مجلة منظمة الصحة العالمية

صَوْغُ الوباء والتدخل – أساس منطقي علمي لقرارات سياسة؟ دروس من جائحة إنفلونزا 2009

Maria D Van Kerkhove a & Neil M Ferguson a

a. Imperial College London, MRC Centre for Outbreak Analysis and Modelling, W2 1PG London, England.

Correspondence to Maria D Van Kerkhove (e-mail: m.vankerkhove@imperial.ac.uk).

(Submitted: 20 October 2011 – Revised version received: 17 February 2012 – Accepted: 22 February 2012.)

Bulletin of the World Health Organization 2012;90:306-310. doi: 10.2471/BLT.11.097949

الخلفية

لعب تحليل الفاشية والصَّوْغُ الرياضي دوراً هاماً في التخطيط لاستجابة الصحة العمومية لفاشيات الداء العدوائي، والأوبئة والجوائح. قد تساعد هذه الأدوات في قياس خطر الصحة البشرية الذي يفرضه متعض مُعْدٍ جديد، ويقوم سريعاً بتحليل وتأويل المعطيات المحدودة في المراحل الباكرة لجائحة، واستعمال ذلك التحليل لتوقع تطورات مستقبلية. كل هذه الأفعال ضرورية لتقييم المنافع الكامنة لإجراءات مكافحة نوعية. تتكامل النماذج الإحصائية والرياضية وتُرَكِّب معطيات وبائية، سريرية، فيروسية، وراثية واجتماعية ديموغرافية للحصول على بصائر كمية إلى نماذج من نقل المرض.1

بعد فترة وجيزة من ظهور A(H1N1)pdm09 في أمريكا الشمالية عام 2009، عقدت منظمة الصحة العالمية شبكة صَوْغِ رياضي لارسمية لخبراء الصحة العمومية ومجموعات الصَّوْغ الرياضي في مؤسسات أكاديمية. عملت هذه الشبكة بصورة تعاونية لتحديد خواص دينميات وأثر الجائحة وإظهار النتيجة الكامنة لمختلف التدخلات في أطر مختلفة. نشر هذا العمل في شواكل مناسبة لمختلف المشاهدين، بما فيها الخبراء التقنيون، واضعو السياسة والجمهور العام. وتم التأكيد على تأمين وتأويل خبرات من بلدان متطورة للتطبيق في أطر منخفضة الموارد.2

نقدم في هذه الورقة مراجعة للتحليل والصَّوْغ الرياضي المتخذ خلال وبعد جائحة 2009، مع التركيز على البحث ذي الصلة مع التخطيط للصحة العمومية ووضع القرار.

التخطيط السابق للجائحة

استعملت صِيَغٌ رياضية من قبل وزراء الصحة والحكومات لتنوير التخطيط لجائحة الإنفلونزا في كثير من البلدان المتطورة. وتمت صِيَاغَةُ التخطيط – حيث تقوم شدة مرض (كنسبة حالات الوفاة) وخواص الانتقال (عدد التوالد الأساسي، R0 ) لفيروس الإنفلونزا على جوائح قديمة (مثل، 1918، 1957، 1968) أو ذراري فيروسية جائحية كامنة (كالنمط الفرعي H1N1 لإنفلونزا الطيور الواصم بشكل عالي) – لتقدير مسار الوقوع الكامن لحالات العدوى والحالات المميتة والأثر المحتمل لإجراءات المكافحة. تمكن تلك المعلومات من تحديد التدخلات الضرورية الطبية وغير الطبية، وجدوى الاحتواء والقد الأمثل والمخزون الدوائي وأفضل استخدام للأدوية بعد بداية الجائحة.3،4

الصَّوْغ خلال جائحة 2009

خلال جائحة A(H1N1) عام 2009، عمل أعضاء من مجتمع صَوْغ الإنفلونزا بشكل قريب مع وكالات الصحة العمومية ووزارات الصحة. ركزت الجهود على تعداد سريع للانتقال لتأمين دليل على تغييرات الطور الجائحي لمنظمة الصحة العالمية؛5 تقييم الشدة6 والفصلية؛7،8 تأويل النزعات الوبائية بمرور الزمن؛ قياس التبدلات المستضدية في الفيروس9 وتقييم الأثر الكامل للتدخلات.10،11 كما أمَّنَ الصاغة في وكالات الصحة العمومية مُدخلاً إلى تصميم الدراسة، وساعدوا في استعراف المعطيات المفتاحية لعنونة تبدلات الصحة العمومية.12-13

ورغم استعمال الصَّوْغَ الرياضي لأهداف تخطيطية واكتشاف خيارات التهوين في دول كثيرة من الأمريكيتين (مثل كندا، المكسيك والولايات المتحدة في أمريكا)، أوروبا (فرنسا، ألمانيا، هولندا، والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية)، فإنه لم يكن صوغ محاكاة معقد، ولكنه بدل ذلك، كان عبارة عن تحاليل إحصائية واقعية قامت على طرز انتقال ميكانيكية وتأويل معطيات وبائية وفيروسية غالباً ما تقوم بتنوير قرارات سياسية على أساس يومي. كانت هذه النتائج منتثرة بشكل واسع في نشرات يراجعها الزملاء، ومع ذلك لم ينشر كثير من النصيحة والتوجيه المشتقين من الصَّوْغ بصورة رسمية، ولكنه قدم بدل ذلك خلال المقابلات المباشرة مع واضعي السياسة الوطنية، مع التوثيق أحياناً في محاضر أو تقارير الاجتماعات.

