مجلة منظمة الصحة العالمية

الرعاية بعد النزاعات

ترأس السيناتور روميو داليير بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في رواندا عام 1994. تحدث إلى بن جونز حول مساعدة المتقاتلين بعد النزاع، والجنود الأطفال وما عنى في كتبه بتعبير ”العودة إلى الجحيم“.

Courtesy of Roméo Dallaire

أول ما برز السيناتور روميو داليير، عضو مجلس الشيوخ الكندي، عندما ترأس بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في رواندا عام 1994. ونال كتابه حول تجاربه هناك، بعنوان مصافحة الشيطان: فشل الإنسانية في رواندا، بجائزة الأدب العام لحاكم كندا لغير القصص عام 2004. ومنذ تقاعده من الجيش، عمل داليير على تحقيق فهم الاضطراب الكربي التالي للرضح الذي يصيب العامة. كما كان محاضراً زائراً في عدة جامعات في كندا والولايات المتحدة الأمريكية، وكتب عدة مقالات وفصول في منشورات تختص بفض النزاعات، والمساعدة الإنسانية وحقوق الإنسان. ونشر كتابه، يقاتلون كالجنود، ويموتون كالأطفال عام 2010.

سؤال: كيف تغيرت النزاعات المسلحة، وما هي تأثيرات هذه التغيرات على الصحة النفسية للجنود؟

الجواب: لقد دخلنا في حقبة جديدة من النزاعات. ليس مجرد فجوة في استعمال القوة، فقد شاهدنا سلسلة متصلة من دول تتهاوى وأمم تتفجر، وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وفي نفس الوقت، استدعى هذا استعمال القوة أو أن يتصرف العسكريون بسيناريو مختلف تماماً. لا يتعلق هذا التغير بمحاربة جيش في المعارضة وربح الحرب، ولكنه من جهة أخرى، يتعلق بدمج استخدام القوة مع الجهد الإنساني، والجهد السياسي والتأثير المتطور لمساعدة الديموقراطيات الوليدة في تحقيق الأمن.

لقد خلق هذا مآزق هامة أخلاقية، ومعنوية وقانونية للممارسين، سواء كانوا سياسيين أو جنوداً أو شرطة يعملون في الميدان، يقومون بكثير من التدريب أثناء العمل وأمور ظرفية. وهكذا فإننا نخلق رضوحاً عند بشر يحاولون فعل الصواب، ولكنهم غير واثقين ما هو الصواب فعلاً.

سؤال: هل إشفاء الندوب النفسية أصعب من إشفاء الجسدية؟

الجواب: من الصعب كثيراً أن نجعل الحكومات تدرك حس الإلحاح الضروري للقيام بالمعالجة والدعم لإشفاء الإصابات النفسية، لأنهم لا يستطيعون مشاهدتها غالباً. فوجود ذراع تتدلى تستنفر استجابة مباشرة، لهذا فإننا نعتبر أن الإصابة النفسية شيء يمكن أن نعالجه لاحقاً، فقط كي ندرك أن مستويات الانتحار التي نتعايش معها لا تتحمل ببساطة ذلك النوع من السيناريو. إضافة إلى ذلك، كلما طال الانتظار لمساعدة شخص بالمعالجة، لكما ازدادت الإصابة سوءاً وأصبح انتشالهم أكثر صعوبة.

كان من الضروري حدوث تغير ثقافي يجعل الناس يدركون أن الإصابات النفسية، أو الإصابات الكربية العملياتية، يجب أن يكون لها نفس أولويات الإصابات الجسدية.

مانراه هو أن المصابين نفسياً، والذين كانوا في الماضي يعانون كثيراً بسبب السِّمة، يعانون الآن لدرجة أقل، كما توجد درجة أقل من التوسيم. ولكن البعد غير المفهوم أن هذه الإصابات الكربية العملياتية قد تكون مميتة.

سؤال: هل المجتمع الدولي قوي بما يكفي حالياً لمنع تكرر الإبادة الجماعية كالتي شاهدناها في رواندا؟

الجواب: لا، لسنا بالقوة الكافية بعد. إذ يجب أن يترافق فهم بواعث العنف مع إرادة التدخل، من التطور قليل المقدار والمشاريع الاقتصادية إلى التزامات أكبر وأكثر تنسيقاً على المدى الطويل. يشمل هذا الحاجة إلى بناء إرادة سياسية مدنية تمكن من اتخاذ قرارات سياسية خارجية يمكنها في النهاية أن تمنع الوحشية والإبادة الجماعية.

