مجلة منظمة الصحة العالمية

لُغْزُ الإنفلونزا

يذكر باتريك أدامس في تقريره. "أدت التقدمات الحديثة في علم الجراثيم، والتسلسل الجزيئي إلى تحسن سريع لفهمنا لكيفية تطور فيروسات الإنفلونزا وانتشارها. ولكن لازالت توجد عدة أسئلة لم تتم الإجابة عليها تربك الباحثين."

بالنسبة لكشافي المرض في وكالات الصحة العمومية الأولى في العالم، تشكل الإنفلونزا عدواً معروفاً للجميع. أول ما عزلت عام 1932، يحدث الفيروس – وهو عضو وحيد الطاق من عائلة الفيروسة المخاطية القويمة – كل سنة في كل دولة، فصلياً وفرادياً، يقتل بين 250.000 و500.000 شخص، ويسبب مرضاً شديداً لعدة ملايين آخرين، حسب منظمة الصحة العالمية.

حدثت خلال القرون الثلاثة السابقة، 10 جائحات إنفلونزا عالمية على الأقل 3 منها في القرن الأخير وحده، بينها ما عرف باسم ’الإنفلونزا الإسبانية‘ 1918-1919. وهي أشد فاشية مرضية حدثت في تاريخ البشرية، ويعتقد أن تلك الجائحة قد سببت وفاة بين 20 و 50 مليون في أنحاء العالم. توقع تلك الكارثة، والنتائج المربكة للإنفلونزا الفصلية هو ما جعل الإنفلونزا الفيروس الثاني الأكثر دراسة في العالم، بعد فيروس العوز المناعي البشري HIV.

WHO/Harold Ruiz

في السنوات الأخيرة، أعطت تلك الاستثمارات في أبحاث الإنفلونزا بصائر هامة جديدة حول البنية الوراثية للفيروس وسعة التطفر. وفي الواقع استطاع العلماء، مع استبناء فيروس 1918 في المراكز الأمريكية لمكافحة المرض والوقاية منه في أطلنطا 2005، استعراف التبدلات الوراثية التي سمحت للفيروس بعبور حائل النوع بين الطيور والبشر، مما يثبت مخاوف أن ذراري H5N1 الطيرية التي كانت تجول في آسيا قد تقوم بذلك يوماً ما.

في الوقت الحاضر، اقتحم الباحثون في المخبرين الرئيسيين الرائدين للإنفلونزا في جامعة ويسكونسون- ماديسون، في الولايات المتحدة الأمريكية وإراسموس م سي في روتردام، هولندا، أرضية جديدة بتخليق ذراري H5N1 طافرة. أما الدراسات الخلافية، والتي توقفت نتيجة جدال يتعلق بالمخاطر التي قد تفرضها على الصحة العمومية، فقد أظهرت أن الفيروسات مجهزة ببروتين راص من فيروسات H5N1 عالية الإمراضية قد تصبح سارية في فئران ابن مقرض.

يعتقد أن فئران ابن مقرض نموذج حيواني صغير مثالي للإنفلونزا لأنها مستعدة لفيروسات الإنفلونزا البشرية وبعض الأعراض التي تشاهد عند البشر. وليس من المعروف حتى الآن ما إذا كان هذا الفيروس الطافر من H5N1 سارياً عند البشر، ولا يمكن إجراء دراسة تثبت ذلك. لكننا نستطيع الاستدلال بوجود ميل عال للسراية بناء على موجودات عند فئران ابن مقرض.

رغم ذلك، لازال فهمنا للوبائيات الأساسية للإنفلونزا بعيد الاكتمال نسبة لجميع التقدمات التي أتاحتها التقنيات الجينومية الجديدة. فقد كتب ميشيل غريغ خبير الوبائيات الحديث مديد الخدمة في مركز مكافحة المرض في عام 1980، "لازالت تلك الأسئلة العريضة المتعلقة بماهية القوى النوعية التي توجه ظهور واختفاء الأوبئة تتحدى علماء الفيروسات والوبائيات". ولازال هذا حقيقي حتى الآن.

خذ مثلاً اللغز المتواصل لفَصْلِيَّة الإنفلونزا. فربما يؤمن الاتساق الشبيه بالساعة لوقوع الفيروس في الشتاء، ويصل إلى الذرى في المناطق المعتدلة، التوضيح الأكثر إدهاشاً لفصلية الأمراض العدوائية. ولكن ما يغيم الصورة هو نمط عالي التبدل لفاشيات الإنفلونزا الفصلية في المناطق المدارية، وهو ما تذكره مارثا نلسون خبيرة الوبائيات في المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة. وتضيف "قد تترافق مع فصول ماطرة أو جافة، وقد تصاب بجائحة واحدة أو جائحتين". "وهو بالفعل غير مفهوم بصورة جيدة."

