مجلة منظمة الصحة العالمية

إنهاء شلل الأطفال، نوع واحد في كل مرة

يذكر باتريك أدامس في تقريره: صادقت الدول على خطة لإنهاء قصة شلل الأطفال، وهي خطة تتوقف على لقاح شلل الأطفال المعطل أرخص ثمناً للدول منخفضة ومتوسطة الدخل.

WHO/Thomas Moran

في عام 2000، ظهر أن حملة استئصال شلل الأطفال كانت تقترب من نهايتها. لقد تم استئصال النمط 2 للفيروس البري لشلل الأطفال في كامل أنحاء العالم خلال السنة السابقة، بينما اقتصر وجود النمطين 1 و 3 لفيروس شلل الأطفال على عدة مئات من الحالات. ولكن الفيروس قام بشيء لم يتوقعه الخبراء.

ففي مكان ما من جزيرة هيسبانيولا في البحر الكاريبي أظهر طفل شللاً نتيجة فيروس شلل الأطفال الحي المستخدم في تصنيع اللقاح. لقد كانت حالات شلل الأطفال المرافقة للقاح معروفة لسنوات طويلة، ولكنها كانت – ولازالت – بالغة الندرة. ولكن المقلق في هذه الحالة أن الفيروس المشتق من اللقاح قد انتشر بصورة مشابهة للفيروس البري، وكان يسبب فاشية.

أصيب 21 طفلاً في جمهورية الدومينيكان وهاييتي واللتين تشكلان جزيرة هيسبانيولا بالشلل ومات اثنان قبل أن تُقمع الفاشية بحملات تلقيح جماهيرية. وأظهرت النائبة احتمالاً جديداً يثير القلق: أن اللقاح المختار في معظم البلدان، وهو لقاح شلل الأطفال الفموي ثلاثي التكافؤ، قد يؤدي بحد ذاته إلى فاشيات جديدة لشلل الأطفال.

ورغم أن تلك الفاشيات قد حدثت في 16 دولة منذ فاشية جزيرة هيسبانيولا، إلا أنها كانت نادرة كثيراً، بالمقارنة مع عدد الجرعات الكبيرة 10 بليون أو أكثر من لقاح شلل الأطفال الفموي الذي قدم إلى 2.5 بليون طفل.

أما بالنسبة لمسؤولي منظمة الصحة العالمية فقد ظهر فجأة أن مسألة الاستئصال أكثر تعقيداً.

”لقد أدركنا أنه ليس علينا فقط أن نستأصل فيروس شلل الأطفال البري، ولكن يجب علينا أيضاً أن نستأصل الفيروس المشتق من اللقاح،“ هذا ما قاله بروس أيلوارد، مساعد المدير العام لشؤون شلل الأطفال، وحالات الطوارئ وتعاون الدول في منظمة الصحة العالمية، وهي أحد الشركاء الأوائل في المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال مع الحلقة العالمية الدوارة Rotary International، ومراكز الولايات المتحدة للسيطرة والوقاية من المرض واليونيسيف (صندوق الأمم المتحدة للأطفال).

ويضيف أيلوارد: ”وهكذا فإننا نواجه هذه المشكلة الجديدة الكبيرة وعلينا أن نجد حلاً جديداً شاملاً. لقد كانت مسيرة طويلة“.

عمل أيلوارد وزملاؤه منذ ذلك الوقت، على تطوير ذلك ”الحل الجديد“: خطة تأخذ العالم من استئصال فيروس شلل الأطفال البري إلى التأكد من أن المرحلة الأخيرة لشلل الأطفال ستفضي إلى عالم خال من كل شلل الأطفال، من الفيروس البري إلى الفيروس المشتق من اللقاح. فإذا تم ذلك بنجاح، سيصبح شلل الأطفال الداء العدوائي الثاني الذي سيمحى من الوجود بعد أن تم استئصال الجدري في سبعينات القرن العشرين.

استثمرت الحكومات وشركاؤها حوالي 9 بليون دولار أمريكي خلال 25 سنة من جهود استئصال شلل الأطفال، وذلك حسب المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال، ولكن العالم يتوقع أن يستعيد هذا الاستثمار – ويقدر ذلك بمدخرات مباشرة دنيا قدرها 40-50 بيليون دولار بحلول عام 2035، في الدول منخفضة متوسطة الدخل والدول منخفضة الدخل – إذا استطاعت الدول المتوطنة الثلاثة الباقية: أفغانستان، ونيجيريا والباكستان أن تستأصل المرض، بينما تبقى بقية العالم خالية من شلل الأطفال، حسب دراسة نشرت في مجلة اللقاح 2010.