سؤال: كيف يمكن لمشارك في قوة حفظ السلام أن يكون متحضراً ذهنياً للجنود الأطفال؟

الجواب: كانت أولى لقاءاتي معهم في رواندا، خلال الحرب الأهلية. كانوا مولعين بالقتال، وقاتلوا كذلك. ليس ذلك فقط، بل استُخدمت حركة الشباب من الحزب المتطرف للحكومة كميليشيا، وهم من اقترف كثيراً من مذابح الإبادة الجماعية.

وهكذا إذا كان الأطفال يستخدمون أسلحة، ويقومون بعمليات القتل وهكذا، وعليك مسؤولية الحماية، فإن كل ما كنت قد استطعت اكتشافه بحلول عام 2004 أنك يجب أن تعاملهم كمحاربين ولك الحق في الدفاع عن النفس. إن مشكلة الجندي الذي يواجه مقاتلاً طفلاً هي: كم واحداً تقتل قبل أن تبدأ بإضرام النار في هشيم خلايا دماغك؟ هذا ما دفعنا إلى النظر إلى الجنود الأطفال ليس فقط كمشكلة اجتماعية، بل كنظام تسلحي.

سؤال: وهكذا أنت تغير اللغة حول المجندين الأطفال، بطريقة جذرية؟

الجواب: أعتقد ان الاعتراف باستعمال هؤلاء الأطفال ”كنظام أسلحة“، فإننا نعترف بفساده. إذ لا يمكن بأي شكل من الأشكال استعمال تعبير تجاهل إنسانية الأطفال. فبينما كنت أقوم بالتفكير: كيف نقوم باستعدال هذا الاستعمال لنظام الأسلحة الفعال هذا، وكيف نجعله مسؤولية البالغين في الرغبة في تجنيدهم وفي النهاية، إيقاف هذا التجنيد؟

سؤال: كيف يمكنك والمنظمة التي تنتمي إليها، مبادرة المجندين الأطفال، أن تمنع تجنيد المجندين الأطفال؟

الجواب: بزيادة سعة الجيش والشرطة، وتقديم خيارات عبر التدريب والبحث في تفاعلاتهم الممكنة مع المجندين الأطفال. كما يؤدي تدريب الجيش والشرطة إلى بناء الثقة والعلاقات على مستوى المجتمع.

إضافة لذلك، يؤدي إشراك أعضاء من المجتمع، من تأثروا بالحرب ومجندين أطفال سابقين، إلى كسب منظورين ابتكاري ونقدي، ونشارك أشخاص محليين في دراسة استخدام الأطفال في النزاعات المسلحة.

سؤال: إلى أي مدى تستطيع إعادة تأهيل المجند الطفل؟ وما مدى إمكانية إرجاعهم مجرد أطفال مرة ثانية؟

الجواب: لقد عدت للتو من رحلة مدتها 3 أسابيع أمضيتها في رواندا، وجمهورية الكونغو الديموقراطية وجنوب غرب السودان، حيث يعمل الأوغنديون، وجيش التحرير الشعبي السوداني، والكونغوليون، وبعثتين للأمم المتحدة وقوات من جمهورية أفريقية الوسطى جميعاً في تعقب جيش الرب المقاوم وبعض المنظمات التي حاربت في رواندا.

كلاهما يستخدم المجندين الأطفال، جيش الرب المقاوم والذين حاربوا في رواندا. شاهدت مجنداً طفلاً أمسكت به بعثات الأمم المتحدة يستخدم جهاز راديو تم إقناعه بالهرب واستقبلته مراكز التأهيل. لقد تحسن مستوى التعقيد منذ عام 2001 حيث كنت في سيراليون، إذ امتزج الأطفال مع البالغين في مراكز التأهيل. أما الآن بعد أن فصلوا، تقدم للأطفال فرص الحياة دون خوف، كما تقدم لهم خيارات المدرسة وتعلم حرفة ومعالجة طورت تفي بحاجات المجندين الأطفال، بما فيهم الفتيات منهم. إننا نرى عند هؤلاء الأطفال رغبة فوق العادة في حدوث التغيير.

لازلنا نواجه صعوبات في المجتمعات التي يعود المجندون الأطفال إليها. إذ يتوجب علينا مساعده هذه المحتمعات بإقناعها أن هؤلاء الأطفال لم يعودوا قتلة وأنهم لن يسرقوا أو يخربوا ممتلكات القرية، وهكذا فإن جزءاً من إعادة التكامل هي فعلياً مساعدة القرية في قبول هؤلاء الأطفال.