وهذا رغم تقديم عدد من النظريات غير المفحوصة وغير الحاسمة كسبب لهذه الحالة.

WHO/Tom Pietrasik

ما يثير الحيرة أيضاً مسألة من أين تأتي تلك الذراري الفصلية. ورغم أنه من المقبول من فترة طويلة أن جنوب شرق وشرق آسيا هي المصدر العالمي لجائحات الإنفلونزا الفصلية، فقد ألقت دراسة حديثة من باحثين في كلية الخريجين الطبيين من جامعة دوك الوطنية في سينغافورة شكاً كبيراً على هذه الفرضية. ونشرت دراسة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، قارنت هجرة الفيروس بين المراكز المدينية في سبع مناطق مختلفة معتدلة واستوائية بين 2003 و2006. ولم يتم في أي من سنوات الدراسة تعقب ذراري الإنفلونزا الجديدة إلى منطقة واحدة.

يقول غافين سميث، وهو عالم وبائيات جزيئية في الجامعة الوطنية لدوك وكاتب أرشد في الدراسة "لقد وجدنا أنه نظام ديناميكي". "فبدلاً من وجود مصدر وحيد، يكون لديك عدد من الأوبئة المحلية تتراكب في الزمن وتغذي بعضها بعضاً." وأضاف "رغم أن مجموعة المعطيات ليس ممثلة للعالم، إلا أن الدراسات الكبيرة التي قد تتم في المستقبل قد تلقي نظرة خاطفة على ما يمكن لأنماط انتشار الفيروس أن تبدو في جائحة. "إذا كنت تعرف كيف يدخل الفيروس، كما في أمريكا الجنوبية مثلاً، تستطيع تكييف التدخلات لمنع ذلك."

يقول الخبراء إن هناك فجوة جلية في وبائيات الإنفلونزا، هي ندرة معطيات الترصد على الإنفلونزا عند الحيوانات المنزلية والبرية، وخاصة الطيور والخنازير.

يقول ريتشارد ويبي، عالم فيروسات الإنفلونزا في مستشفى سانت جود لأبحاث الأطفال في ممفيس، تينيسي، الولايات المتحدة الأمريكية "نحتاج لمعرفة المزيد عن أي من الفيروسات يجول في تلك المجتمعات التي يجب أن نقلق حولها".

يلاحظ ويبي أنه، بينما ركزت جهود الترصد في عام 2009 على الفيروسات الطيرية في أفريقيا وآسيا، اعتقد أن H1N1 أصبح متوطناً عبر الخنازير في الأمريكيتين. وبوجود مستقبلات للفيروسات البشرية والطيرية، قد تخدم الخنازير "كأوعية مزج" لتأشب مختلف المادة الجينومية للفيروسات. قد تؤدي هذه الظاهرة، المعروفة بالتفارز الجديد إلى ذراري غير مألوفة مع كمون جائحي.

في الأصل، تتفارز فيروسات H1N1 الجائحية من جديد مع فيروسات H3N2 في الخنازير لتكوين فيروسات نوع H3N2 (H3N2v) أصابت 12 شخصاً في الولايات المتحدة منذ يوليو (تموز) 2011، مع انتقال محدود من بشر لبشر وشكلت تهديداً جائحياً كامناً.

ويوافق ألبرت أوسترهاوس، وهو رئيس قسم الفيروسات في إراسموس م سي وكاتب مشارك في دراسة طفرة H5N1. حيث يقول: "مناطرة الطيور هامة جداً، لكننا يجب أن نقوم بعمل كثير على الإنفلونزا عند الخنازير. نعرف أن الأرقام هائلة، ولكنا لا نعرف بالضبط ماذا يحدث هناك." وهو طبيب بيطري تحول إلى عالم فيروسات، كان فريق البحث عند أوسترهاوس الأول الذي أظهر في عام 1997 أن H5N1 ينتقل من الطيور للبشر. ومنذ ذلك الوقت، أطلق العنان محذراً من الاستعداد للجائحة، داعياً إلى مناطرة أقرب لجماعات الطيور، والاستعمال الأكثر للقاحات وخلق قاعدة معطيات عالمية تدمج المعلومات الخاصة بالإنفلونزا الحيوانية والبشرية.

