مجلة منظمة الصحة العالمية

عندما تُلائِمُ أبحاث الفيزياء تحت الذرية علم الأورام السريري

يذكر غاري هومفريس في تقرير له. أدت الأشكال الجديدة والمُكلفة أيضاً من المعالجة بالهاردون في معالجة بعض الأورام لإثارة أسئلة هامة حول إمكانية النظم الصحية على الدفع، لكنها بالنسبة لبعض السرطانات، بما فيها كثير من سرطانات الأطفال، فإنها بين أكثر المعالجات الواعدة التي نملك.

Pete Pallagi/Mayo Clinic

عندما أُخبرت أليسون آينزورث أن ابنها إسحق البالغ من العمر 8 سنوات، مصاب بورم دماغي غير قابل للاستئصال (ورم نجمي شعري الخلايا)، فقد واجهت هي وزوجها جِد، الذي يعيش في ويغان، في المملكة المتحدة، بعض الخيارات المقيتة. إذ تتذكر ”أن الخيارات في تلك النقطة كانت المعالجة الإشعاعية التقليدية والمعالجة الكيميائية، ولم يكن أي منهما واعداً“.

ورغم التطور الذي تم في المعالجة الإشعاعية التقليدية خلال العقود القليلة الماضية، إلا أن الأشعة السينية لاتزال تسبب تخرباً في النسيج المحيط لميل الفوتونات إلى التبعثر إضافة إلى مهاجمة الهدف، مسببة ما يساوي جرح الخروج. وهذا ما يجعلها غير مناسبة على وجه الخصوص لمعالجة الأورام في الأعضاء المرهفة كالدماغ أو العين، أو فعلياً أي ورم مدفون عميقاً في الجسم. وهي تمثل تهديداً مباشراً للأطفال، ”رؤوس الأطفال تنمو“، هو ما يفسره إد سميث، طبيب إسحق، ومستشار علم الأورام السريري في مركز كريستي للسرطان في مانشستر. ”وهكذا قد يسبب التخرب الذي يصيب النسيج العظمي والعضلي مشكلات تطورية في الوجه فيما بعد، بينما يؤدي تخرب بعض البنى كالغدة النخامية إلى التأثير في عملية النمو نفسها.“

قررت أليسون مع زوجها جد إلزام ابنهما بشوط مدته 18 شهراً من المعالجة. كانت النتائج مخيبة للآمال. وتتذكر أليسون: ”كان من الواضح بعد 12 شهراً أن المعالجة الكيميائية لم تنفع. فقد كان اسحق تعباً كثيراً وشديد الاعتلال ولم يكن هناك أي تبدل في قد الورم.“ ما كان يحتاج إليه هو شيء يضرب الورم دون أن يسبب تخريباً جانبياً. ما كان يحتاج إليه هو المعالجة بالبروتون.

تستخدم المعالجة بالبروتون – والتي تشكل مع المعالجة بأيون الكربون، شكلاً من المعالجة بالهادرون – لأنها تستهدف الأورام بدقة أكبر من الأشعة السينية العلاجية الراديوية المتخصصة المستخدمة في المعالجات التقليدية للسرطان.

وقالت أدريانا فيلاسكيز، منسقة قسم الأدوية الأساسية والسياسات الدوائية في منظمة الصحة العالمية: ”السرطان أحد الأمراض غير السارية المسؤول عن أعداد عالية من الوفيات عالمياً، في الدول عالية ومنخفضة الدخل. ويبدو أن الأجهزة المعقدة والمكلفة التي تشمل أحدث التقنيات والأبحاث المعقدة، كأجهزة البروتون لمعالجة السرطان، واعدة حتى إذا كانت تلك المعالجة مكلفة كثيراً حالياً. نأمل أن تؤدي الأبحاث الإضافية واستعمال هذه التقنيات إلى جعل هذه الأجهزة المعقدة أكثر إتاحة من أجل معالجة فعالة في الحالات المعقدة للرعاية بالسرطان عالمياً.“

تستخدم المعالجة مسرعاً خطياً مكيفاً بصورة خاصة، كالسيكلوترون أو السينكروترون، لإطلاق حزمة جزيئات إيجابية الشحنة، وعالية الطاقة، وتحت ذرية على الورم. تؤدي الطاقة المتحررة من الجزيئات إلى تكسير دنا الخلايا الورمية المستهدفة، مما يمنع التكرر ويسبب موت الخلية. وحسب مجموعة التعاون للمعالجة بالجزيء، وهي رابطة تمثل مهنيي المعالجة بالهاردون، تمت حتى نهاية السنة الماضية معالجة 95.000 مريض حول العالم بالمعالجة الشعاعية الجزيئية، عولج حوالي 84.000 منهم بالبروتونات.