وبينما تبقى جهود التلقيح على أشدها في هذه الدول الثلاث، تحتاج جميع الدول لأن تحافظ على تغطية عالية من التمنيع ببرامجها الخاصة بالتلقيح ضد شلل الأطفال لأنها تواجه جميعاً خطر عودة العدوى طالما يستمر حدوث حالات في مكان ما من العالم.

قامت جمعية الصحة العالمية هذه السنة، وهي الجهة المسؤولة عن توجيه منظمة الصحة العالمية والمبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال، بإقرار خطة المرحلة النهائية لاستئصال شلل الأطفال، حيث أعلنت إتمام استئصال شلل الأطفال ”بحالة طوارئ برنامجية للصحة العامة العالمية“ وطلبت من الدول تقديم التمويل.

وقد أخبرت المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية الدكتورة مارغاريت تشان أن استئصال شلل الأطفال كان ”نقطة تتمايل بين النجاح والفشل“ مسلطة الضوء على فجوة تمويلية قدرها 945 مليون دولار أمريكي حتى نهاية عام 2013 (مقابل ميزانية 2.19 دولار أمريكي لتلك الفترة). وفي هذه السنة وحدها، أدى نقص السيولة إلى نقص في نشاطات التلقيح الجماهيري في الدول الـ 24 عالية الخطورة، مما يعرض ملايين الأطفال للخطر.

تتألف المرحلة النهائية لخطة استئصال شلل الأطفال من الانتقال من لقاح شلل الأطفال الفموي ثلاثي التكافؤ، وهو حالياً اللقاح المختار في معظم الدول، إلى لقاحين: لقاح فموي جديد ثنائي التكافؤ لشلل الأطفال للتمنيع الروتيني يُدعم باستعمال حكيم للقاح شلل الأطفال المعطل IPV.

لقاح شلل الأطفال الفموي ثنائي التكافؤ، استعمل للمرة الأولى في أفغانستان 2009، أكثر فعالية بنسبة 30% على الأقل من لقاح شلل الأطفال الفموي ثلاثي التكافؤ القديم ضد نمطي فيروسات شلل الأطفال 1 و 3 ولا يحتوي على النمط 2 من فيروس شلل الأطفال الحي الذي سبب معظم فاشيات الفيروس الجوال لشلل الأطفال المشتق من اللقاح منذ الفاشية الأولى في جزيرة هيسبانيولا.

تحمي اللقاحات ثنائية التكافؤ ضد نوعين مصليين من المرض، أما اللقاحات ثلاثية التكافؤ فتحمي ضد ثلاثة. وفي حالة شلل الأطفال، رغم وجود ثلاثة أنماط من فيروس شلل الأطفال، فإن مكونة النمط 2 في لقاح شلل الأطفال الفموي ثلاثي التكافؤ قد سببت أكثر من 80% من حالات فيروسات شلل الأطفال المشتقة من اللقاح والتي سببت فاشيات، وهكذا فإن إزالة مكونة النمط 2 من اللقاح حيوية لحدوث النجاح.

ومن هنا يأتي لقاح شلل الأطفال المعطل IPV. يؤمن لقاح شلل الأطفال المعطل والذي يقدم حقناً مناعة ضد جميع أنماط فيروس شلل الأطفال، على خلاف اللقاح الفموي، ولا يسبب شلل الأطفال بسبب اللقاح لأن الفيروس المستخدم في تصنيعه ميت.

ولكن على خلاف اللقاح الفموي، لا يحرض لقاح شلل الأطفال المعطل حدوث المناعة المعوية الضرورية لإيقاف السراية. وهكذا فإن الطفل الذي يتلقى لقاح شلل الأطفال المعطل فقط لن يحدث لديه شلل الأطفال، ولكنه قد يفرغ الفيروس مسبباً استدامة سريانه. وهذا يفسر لماذا يكون استخدام مشاركة من اللقاح الفموي ثنائي التكافؤ مع لقاح شلل الأطفال المعطل ضرورياً.