يُضاف إلى المخاوف المتعلقة بالإنفلونزا الحيوانية زيادة التشديد على القطاعين الزراعي والحيواني في جنوب شرق آسيا، وهو ما شهد نمواً هائلاً في العقود الأخيرة. "نحن في عالم مختلف حالياً"، يقول ريتشارد كوكر، مدير مجموعة السياسة البحثية الخاصة بالأمراض القابلة للانتقال في بانكوك. "مع امتزاج كثير جداً بين الفيروسات، نقع تحت وطأة حدوث كمون أكبر لتفارز جديد واختيار أكبر" – وهو ما يبدو أنه قد زاد خطر حدوث جائحة جديدة.

"لا نعرف، على سبيل المثال، إذا كان إنتاج الدجاج الصناعي يولد فيروسات جديدة أو يعمل ببساطة كمضخم للفيروسات التي تدخل هذه النظم." ويقول كوكر إذا عرفنا هذا، نستطيع أن نركز نشاطات الترصد بصورة أكثر فعالية ونصمم النظم الغذائية بصورة أفضل، كي نجعلها أكثر أماناً. ويضيف، إن تركيب المشكلة هي قضايا تساوي الإتاحة للأدوية واللقاحات واستثمارات في النظم الصحية قد تكون ضرورية لتهوين التهديدات التي تفرضها فاشية. "فالسؤال الكبير الشامل هو عندما يكون لديك موارد زهيدة إجمالاً، ما هي الدول ومن هم البشر المستفيدون؟ إذ ليس لدينا حالياً آلية لدراسة هذا."

وبينما تختلف الآراء حول أفضل موضع لتبئير الموارد الزهيدة، يوافق الخبراء على الأهمية الرئيسة لللقاح الشامل. "إن وجود عامل وقائي لدرجة كبيرة ضد الذراري المتعددة سوف يغير قواعد اللعبة بوضوح" هو ما يقوله ميشيل أوسترهولم، مدير مركز البحث والسياسة المرضية في جامعة مينيسوتا. "فهي ستبدل الصورة كاملة لدرجة كبيرة." بل أكثر من ذلك، يعتبر أيضاً هدفاً واقعياً رغم تراكم ما دعاه "المرشحون البارزون الكامنون".

وهو يقول "نحن نملك العلم". "ولكن لم يتحضر أحد لتناول لقاح مرشح عبر ’وادي الموت‘ – من الطورين I وII إلى الطور III إلى الترخيص." يعزو أوسترهولم المشكلة إلى فكرة عامة خاطئة عن القاحات الموجودة حالياً، وينص على أنه قد أُفرط في بيع فوائدها. ويقول "هي ليست فعالة كفعالية ما قمنا بإخبار العامة أنها"، ويتراجع عن موجودات التحليل التلوي الذي أجراه وزملاؤه في السنة الماضية.

وباستخدام معايير مُقَيِّدة بشكل عال، قام أوسترهولم وثلاثة من باحثي الأنفلونزا الآخرين بتحري أكثر من 5700 دراسة عن فعالية اللقاحات المرخصة في الولايات المتحدة الأمريكية والتي نشرت منذ الستينات. فمن 31 دراسة منتخبة – فقط من كانت إنفلونزا مثبتة مختبرياً في النهاية – وجدوا أن من المألوف أن يكون لقاح الإنفلونزا الفصلية فعالاً بحولي 59% عند الأشخاص بعمر 18 إلى 65 عاماً – وهو أخفض بكثير من 70-90% المعتقد سابقاً – مع انخفاض 4% على الأقل في معدل وفيات المسنين. دل تعبير ’فعال‘ في هذه الحالة على القدرة على منع الإنفلونزا المثبتة مختبرياً، بغض النظر عن الشدة. ونشرت الدراسة في مجلة لانسيت للأمراض العدوائية.

وبينما أقر أوتسرهولم أن موظفي الصحة العمومية يواجهون تحدياً صعباً في إقناع العامة القلقة أصلاً عن فوائد التلقيح، يقول أنه في النهاية أن ليوم الصحة العمومية ضرورة واحدة: "قول الحقيقة، قل الحقيقة فقط. لم نكن صريحين مع العامة أو مهنيي العمل الطبي حول حقيقة مدى فعالية هذا اللقاح."

شارك