تتميز البروتونات بعدة فوائد إضافية على الفوتونات التي تقدمها الأشعة السينية. أولاً، تحمل كمية كافية من الطاقة لتخريب الأورام على عمق 30 سم، ولأنها ’ثقيلة‘ فإنها تخترق النسج مع انتشار أصغري. كما تتباطأ بسرعة نسبية، مما ينقص تأثير جرح الخروج، وتطلق معظم طاقتها في نهاية طريقها. ويفسر وولفغانغ شليغل، رئيس قسم الفيزياء الطبية في علم الأورام الإشعاعي في مركز أبحاث السرطان الألماني في هايدلبرغ في ألمانيا ”وباختلاف قوة الحزمة يمكن السيطرة بدقة بالغة على المكان الذي سيحدث فيه انفجار الطاقة.“ وبما أن حزمة البروتون قد تنعطف أيضاً بالمغانط الكهربية، يمكن استهداف كامل الورم بأبعاد ثلاثة.

وبفرض أن البروتونات تبدو مناسبة بصورة جيدة لتدمير الأورام، لماذا لا تستعمل أكثر؟ تذكر ثلاثة أسباب عادة. الأول: نقص المعطيات التي تثبت فعالية المعالجة البروتونية، قضية تم تسليط الضوء عليها في مقالة نشرت في المجلة الطبية البريطانية في أبريل (نيسان). ولكن، كما أشار شليجل، بينما يمكن تبرير ذلك النقد حول الاستعمال المتزايد للبروتونات في معالجة سرطان البروستاتة، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن فائدة معالجة سرطانات الأطفال والبالغين الشباب، وسرطانات البالغين في قاعدة القحف والشوك في تزايد قوي. ويوافق سميث على ذلك بقوله: ”تستغرق البينة على التأثيرات المتأخرة وقتاً أطول حتى تحدث. لهذا تندر البينة، ولكن من الواضح كثيراً حجم النسج التي لم تشعع بالمعالجة بالبروتون وذلك أمر مستحسن.“

Cern

الاعتراض الثاني على المعالجة بالبروتون هي الكلفة. فعندما تكون حوالي 150 مليون دولار أمريكي – يقترب هذا الرقم من كلفة ملعب كرة القدم – تكون منشآت المعالجة بالبروتون غير رخيصة حتى في الدول عالية الدخل. ولكن ككثير من المعالجات التي كانت في البداية مكلفة بحيث تكون في البداية غير متاحة لأغلب المرضى في معظم الدول، فإن هذا قد يتغير يوماً ما. أما في الوقت الحالي، فإنه غالي الثمن.

أشار شليغل سريعاً إلى أن مبلغ 150 مليون دولار ليس كلفة بناء المرفق، ولكنه يتضمن أموراً أخرى كالطاقم العامل وصيانة المبنى، حيث يقول في وجهة نظره أن تلك التكاليف توجد أيضاً في المعالجة الإشعاعية التقليدية. ويحاول أن يبرهن أن تلك المرافق التي تستطيع أن تحقق إنتاجية مثلى للمريض، فإنها بينما تحقق ثمناً كافياً من كل مريض تستطيع أن تستعيد رأس المال في نهاية السنة. فما هي إذاً تكلفة المعالجة؟ يقول شيلغل: ”إنها تعتمد على مدى استعداد شركات التأمين على الدفع.“ مضيفاً أن مرفق هايدلبرغ يطلب 20.000 يورو (26.000 دولار أمريكي) لكل مريض. ويقول: ”وبما أن مركز المعالجة الأيونية مُوِّل كوحدة أبحاث فإننا نستطيع أن نغطي تكاليف التشغيل إذا عالجنا بين 600 و800 مريض سنوياً.“

وبينما يبدو مبلغ 20.000 يورو لكل معالجة كبيراً، كما يشير إلى ذلك أوغو أمالدي، أحد العلماء الذين يقفون خلف تطور السينكوترون الأيوني المُحدَّث للتطبيقات الطبية في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية CERN، فإن المعالجة المقطعية وهي أحدث نوع من المعالجة بالأشعة تكلف حوالي 10.000 يورو لكل معالجة. ويقول أمالدي ”وهكذا فإن فرق السعر [بين المعالجة بالبروتون والمعالجة الإشعاعية] ليس درامياً كثيراً.“

العائق الثالث أمام تطوير المعالجة بالبروتون حقيقة أن السيكلوترونات والسينكروترونات تستهلك كثيراً من المساحة الأرضية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، يزن السيكلوترون في جامعة بنسلفانيا، على سبيل المثال، والذي بني عام 2009، قليلاً فوق 200 طون متري ويقذف البروتونات في أنبوب طوله 91 متراً تنتصب فيه أجهزة داخلية إلى غرف المعالجة حيث تستعمل روافع حركية زنة 90 طناً للوصول إلى استهداف مثالي للأورام.

