مجلة منظمة الصحة العالمية

قياس أثر الصحة الإلكترونية

إن تقييم مدى نجاح مبادرات وبرامج الصحة الإلكترونية يعني النظر إلى ما هو أبعد من عدد مستخدميها إلى حساب أثرها على الأشخاص، وهذا أمر يصعب قياسه، على حد قول كلير كيتون.

إذا كنت تعيش في جنوب أفريقيا وتحتاج إلى مشورة ما بشأن فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، فكل ما عليك القيام به هو التقاط هاتف نقال والاتصال بأحد المستشارين من خلال "Mxit"، وهو عبارة عن خط محادثة ودردشة يعتمد على الرسائل الفورية. وهناك ما يقرب من 10 ملايين شخص يستخدمون هذه الخدمة التي تديرها مؤسسة Cell-Life التي يقع مقرها في كيب تاون بالاشتراك مع خدمة LifeLine لتقديم المشورة.

"ولكن قياس الأثر هو أمر صعب"، ذلك بحسب كاثرين دي تولي، وهي كبيرة الباحثين في مجال الصحة الإلكترونية في منظمة Cell-Life وهي مؤسسة غير هادفة للربح تتيح تجريب التكنولوجيا والخدمات من أجل تحسين الصحة. وتقول كاثرين: "استخدام الهاتف النقال يختلف من حيث الأثر".

الهواتف النقالة يمكنها مساعدة الناس في المجتمعات النائية على الوصول إلى معلومات الرعاية الصحية
Cell-Life

وتضيف قائلة "لقد بحثنا في الإحصائيات وحللنا المعطيات المتبادلة، وأجرينا التقارير البحثية، ونحن نعلم أن المستخدمين يحبونها ويستخدمونها. ولكن لقياس الأثر على حصائل الصحة، مثل الوقاية من الإصابة بفيروس العوز المناعي البشري أو التخفيف من وطأة الاكتئاب، فهذا يتطلب مستوى معين من الأبحاث ليس لدينا القدرة على تحمل تكاليفه المالية".

وتشهد تكنولوجيا الهاتف النقال توسعاً سريعاً في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، ولاسيما في أفريقيا. وفي المجتمعات الأقل ثراءً والمجتمعات الريفية، فإن فرص الحصول على الهاتف النقال تزيد بكثير عن فرص الحصول على أجهزة الحاسوب.

ففي جنوب أفريقيا على سبيل المثال، حسبما تقول دي تولي، يستفيد 50 مليون شخص من تكنولوجيا الهواتف النقالة ويستخدمونها. وتؤكد التجربة اليومية أن معدل امتلاك الهاتف النقال يصل للمعدلات العالمية، حيث أن كل الناس ابتداء من الباعة الجائلين في الشوارع إلى أعلى مستوى من المديرين التنفيذيين يحملون هواتف نقالة.

ولكن في الوقت ذاته، لا تزال هناك بلدان عدة في أفريقيا تكافح من أجل الحصول على أجهزة الحاسوب وخدمات الإنترنت وإمدادات الكهرباء القوية والفعالة وغير ذلك من تحديات البنية التحتية.

ويتذكر فينسينت شو، المدير التنفيذي لبرنامج نظم المعلومات الصحية في جنوب أفريقيا، وهو منظمة غير حكومية متخصصة في تطوير وصيانة نظم المعلومات الصحية، كيف فقد البرنامج بعض المعطيات في أحد المشروعات في نيجيريا عندما انقطع التيار الكهربي وحُذِفت جميع الرسائل النصية المخزنة بعد 24 ساعة.

ويقول شو أنه في البلدان النامية، نجد أن تكنولوجيا الصحة عبر الهواتف النقالة تساعد في التغلب على النقص في الإتاحة العالمية والموثوقة لتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، كما أن استخدام أجهزة الحاسوب المكتبية سوف يستمر حتى يتحسن عرض النطاق الترددي والحصول على الإنترنت.

يقول فينسينت شو أن قياس أثر الصحة الإلكترونية لا يقتصر فقط على القيمة مقابل المال.
كلير كيتون

ويضيف: "لقد رأينا أن معدل الدخول على الإنترنت ليس كبيرا، بما في ذلك جنوب أفريقيا، وتأكدنا من الحاجة إلى أجهزة حاسوب مستقلة بدلا من السعي إلى امتلاك أنظمة إدخال معطيات قائمة على الإنترنت

وبرنامج نظم المعلومات الصحية – الذي لديه شركاء من جامعات في كل من النرويج والسويد – يعمل بالفعل في 15 دولة وقد تم ترجمة برنامجه المجاني على شبكة الانترنت إلى تسع لغات من بينها الصينية والروسية والسواحلية.

ويقول شو أن "قياس نجاح الصحة الإلكترونية لا يقتصر فقط على القيمة مقابل المال ولكن على تطور الأفراد والمجتمعات كذلك".

ويضرب شو مثالاً على ذلك عندما كان فريق برنامج نظم المعلومات الصحية يقدم تدريباً على الحاسوب في جنوب السودان للأشخاص الذين سيعملون مع نظام المعلومات الصحية الجديد.