قَدَّمَت استقصاءات الفاشية الباكرة مُعطيات ثبت أنها حرجة في وصف وبائيات العدوى بفيروس A(H1N1)pdm09 في المجتمعات، المدارس والمنازل. وقد أمكن تقدير R0، فواصل متتالية ومعدلات هجمة سريرية نوعية بالعمر وتقفي التوزع المؤقت لعداوى ثانوية.5 هذه المتتراتبات كانت أساسية في تقييم عبء عدوى فيروس A(H1N1)pdm09 وشدة المرض. بعدها أتبعت التحاليل السريعة الباكرة بمعطيات محدودة أجريت لتنوير قرارات سياسة بدراسات أكثر تفصيلاً استخدمت معطيات أكثر واقعية واكتمالاً. على سبيل المثال، قَدَّمَت التحاليل الاستعادية لمعطيات متاحة للعامة وبائية وفيروسية لعدة دول فرصة مثلى لمقارنة انتشار نفس الفيروس في دول مختلفة وتحديد إذا كانت فروق مدى، درجة الحرارة، الرطوبة، بنية عمر السكان أو أنماط التمازج المؤثرة في دينميات الانتقال.14

كانت قرارات سياسة حول الاستعمال الأمثل، الفعالية وفعالية التكلفة لتدخلات دوائية (كاستعمال مضادات الفيروسات واللقاحات) وغير دوائية (كإغلاق المدراس، وإجراءات التباعد الاجتماعي، الأقنعة) قد تأثرت لدرجة كبيرة بنتائج الصَّوْغ الرياضي.11،15 بما أن مضادات الفيروسات واللقاحات كانت قليلة أو غير متاحة في دول كثيرة عند بداية جائحة 2009 (وخلال الجائحة في بعض الدول)، أضاف الصَّوْغ التوجيه نحو استعمال أمثل لتلك التدخلات لإنقاص الانتقال باستهداف الأطفال بعمر المدرسة ونواقل عالية أخرى، أو إنقاص المراضة والوفيات باستهداف أشخاص مرتفعي الخطورة، كالمصابين بحالات مستبطنة مزمنة أو الحوامل.

كان إغلاق المدراس خيار سياسة تم التفكير به في بعض الدول. ورغم أن فيروس A(H1N1)pdm09 سبب مرضاً أخف مما هو متوقع، إلا أن بعض الدول، كالأرجنتين واليابان، أغلقت جميع المدارس باكراً خلال الوباء بالتمديد أو التراكب مع العطل المدرسية، بينما أغلقت دول أخرى مدارس معينة فقط. ثبت أن الصَّوْغَ مفيد في موازنة الفوائد الصحية الكامنة لإغلاق المدارس في مواجهة التكاليف الاجتماعية والاقتصادية. وخلال الجائحة، تشاركت مجموعات الصَّوْغ في عدة بلدان، بما فيها أوستراليا، الصين (المنطقة الإدراية الخاصة بهونغ كونغ)، فرنسا، اليابان، هولندا، المملكة المتحدة والولايات المتحدة، بصورة سرية بنشر نتائج غير منشورة مع منظمة الصحة العالمية ودول ليست أعضاء في منظمة الصحة العالمية عبر شبكة الصَّوْغ الرياضي لمنظمة الصحة العالمية لتنوير وضع القرار.2

دروس وتحديات

يصعب إجراء تقييم معول لمدى وضع قرار مستنير بالصَّوْغ خلال جائحة 2009. لأن منفذي الصَّوْغ والإحصائيين الحيويين في معظم الدول قدموا النصيحة كجزء من مجموعات نصح متعددة المجالات عالية التفاعلية، يؤلف المشاركون فيها غالباً نتائج صَوْغ رسمية ومنظور دينمي ميكانيكي عن الجائحة المنتشرة. علاوة على ذلك، يحتاج واضعو السياسة للموازنة ليس فقط عن الفوائد الصحية الكامنة لمختلف التدخلات، ولكن أيضاً التكاليف الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، والأخلاقية المترافقة مع خيارات سياسة معينة. لكن الأكيد، أنه يتم اكتساب البصائر من سياسة مستنيرة بالصَّوْغ الإحصائي في دول كثيرة.