أما بالنسبة لدومينيكو كامبي، وهو من فريق المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية منذ عام 1984 وحالياً نائب رئيس هيئة أدام، شركة مقرها جنيف، تشكل كتلة وكلفة تقنية المعالجة بالبروتون قيداً رئيسياً مربكاً. حيث يقول كامبي: ”لو لم تكن هناك قفزة حقيقية في التقنية، ستبقى الكلفة عالية، ومن الواضح أن المعالجة بالبروتون ستحل مكان المعالجة الإشعاعية التقليدية“. وبالتعاون مع المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية، تطور الشركة المتوضعة في جنيف مسرعات خطية مكتنزة، تعرف باسم ليناكس LINACS، يأمل كامبي أن تنقص قد وكلفة بناء مراكز المعالجة بالبروتون والتي بنيت كوحدات متخصصة ضمن مراكز معالجة السرطان.

كما يرى أوغو أمالدي، رئيس اللجنة العلمية في هيئة أدامز، المستقبل الذي تستخدم فيه مرافق أكثر اكتنازاً بغرفة واحدة، تقوم على ليناكس، ويعتقد أن أيونات الكربون ستلعب دوراً أكبر أهمية، ملاحظاً أنها تقدم فائدة كامنة فوق البروتونات في معالجة الأورام المقاومة على الأشعة (وهي تحديداً 10% من جميع الأورام الصلدة)، والتي لا يمكن السيطرة عليها بالأشعة أو البروتونات.

أقنع أمالدي الحكومة الإيطالية على تمويل بناء مركز معالجة بأيون الكربون في بافيا، شمال إيطاليا، والذي افتتح أبوابه للمرضى عام 2011.

أما بالنسبة لشليغل، فإن تقنيات الليزر سوف تقدم أفضل فرصة للإنقاص الهام لقد وكلفة المعالجة بالهادرون، ملاحظاً أن معهدين ألمانيين للأبحاث، الأول في درسدن والآخر في ميونيخ، يبحثان أصلاً عن ليزرات قصيرة النبض عالية الطاقة توضع على الطاولة. ويقول شليغل: ”هم غير قادرين حالياً على توليد نوع مستويات الطاقة المطلوبة، ولكن قد يستطيعوا ذلك في خمس سنوات أو ربما في عشر سنوات.“

قد يكون المستقبل ناصعاً للمعالجة بالهادرون، حتى لو كانت المعالجة نفسها في طفولتها النسبية. فالتعاون العابر للحدود لإجراء مزيد من الأبحاث يتم أصلاً، مع منظمة ENLIGHT التي ترتكز على المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية، والتي تساعد في تنسيق الجهود الأوروبية في المعالجة بالهادرون، حيث تكونت عام 2002. تتألف المجموعة حالياً من 300 سريري، وأخصائيي الفيزياء، وعلماء أحياء ومهندسين من 20 دولة أوروبية.

تظهر محاولات المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية تسخير المعالجة بالهادرون كيف أن حقلاً كان يبدو في الماضي غير مرتبط بالصحة نهائياً قد تكون له منافع كامنة في الصحة العامة.

وبالطبع، تعتبر فترة 10 سنوات زمناً طويلاً لتقنية جديدة تنتظرها أم طفل مصاب بورم غير قابل للاستئصال. فبالنسبة لأليسون آينزورث كان الحل ضرورياً حالياً. وقد اختارت المعالجة بالبروتون في النهاية ، وحولت إلى الفريق الوطني المختص المفوض للخدمة الصحية الوطنية، والذي يقدم عدداً محدوداً من التحويلات لما وراء البحار لمرضى يعتبرون مناسبين لهذه المعالجة (لا تقدم المملكة المتحدة هذه المعالجة حالياً، لكنها تخطط لافتتاح مرفقين عام 2017). وقد وافق الفريق الوطني المختص المفوض على تمويل معالجة إسحق في مركز المعالجة بروكيور ProCure في أوكلاهوما في الولايات المتحدة الأمريكية، بما فيها السفر ووسائل الراحة. استمرت المعالجة شهرين. تقول أليسون: ”كان الأطباء رائعين.“ والحقيقة أنه مهما كانت العيوب، فبالنسبة لمرضى مثل اسحق، لا يوجد بالفعل بديل عن المعالجة بالبروتون، ويقول سميث: ”هذا هي التقنيات التي أوجدناها حالياً، ومسؤوليتنا بالتأكيد أن نستخدمها أسرع ما يمكن.“

شارك