ويقول شو أن تنفيذ برنامج نظم المعلومات الصحية أدى بالفعل إلى إحداث فارق. ويضيف "لقد تقطعت أوصال جنوب السودان بسبب الحرب – ولا يوجد لديها أي معلومات صحية أو يوجد القليل منها في نظام الرعاية الصحية لديها – ولكنها تقوم الآن بتقديم تقارير منتظمة حول المعطيات الصحية".

ويقول شو: "إننا نقدر أن هناك نحو 1.5 مليار شخص يحصلون على خدمات صحية إلكترونية في آسيا وأفريقيا، وفقاً لأبحاثنا. وقد يتم تسجيل المعطيات في سجلات ورقية في البداية، ولكن عند مرحلة ما يتم تخزين المعلومات على الحواسيب".

ويتساءل شو: "يمكننا أن نرى الأرقام – ومن الذي يقدم التقارير ومن لا يقدمها – ولكن إلى أي مدى ترجو النجاح؟

ويستطرد شو أن أحد مقاييس نجاح هذه النظم هو أنها تجعل المعطيات متاحة، بحيث يمكن استخدامها لتخصيص الموارد على نحو أسرع عن ذي قبل. وهذا يعني توفر المعطيات للمديرين في أنظمة الرعاية الصحية خلال فترات زمنية قصيرة، ما بين شهر واحد وثلاثة أشهر، بحيث يكونوا قادرين على تقييم الخدمات باستخدام معطيات أحدث بدلا من المعطيات الأقدم التي تعود إلى فترة من ستة إلى 12 شهرا مضت.

ويمكن أن تقوم المعطيات، عندما يتم تفسيرها وتأويلها من قبل العاملين بالرعاية الصحية، بتنبيه الإدارات والأقسام الصحية إلى المجالات المعرضة للخطر وذات الأولوية التي قد تحتاج إلى مزيد من الموارد. ومع ذلك، فمن الضروري أن تكون المعطيات موثوقة حتى يكون لها تأثير ملموس على التخطيط الصحي.

وتوضح لين هانمر من مجلس البحوث الطبية بجنوب أفريقيا أن: "العاملون في مجال الصحة يجب أن يثقوا في المعطيات أو أنهم سوف يستخدمون نظام معلومات آخر".

كما حذرت هانمر أيضا من أن أنظمة الصحة الإلكترونية يجب أن تلبي احتياجات العاملين في مجال الصحة وليس أن تضيف إلى أعباء عملهم.

وقد أجرت هانمر دراسة لمعرفة ما إذا كانت أنظمة الصحة الإلكترونية في المستشفيات في مقاطعتين في جنوب أفريقيا تعمل بشكل طبيعي، ووجدت أن هناك نظامين ناجحين إلى حد معقول، في حين أن الثالث ليس كذلك.

وقد شملت الدراسة معطيات من 30 مستشفى وشمل الاستطلاع 70 شخصا.

وقد أُعِد في هذه الدراسة نموذج للعوامل المرتبطة بنجاح هذه الأنظمة. وشملت هذه العوامل أداء النظام وإدراك النفع والتزام الإدارة بنجاح النظام علاوة على معرفة وفهم المستخدم للنظام.

كما تم إجراء مسح للمستخدمين وسوئل المشاركون في الاستطلاع عن مدى تقييمهم للنظام الذي كانوا يستخدمونه من حيث هذه العوامل. وبالإضافة إلى ذلك، سئل المشاركون أيضاً ما إذا كانوا يعتقدون أن النظام كان ناجحا في دعم عملهم.

وأظهرت الدراسة أن تصور النجاح بين المشاركين في الأنظمة الثلاثة وصل إلى 97% للأول و100% للثاني و37% للثالث.

وقد تم عرض هذه النتائج في ورقة عرضت على مؤتمر Medinfo 2010 الذي استضافته مدينة كيب تاون.

وقد حدد مارك ميتشيل، رئيس منظمة D-tree International غير الحكومية التي تتخذ من أفريقيا مقرا لها التحديات التي تواجه أنظمة الصحة الإلكترونية، حيث أن تصميمها قد يتأثر على نحو غير ملائم بالسحر التكنولوجي.

ويقول ميتشيل: "السؤال الهام هو: هل يؤدي هذا إلى تحسين الصحة؟ فالكثير من الأشخاص في هذا المجال يقبلون على الصحة الإلكترونية بسبب التكنولوجيا والصخب والأمور غير الضرورية والمال، ولكن من الضروري أن يواصل العاملون بمجال الصحة التركيز على أولويات الصحة".

كما أن هناك مجال آخر يستحق أن يوجّه إليه تركيز مشروعات الصحة الإلكترونية وهو كيفية خدمة الأفراد، مثلاً، من خلال إيصال وربط المرضى بالعاملين في مجال الصحة عن طريق الهواتف النقالة.

وقد لعبت الرسائل النصية على الهواتف النقالة دوراً كبيراً في تشجيع الالتزام بعلاج فيروس العوز المناعي البشري/الإيدز وعلاج السل، وكذلك في الحد من فقدان متابعة المريض في دول جنوب أفريقيا.