رغم الإنجازات الجيدة، تبقى عدة تحديات. وحتى يتم تعيين توقعات واقعية، يمكن للتواصل الجيد بين واضعي السياسة والعامة حول ما يمكن للصَّوْغ أن يقدمة أو لا يقدمه ضروري جداً. ومن المهم أيضاً أن يتم إتصال فعال عن كيفية اختلاف التوقع عن سيناريو الصَّوْغ. تفيد السيناريوهات في التخطيط لتقييم فعالية التدخلات ومختلف خيارات السياسة، لكنها ليست توقعات. كان الفشل في تواصل الارتياب مشكلة، وقاد إلى سوء فهم نتائج الصَّوْغ خلال جائحة 2009.

كانت الضغوط السياسية خلال جائحة 2009 شديدة. إذ غالباً ما فشلت المعطيات المتاحة في ملائمة حاجة واضعي السياسة للمعلومات. وكان من الواجب وضع قرارات مفتاحية، مثل الكمية التي يجب شراؤها من اللقاح، رغم الارتياب الكبير المحيط بالأثر الصحي الإجمالي الممكن للجائحة. قد تخضع التحاليل المجراة في ’الوقت الحقيقي‘ باستعمال معطيات محدودة دائماً لارتياب كبير، كما تخضع التقديرات المركزية وتقييمات الحالة السيئة حتماً لتبدل عند إتاحة معطيات إضافية.

كما هو متوقع، أدى وجود فجوات أساسية للمعطيات باكراً خلال الجائحة، وخاصة حول معدلات العدوى عند السكان بمرور الوقت، إلى صعوبة التقييم الدقيق لأثرها وشدة المرض. كان لدى دول كثيرة معطيات معولة وحديثة حول الطلب على الرعاية الصحية الأولية بسبب المرض الشبيه بالإنفلونزا، لكنها تملك معلومات محدودة جداً عن نسبة الأشخاص الذين أصيبوا بالعدوى ويتطلبون الرعاية الصحية. نتيجة ذلك، لا يمكن استعمال عدد الحالات الأعراضية التي كانت تطلب الرعاية الطبية لتقدير معدل الحدوث الإجمالي لعدوى الإنفلونزا في المجتمع. كان يمكن لمعطيات الترصد المصلي في الوقت الحقيقي أن تملأ هذه الفجوة، لكن تلك المعطيات لم تكن متاحة في أي دولة قبل حدوث الذروة الأولى لنشاط جائحة الإنفلونزا.13 أدت فجوات أخرى في المعطيات إلى تقييم الأثر الممكن للاختلاف الفصلي للانتقال7،8 أو فعالية كثير من التدخلات اللادوائية، وخاصة في المناطق منخفضة الموارد.

تم تعلم دروس هامة عديدة من جائحة 2009 (المستطيل 1). الرئيس بينها أن الصَّوْغ ليس بديلاً عن المعطيات. فضلاً عن ذلك، يؤمن الصَّوْغ وسيلة للقيام باستخدام أمثل للمعطيات المتاحة وتحديد نمط المعلومات الإضافية الضرورية لدراسة الأسئلة المتصلة بسياسة. ولكن يجب علينا ألا نكون سلبيين كثيراً بالنظر إلى الإنجازات التي تمت عام 2009. حيث قدم الصَّاغة هيكلاً كمياً لتحليل معطيات الترصد وفهم دينميات الجائحة وأثر التدخلات. وما يثير الجدل، أنه كان تحليلاً وتأويلاً حادثاً في الوقت المناسب ومباشراً في نفس الوقت إذ أن معظم القرارات التي أنارت قرارات سياسة تمت خلال الأشهر الأولى للجائحة، وليس صّوْغ المحاكاة الجائحي المعقد للنمط المستخدم للتخطيط السابق للجائحة.

نحتاج في المستقبل إلى تناسق أفضل ليس فقط بين الصَّاغة ومجموعات الصَّوْغ، بل أيضاً مع السريريين، الوبائيين، علماء الفيروسات وواضعي السياسة الصحية العمومية. ومن المهم أيضاً إنقاص التضارب وبناء التوافق بين مجموعات الصَّوْغ. تتسهل هذه الأهداف بتأسيس شبكات صَّوْغ وطنية ودولية كتلك التي تم تكوينها عام 2009.

الإطار 1. خلاصة الدروس الرئيسية المتعلمة

  • قام الترصد المصلي والمراقبة الأفضل لمعدلات هجمة المرض المجتمعي بملء فجوات المعطيات (أي عدم معرفة معدل هجمة العدوى المستبطنة بمرور الوقت) التي صَعَّبَت تقييم شدة المرض وتوقع ذروة نشاط الجائحة.
  • كانت مشاركة وتحليل المعطيات الوبائية المفصلة خلال الجائحة حاسمة لتنوير القرارات، ولكن معطيات الدول منخفضة الموارد كانت محدودة.
  • كان التواصل بين مجموعات الصَّوْغ وواضعي القرار جيداً في عدة دول، ولكن كان من الممكن أن يكون أفضل.

المراجع

شارك