WHO

”سيخدم لقاح شلل الأطفال المعطل كنوع من سياسة تأمين بتعزيز مناعة الأطفال للنوع 2 وستكون له فائدة إضافية بتعزيز النمطين 1 و 3، وبالتالي تسريع استئصال فيروسات شلل الأطفال البرية الأخيرة تلك،“ هذا ما صرح به رولاند سوتر، من منظمة الصحة العالمية، منسق فريق الأبحاث وتطوير المنتجات في المبادرة العالمية لاستئصال شلل الأطفال.

ويعتقد إيلوارد وسوتر، أن هذه الاستراتيجية ثنائية الشق، تتضمن لقاح شلل الأطفال الفموي ثنائي التكافؤ ولقاح شلل الأطفال المعطل، سوف تنجح في الحد من الخطر الرئيسي الناجم عن فيروس النمط 2. وبعد استئصال جميع الذراري الباقية من سراية فيروس شلل الأطفال البري، قد تتوقف الدول عن استعمال لقاح شلل الأطفال الفموي ثنائية التكافؤ، مما يحد من أي مخاطر ثمالية باقية تترافق مع مكونتي النمط 1 و 3 في ذلك اللقاح.

العقبة الرئيسية لهذه الخطة هي الكلفة. فعند السعر الأدنى للجرعة بقيمة 3 دولار أمريكي، يعتبر لقاح شلل الأطفال المعطل IPV مكلفاً كثيراً جداً للدول منخفضة الدخل التي تحتاجه أكثر من غيرها. وهكذا كان الخوف عند تطوير الخطة أنه في الحدث بعيد الاحتمال نشأ فيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاح نمط 2 خلال التحول أو بعده مباشرة، إذ أن الأطفال الذين يملكون مناعة للنمطين 1 و 3 فقط لن يكونوا محميين لأن الدول لم تكن قادرة على تغطية نفقات لقاح شلل الأطفال المعطل.

كان التحدي عندها إيجاد طريقة لاستعمال لقاح شلل الأطفال المعطل بطريقة أرخص ثمناً مع فعالية كافية. وقد عرف ايلوارد أن ذلك لن يكون سهلاً. حيث يقول: ”إذا كنت مُصنعاً، فلن يكون هناك حافز كبير في إيجاد طرق لجعل منتجك متاحاً بسعر رخيص“ ثم يضيف: ”علينا أحياناً الضغط بقوة.“

وأخيراً في عام 2010، تعاون خبراء منظمة الصحة العالمية مع باحثين من كوبا وعمان، بين دول أخرى لدراسة 4 سيناريوهات ممكنة لإنقاص كلفة استعمال لقاح شلل الأطفال المعطل: إنقاص عدد الجرعات، واستعمال الجرعة الجزئية (1)، وزيادة الفاصلة الزمنية بين الجرعات وإنتاج اللقاح في أطر منخفضة الموارد. ”لقد تم كل هذا العمل بتحفيز من حاجة الدولة النامية لحل رخيص الثمن لهذه المشكلة الجائلة لفيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاح“، يقول إيلوارد ”والشيء المثير للدهشة فعلاً أن أغلب هذه الأبحاث قد تم في دول نامية.“

ثم يضيف، علاوة على ذلك، كانت النتائج أفضل مما هو متوقع. ”هل يمكن لخمس الجرعة أن يكون فعالاً؟“. ”نعم، بنفس فعالية الجرعة الكاملة من أجل التعزيز. هل ستعمل جرعتان عمل 4 جرعات؟ نعم، إذا تم تقديمهم بفاصلة 4 أشهر. هل يمكنك توفير منتج لقاح شلل الأطفال المعطل في دولة منخفضة الدخل؟ حسناً، ربما يمكنك ذلك. لقد كانت هذه جميعاً مفاجأة لكثير ممن يعملون في مجال التمنيع.“

”ما نحتاجه حالياً بالنسبة للمصنعين هو الموافقة على إنتاج جرعة مجزأة داخل الأدمة من لقاح شلل الأطفال المعطل، ومن الهيئات الترخيصية أن تقوم بفحص سريع فيما إذا كان هذا الحل الممكن يمكن أن يخضع لترخيص سريع – مع اعتبار الصحة العامة القوية إلزامية – وهكذا يمكننا الحصول عليه خلال سنة“ يقول أيلوارد. ولكن بالنسبة لجميع المعطيات الواعدة، نحن في انتظار ذلك.

”إن المنتج A380 على الطريق، لكننا لم نحصل عليه بعد. وهو ما يتطلب تعاون كثير من البشر.“

شارك