مجلة منظمة الصحة العالمية

نجتمع معاً لمحاربة الأمراض النادرة

تدعم المفوضية الأوروبية بصورة متزايدة المبادرات التعاونية التي تركز على الأبحاث في معالجات وأدوية الأمراض النادرة، لكن انعدام التمويل يستمر كقضية. هذا ما يذكره غاري هومفريز في تقرير له.

”كان ذلك كما لو أصبت في تسونامي.‟ تقول بياتريس مونتليو وهي سيدة فرنسية أم لثلاثة أطفال، حيث تتذكر تماماً اليوم الذي علمت فيه أن ابنها البالغ من العمر 4 سنوات مصاب بالحثل العضلي لدوشين، وهو مرض عصبي عضلي يتميز بضعف وضمور عضلي يترقيان بسرعة. يصيب المرض بصورة رئيسية الذكور، ويكون البدء باكراً عادة. يموت المصابون بالمرض في بداية الكهولة عادة، بسبب اعتلال العضل القلبي، وهو تأثير المرض على عضل القلب، والفشل التنفسي. تقدم المعالجة بالستيروئيدات بعض الراحة، ولكن لا يوجد أي شفاء. ” كنت في صدمة لفترة من الوقت،‟ تقول دي مونتيليو. ”كان ذلك مدمراً.‟

يعتبر الحثل العضلي لدوشين، مع انتشار يقدر بحالة لكل 3300، مرضاً نادراً، واحد من عدة آلاف أمراض تصنف كذلك. وتختلف تقديرات عدد الأمراض النادرة الموجودة، وربما كان ذلك ناجماً جزئياً عن أن الدول تعرِّف الأمراض النادرة بصورة متفاوتة. ”ففي دول الاتحاد الأوروبي، يعتبر أي مرض يصيب أقل من 5 أشخاص لكل 10.000 نادراً،‟ هذا ما يفسره أنطوني مولينير، مسؤول السياسات في إدارة الصحة العامة في المفوضية الأوروبية في لوكسمبورغ. يعاني أغلب المرضى من أمراض تصيب 1 لكل 10.000 أو أقل. وحسب وكالة الأدوية الأوروبية، يوجد ما يتراوح بين 5000 و8000 مرضاً نادراً في الاتحاد الأوروبي يصيب بين 27 و 36 مليون إنسان.

تتراوح الأمراض النادرة من التليف الكيسي والناعور إلى متلازمة آنجلمان، مع انتشار حوالي 1 لكل 15.000، إلى متلازمة مُثَلَّثِيَّة الرأس لأوبتز، وهي نادرة جداً تحدث حالة واحدة لكل مليون إنسان.

Aurelie Trahard

وبينما يكون آباء الأطفال المصابين بأمراض نادرة منعزلين بسبب حزنهم، إلا أنهم سرعان ما يدركون أن الحديث إلى بشر يعانون مثلهم لا يقدر بثمن. حيث تقول بالوما تاجادا ”عليهم أن يتواصلوا،‟ وهي مدير الاتصالات في المنظمة الأوروبية للأمراض النادرة EURORDIS، تحالف لاحكومي يهتم بالمريض من منظمات وأفراد فاعلين في حقل الأمراض النادرة. أما من ناحيتها، فقد تواصلت بياتريس دي مونتليو مع الرابطة الفرنسية للحثل العضلي، وهي الرابطة الفرنسية لمعاكسة الحثول العضلية.

يتخطى التواصل مجرد البحث عن بشر يفهمون ما تعانيه. فهي أيضاً طريقة لكشف معالجات أو أبحاث حديثة تبدو واعدة. هذه الرغبة في التواصل هي أحد الأسباب التي تقوم بها منظمات المرضى مثل EURORDIS بعبور الحدود بصورة طبيعية وتصوغ روابط، واستراتيجيات كانت حتى مؤخراً غير مستثمرة في أوروبا. ويشرح مونتسيرات ”في الناحية الصحية، كان للاتحاد الأوروبي قوة ضئيلة جداً بالمقارنة مع الزراعة أو البيئة،‟ ملاحظاً أنه بسبب هذا، حاولت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التركيز على الاهتمامات الصحية الوطنية. الهوية الوطنية شيء لا يميل البشر المصابون بأمراض نادرة أن يفكروا فيه، وذلك حسب إدموند جوسيب، اختصاصي الأمراض النادرة وممثل المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية في اللجنة الجديدة للاتحاد الأوروبي لخبراء الأمراض النادرة. حيث يقول: ”المعاناة من مرض نادر يؤثر في الاحساس بالهوية‟. ”فأنت تبدأ في التفكير بنفسك ليس كفرنسي أو إنكليزي أو دانماركي، بل كشخص مصاب بهذا المرض النادر. وأعتقد أنه أحد الأسباب التي تميل فيها مجموعات المرضى المصابين بمرض نادر لأن تكون أكثر عالمية وتعاونية فيما يتعلق بشؤونها.‟

