلك بالفعل؟

ج: على حد علمي، النرويج هي البلد الوحيد الذي تم فيه إدماج هذا النوع من الخدمات في النظام الصحي. والخطر، بالطبع، يكمن في أن المراكز الصغيرة قد يهمش دورها أو تختفي تماماً. فالمراكز الصغير المتخصصة تؤدي دوراً مهماً في تطوير المعالجة، بل وفي الحفاظ على هذه القضية على جدول الأعمال. ففي الدنمارك وهولندا، تولت الحكومة تكلفة هذه المراكز، ولذا فهي تعد جزءاً من الأجهزة الصحية الوطنية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تحصل المراكز المتخصصة كذلك على دعم مالي كبير، وليس كلي، من الحكومة. ولكن في كثير من البلدان، تعتمد المراكز اعتماداً كلياً على التمويل الخارجي من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والأموال الخاصة مثل مؤسسة مؤسسة أوك.

س: ما هي الجهود المبذولة على الصعيد الدولي لتعزيز الرعاية المتخصصة لضحايا التعذيب؟

ج: في مارس العام الماضي، أقر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة القرار الدنماركي 16 / 23 الذي يذكر صراحةً الحاجة إلى مراكز متخصصة من أجل مساعدة ضحايا التعذيب. ويحث الدول على أن تكفل حصول ضحايا التعذيب على خدمات التأهيل الاجتماعي والنفسي والطبي، ويطالب الحكومات أن "تؤسس أو تصون أو تسهل أو تدعم مراكز أو مرافق التأهيل التي يمكن لضحايا التعذيب أن يحصلوا فيها على هذه المعالجة والتي تؤخذ بها تدابير فعالة من أجل ضمان سلامة العاملين بها والمرضى. ولعلك تتسائل لماذا وضع الدنماركيون هذا القرار: كان ذلك تقليداً منذ أيام لجنة حقوق الإنسان أن تقوم البثعة الدائمة للدنمارك لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف بتنسيق إعداد القرار السنوي بشأن التعذيب. وقد شاركت في وفد الحكومة الدنماركية لدى اللجنة من 1996 إلى 1999. كما كان الفصل الذي يتناول التعذيب في إعلان فيينا مساهمة من الوفد الدنماركي، والذي شرفت بالصياغة اللغوية له. لقد أصبحت الدنمارك بصورة ما خبيرة في قضية التعذيب وأنا فقط أتبع هذا التقليد.

س: هل يوجد توافق في الآراء حول ماهية الدور الذي ينبغي لمنظمة الصحة العالمية القيام به في التصدي لممارسة التعذيب؟

ج: لست على صلة وثيقة بالمنظمة لأعرف ذلك، ولكني أعربت عن خيبة أمل أكيدة. أعود للوراء قليلاً لثمانينيات القرن الماضي، كانت هناك اجتماعات عدة بهدف التصدي لمختلف العواقب النفسية للعنف، حيث بدأت المنظمة في تناول طرق المعالجة وأساليبها، ولكن عند نقطة معينة تحول اهتمامها بالمشكلات النفسية خلال الصراعات وما بعد الصراعات على أساس أنها مشكلة تواجه الجماهير أكثر من الأفراد. وكان ذلك يعني أن الدليل، الذي صدر بالتعاون مع مكتب المفوضية السامية للاجئين، كان كله حول الإجراءات الواجب اتخاذها حيال حشد كبير من الناس في حالات الصراعات أو ما بعدها. وأعتقد أنه ينبغي أن يبذل مزيد من العمل بشأن معالجة الأفراد، حتى لو كان ذلك يتطلب مزيد من القوة العاملة والمهنيين الصحيين. وأتمنى أن تعود منظمة الصحة العالمية إلى مسارها السابق وأن تعقد مشاورة دولية حول كيفية تأمين خدمات التأهيل لضحايا التعذيب في المستقبل.

س: ما هي المواثيق الدولية التي كان لها الأثر الأكبر على ضحايا التعذيب؟

ج: بالنسبة لي، أكثر المواثيق ملاءمة هو الفقرة 59 من إعلان وخطة عمل حقوق الإنسان التي أقرها المؤتمر العالمي حول حقوق الإنسان في 25 حزيران/يونيو 1993ففي فيينا، النمسا. وتطالب بمزيد من الإجراءات الملموسة في إطار الأمم المتحدة بهدف تقديم المساعدة لضحايا التعذيب وضمان مزيد من التعويضات الفعالة من أجل تأهيلهم بدنياً ونفسياً واجتماعياً. وربما كانت اجتماعات منظمة الصحة العالمية التي تحدث عنها سلفاً استجابة لهذا المطلب. حيث قامت المنظمة أولا بالتعرف على العواقب الصحية (وتسمى أخطار) للعنف المنظم، ثم طرق التعامل مع هذه العواقب، ولكنها لم تناقش إنشاء إطار العمل اللازم لتوفير خدمة التأهيل طويل الأمد للأفراد مثلما هو الحال في البلدان المضيفة لطالبي اللجوء. ويسلك دليل المنظمة الجديد الخاص بالإسعافات النفسية للعاملين الميدانيين نفس المسار، حيث أنه يهتم فقط بتحسين الصحة النفسية للسكان المتضررين بالكوارث ولا يتناول الرعاية طويلة الأمد للأفراد الذين يقعون ضحايا للتعذيب خارج حالات الكوارث.

س: ما هي أمنياتك لمستقبل ضحايا التعذيب؟

ج: نرى بوضوح أن الجهود المبذولة لإنفاذ المنع التام للتعذيب لم تنجح في إيقاف ممارسته في عدد كبير من البلدان. ففي الواقع، تستمر ممارسة التعذيب، بل ويتمتع القائمون على التعذيب ومن يكلفونهم بممارسته بحصانة بحكم الواقع. ووفقاً لآخر تقرير سنوي لمنظمة العفو الدولية، يمارس التعذيب أو المعاملة القسية أو غير اللإنسانية أو المهينة في 111 بلداً - حيث يكون حدوثه متفرقاً في بعض البلدان ويمثل ظاهرة متوطنة في بلدان أخرى. وفي نهاية الأمر، نحن نهدف إلى نهتم بضحايا التعذيب مثلما نهتم بمرضى السرطان. وحتى إن كانت منظمة الصحة العالمية تعمل بصورة أساسية على جهود الوقاية، فإنها لا تتأخر كذلك في تطوير الخدمات الصحية الملائمة للجميع. ومن المهم أن يأتي ضحايا التعذيب ضمن هؤلاء "الجميع".

أجريت المقابلة مع إريك هولست بصفته كضيف متحدث في سلسلة ندوات السوابق الصحية على الصعيد العالمي لمنظمة الصحة العالمية. للاطلاع على الندوات، برجاء زيارة الرابط: http://www.who.int/global_health_histories

شارك