وفي دراسة حول اختبار فيروس العوز المناعي البشري، وجدت مؤسسة Cell-Life أن الرسائل النصية يمكنها أن تؤدي إلى تغير مستقبلي الرسائل لسلوكياتهم. فقد قامت الدراسة، التي صممتها دي تولي ووحدة مجتمع الصحة والبحوث في جامعة ستيلينبوش، باختبار ما إذا كان إرسال الرسائل النصية التي تشجع الناس على الذهاب لإجراء اختبار فيروس العوز المناعي البشري له أي تأثير.

وتقول دي تولي "لقد وجدنا أن 10 رسائل نصية صغيرة تحفيزية كان لها تأثير يعتد به إحصائيا على تشجيع الناس على الذهاب لإجراء اختبار لفيروس العوز الناعي البشري"، مضيفة أن الباحثين وجدوا أيضا أن مستقبلي الرسائل زادت احتمالات خضوعهم لاختبار فيروس العوز المناعي البشري الضعفين بعد هذه الدراسة، التي نشرت في مجلة " Telemedicine and e-Health " في شهر فبراير هذا العام.

كما حاولت دراسة أخرى تقييم ما إذا كانت الصحة الإلكترونية، في حالة تكنولوجيا الهاتف النقال، بإمكانها المساهمة في تحسين نوعية الرعاية.

وفي الدراسة التي أجرتها منظمة D-tree International، التي هي قيد الاستعراض، تم إجراء تجربة في جمهورية تنزانيا المتحدة للتوصل إلى ما إذا كان استخدام نسخة إلكترونية لكتاب الإدارة المتكاملة لأمراض الطفولة قد أدى إلى تحسين الالتزام بالبروتوكولات والعلاج الأفضل، حيث يستطيع العاملون الصحيون أن يدخلوا على النسخة الإلكترونية من خلال هواتفهم النقالة أو الأجهزة المحمولة الأخرى والتي تقوم بدورها بتوجيههم عبر كل خطوة من خطوات هذا الأسلوب حتى يتسنى لهم تقييم حالة الطفل.

كما أن مسئولي الصحة والقادة السياسيين يدركون ويقرون على نحو متزايد بفوائد ومزايا تكنولوجيات الصحة الإلكترونية.

فقد أقرت جوين راموكجويا، نائبة وزير الصحة في جنوب أفريقيا، مؤخرا أن تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات لها "دور كبير تقوم به في توسع نطاق وتحسين جودة الرعاية الصحية وتقليل تكلفتها في جنوب أفريقيا".

وتقوم وزارة الصحة في جنوب أفريقيا حالياً بمراجعة استراتيجية الصحة الإلكترونية، التي تم إعدادها على مدى السنوات الست الماضية ولكنها لم تدخل بعد حيز التنفيذ.

ويقول شو أن "هناك عدد متزايد من الحكومات الوطنية يستخدمون أنظمة الصحة الإلكترونية ويبدأون في تجميع الإحصائيات من أجل قياس حجم العمل الذي يقومون به".

ويضيف شو قائلا "من الواضح أن السؤال هو ما إذا كانت المعطيات دقيقة أم لا، ولكن هذه ليست هي المسألة الأكثر أهمية: فنحن بحاجة إلى أن نبدأ بجمع المعلومات وإنشاء قواعد معطيات حتى نتمكن من طرح مزيد من الأسئلة والتأكد من أن حلول الصحة الإلكترونية ملائمة ومناسبة للسياق".

إن السرعة التي تتطور بها التكنولوجيا وافتقار العاملين في مجال الصحة إلى المهارات اللازمة لاستخدام تكنولوجيات الصحة الإلكترونية والبنية التحتية والتكلفة هي من بين التحديات التي تواجه عملية تقييم وقياس مبادرات الصحة الإلكترونية. وتقول دي تولي: "التكنولوجيا تتغير بشكل سريع ونحن لا نستطيع مجاراة هذه السرعة في دراساتنا".

وعلاوة على ذلك، فإن العاملين في مجال الصحة الذين طال بقائهم في وظائفهم، والذين تم تدريبهم من أجل تقديم رعاية صحية وليس تحليل الأرقام، قد يشوبهم البطء في استيعاب التكنولوجيا تبنيهم لها. وهذه الوتيرة التي تتطور بها التكنولوجيا هي سبب آخر يوضح مدى أهمية وضرورة المشاريع التجريبية. وتقول دي تولي: "الكثير من التكنولوجيات جديد بالفعل. وفي بداية اي دراسة، يتعلم الباحث ما الذي يجب عليه القيام به لتعديل المشروع من أجل أن يكون مجدياً".

وفي حين أن تقييم دور تكنولوجيات الصحة الإلكترونية – بما في ذلك الهواتف النقالة – في مجال الرعاية الصحية أصبح أكثر شيوعاً، نظرا للانتشار الكبير في استخدام الهاتف النقال وحده، إلا أن أثرها لا يزال من الصعب قياسه.

شارك