وبينما لا يسبب التركيز المحلي مشكلة خاصة لقضايا صحية كثيرة، فإنه يكون كارثياً للأمراض النادرة. لأنه ولا واحدة من الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مهما كانت كبيرة، تستطيع الأمل بأن تقدم معالجة للطيف الكامل من الأمراض النادرة. حيث يقول جيسوب ”حتى في المملكة المتحدة [مع سكان يقارب 62 مليوناً] يتوجب إرسال بعض المرضى للمعالجة إلى ما وراء البحار‟.

في هذه الأثناء، تناضل الدول مفردة لإيجاد موارد تجري بها أبحاثها، بما فيها المرضى الضروريين لإجراء التجارب السريرية. ويقول تيجادا: ”توجد فقط ثلاث حالات من الشُّياخ في فرنسا‟. ”وأنت لا تستطيع تنظيم تجارب سريرية على هذا الأساس. بل عليك أن تحقق كمية حرجة وهذا يعني تعاوناً دولياً.‟

وبهدف تشجيع التعاون الدولي، تدعم المفوضية الأوروبية بصورة متزايدة المبادرات التعاونية، بما فيها اتحادات المرضى، وخاصة أورفانيت التي أنشأتها عام 1997 خبيرة الأمراض النادرة سيغولين أيمي، لتأسيس قاعدة معطيات متاحة مجاناً للأمراض النادرة والأدوية الضرورية لمعالجتها، أو ما يدعى بالأدوية اليتيمة. وأطلقت أورفانيت بوابة معلومات خاصة بالأمراض النادرة والأدوية اليتيمة عام 2000 كما تنسق في المجموعة الاستشارية المحلية للأمراض النادرة في منظمة الصحة العالمية، وتعمل في مراجعة التصنيف الدولي للأمراض.

Orphanet

تدعم المفوضية اتحاد الأبحاث الدولي حول الأمراض النادرة والمعروف أيضاً باسم IRDiRC، وهو جهد دولي طموح لتجميع الموارد وتحقيق انسجام السياسات تحفيزاً للأبحاث. أطلقت المبادرة في أبريل (نيسان) 2011، وبدأ الاتحاد كمشروع مشترك للمفوضية الأوروبية والمعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولكن منذ ذلك الوقت شاركت دول أخرى، بما فيها كندا واليابان. يهدف إلى جمع وكالات تنظيمية، وباحثين، وممثلي جماعات المرضى، وأعضاء في الصناعة البيولوجية الدوائية وأصحاب المهن الطبية، ومن بين أهدافه الإعلان عن الرغبة في استيلاد 200 معالجة جديدة لأمراض نادرة وأدوات تشخيصية لمعظم الأمراض النادرة بحلول 2020.

يعتقد مونتسيرات أن التعاون في حقل الأمراض النادرة سيزداد أيضاً نتيجة الشبكات المرجعية الأوروبية، والتي تمخضت عن توجيهات المفوضية الأوروبية حول الرعاية الصحية العابرة للحدود وحقوق المرضى التي تم تبنيها بداية 2011. وستتبنى المفوضية الأوروبية تشريعاً يعرِّف الشبكات المرجعية الأوروبية قبل أوكتوبر (تشرين ثاني) 2013. ويقول مونتسيرات ”هذه نقطة إيجابية جداً لأن الشبكات المرجعية الأوروبية نوقشت كهدف طوال فترة طويلة من الزمن، وهي حالياُ شيء سيكون واقعاً خلال سنة ونصف‟. سوف تغطي الشبكات المرجعية الأوروبية مجالاً من الأمراض، ولكن حسب مونتسيرات، سوف ”تهتم لدرجة كبيرة بالأمراض النادرة‟، وهو شيء ناضلت من أجله المنظمة الأوروبية للأمراض النادرة EURORDIS بقوة، حسب تيجادا.

ستعتمد الشبكات المرجعية الأوروبية على مراكز ستصمم لاحقاً من خبرات الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وتسهل التعاون عبر مجال من النشاطات. يقول مونتسيرات: ”سوف تقدم الشبكات المرجعية الأوروبية إمكانية الاستشارة، لكنها ستعمل أيضاً على إرسال المرضى إلى دول أعضاء أخرى تتاح فيه المعالجة‟. وبدعم توجيهات الرعاية الصحية العابرة للحدود، سيملك المرضى حق المعالجة في دولة أوروبية أخرى إذا كانت دولتهم غير قادرة على تأمين الرعاية لهم.

وكما هي حال المنظمة الأوروبية للأمراض النادرة EURORDIS، ستكون الشبكات المرجعية الأوروبية عملاً مترقياً ويأمل مونتسيرات أن تعلب لجنة الخبراء في الاتحاد الأوروبي حول الأمراض النادرة دوراً هاماً في تحفيزها عبر فترة تطوير معقدة لازالت قيد الانتظار. وتشمل لجنة الاتحاد الأوروبي ممثلين عن الدول الأعضاء، ومنظمات المرضى والصناعة.

يوجد جانب رئيسي آخر لعمل الاتحاد الأوروبي في مجال الأمراض النادرة هو تبنيه عام 2009 لتوصيات المجلس الأوروبي للأمراض النادرة، والذي يدعم، بين نشاطاته الأخرى، تطوير سجلات وقواعد المعطيات. وهذا شيء هام إذا كان الباحثون سيستطيعون العمل على قاعدة سكانية عريضة للأبحاث الوبائية والسريرية، حسب دومينيكا تاروشيو، مديرة المركز الوطني للأمراض النادرة في روما. تأمل تاروشيو أن تؤدي التوصيات إلى "دفعة مبادرات" لتسجيل الأمراض النادرة، في الوقت الذي يتم فيه تحديد العوائق التي يجب التغلب عليها، وخاصة نظم الاتحاد الأوروبي حول حماية المعطيات الشخصية التي تسمح بجمع المعطيات وتبادلها ”لهدف شرعي‟، وهذا المعنى بالضبط مفتوح للنقاش. يوجد عائق آخر هو انعدام اللغة المشتركة. حيث تقول تاروشيو: ”تتم إعاقة التشارك العالمي للمعلومات، والمعطيات والعينات بغياب التصنيف الشامل للمرض النادر، والتعابير المرجعية القياسية والوجوديات الشائعة‟.

وبينما تشكل هذه الأيام أوقاتاً مشجعة بجلاء لدعاة الأمراض النادرة، تستمر بعض المشكلات الأساسية، أوضحها استمرار انعدام الاستثمار في أبحاث ومعالجة الأمراض النادرة. فبالنسبة للبروفيسور بيلا ميليغ، رئيس معهد الوراثيات الطبية ورئيس مجموعة تنسيق الأبحاث الوطنية للأمراض النادرة في هنغاريا، تمثل زيادة التعاون شيئاً جيداً طالما يكون مستمراً، لكن الدول الأفقر تستمر في صراعها للوصول إلى تمويل دائم. ويقول: ”بالنسبة للتعاون، لدي كثير من الأصدقاء الأوروبيين الظرفاء ويمكنني في أي وقت إرسال شخص ما لدراسة التقنيات إذا كنا بحاجة لمزيد من التعلم. لكن إيجاد المال ليس سهلاً، والمال غالباً هو الذي يجعل العالم يدور.‟

جمع مزيد من المال للأبحاث في الأمراض النادرة هو أيضاً أحد اهتمامات بياتريس دي مونتليو المركزية في عملها للرابطة الفرنسية للحثل العضلي ومجموعة مرضى المنظمة الأوروبية للأمراض النادرة EURORDIS. وهي في الأصل موظفة مصرفية بالتدريب، وقد عملت دي مونتليو بعد اتصالها الأول بالرابطة، على النصح باعتماد المخصصات الخيرية واستثمار المال الذي يتم جمعه. إذ تقول: ”تقدم الحكومات القليل أو لا تقدم شيئاً للأبحاث على الأمراض النادرة.‟ ولكنها متفائلة بالمستقبل وتستمد قوتها من الاتصالات التي قامت بها، وهي اتصالات سمحت لها بتقديم الدعم إضافة إلى تلقيه.

شارك