سؤال: ما مدى نجاح ذلك؟

الجواب: في الحقيقة، رغبت المجتمعات في حصول ذلك. ولكنهم كانوا خائفين من إمكانية أن يرتد هؤلاء الأطفال، وهكذا فإنهم كانوا يطالبون الحكومة والمنظمات غير الحكومية مساعدتهم على فهم ودمج هؤلاء الأطفال في المجتمع من جديد، وخاصة قائد المجندين الأطفال: كان عمره 14 عاماً إذ كان يقود 20 طفلاً آخرين غريبين لمدة 3-4 سنوات، كان يملك جميع أنواع مهارات القيادة. تتقدم الجهود حالياً في رواندا على ما هي عليه الحال في الدول الأخرى، وقد استثمرت رواندا كثيراً، مالياً وسياسياً، في إعادة دمجهم في المجتمع.

سؤال: كيف تقيم نجاح هذه الجهود؟

الجواب: تم إخبارنا، أنه في رواندا كانت نسبة النجاح تفوق 70%. وهو ما تحققت منه منظمات غير حكومية والأمم المتحدة.

سؤال: كيف تبدل تأهيل المجندين التالي للنزاع ليعكس الطبيعة المتغيرة للنزاع نفسه؟

الجواب: عندما عاد الجنود من الحرب العالمية الثانية ومن الحرب الكورية، تحركت الولايات المتحدة الأمريكية وكندا بشكل كبير، فأُحدثت برامج كثيرة تسمح للجنود بالعودة إلى العمل أو الدراسة أو الحصول على مزرعة. لقد غطت هذه البرامج كثيراً من الجنود المصابين نفسياً.

ولكن كان هناك الكثير من الصواب والخطأ، إذ أصبح كثير منهم كحوليين، وانتهى كثير منهم في الشوارع.

لم تجبر تلك الحالة الجيش على دراسة هذه الإصابات النفسية، واتخاذ إجراءات حيالها. فالمعطيات المتاحة قليلة جداً، هذا إن وجدت، عن كيفية التحضير والمتابعة في هذا الحقل، وفي النهاية استعراف ثم تحضير معالجة الجنود المصابين نفسياً في النزاعات؟

في عام 1997، أذعت على الملأ مشاكلي النفسية الخاصة، وبدأت الحكومة الكندية في بناء السعة مع شؤون المحاربين القدماء في كندا، والذين كانوا يقومون ببعض العمل في هذا الاتجاه. لقد مرت 15 عاماً، وكان هناك كثير من الأولاد والبنات المصابين، وعائلاتهم أيضاً، لكنهم يملكون الآن برامج دعم الأقران والعائلة.

يوجد معالجون ومنطقة تخفيف الضغط في قبرص حيث أمضى الجنود الكنديون 5 أيام من الراحة والعودة إلى الحياة الطبيعية. يقومون بذلك بعد أن تنتهي مهمتهم، وقبل العودة إلى عائلاتهم. وتوجد متابعة لمن كانوا مصابين من الناحية النفسية.

سؤال: كم كان صعباً عليك أن تكتب أولاً عن رواندا، ومن ثم عن الجنود الأطفال؟

لقد استغرق الكتاب الخاص بالإبادة الجماعية 3 سنوات حتى أتمت كتابته. كما تطلب ذلك 7 سنوات من الرغبة في الجلوس والكتابة! لقد كانت ثلاث سنوات من العودة إلى الجحيم. لم تكن هناك أي قيمة علاجية إطلاقاً، لكنها كانت رغبة عارمة في إخبار أولادي عما حدث، وكان علي أن أعاني من ذلك مرة ثانية، لأنها كانت الطريقة الوحيدة لإتمام ذلك.

أما الكتاب الآخر حول الجنود الأطفال حيث أركز حالياً فإنه يستغرق كثيراً من الوقت والجهد والعمل البحثي.

سؤال: وهكذا عندما يتحدث الناس عن كتابة كتاب على أنه يطهر النفس، لم تكن تلك تجربتك، أليس كذلك؟

الجواب: لا، لا أعرف كيف يقومون بذلك. كان جهدي منصباً في كيفية تضمين الكتاب عاماً شاهدت فيه الجنة على الأرض وقد دنسها الشيطان ولم يكن العالم يبالي.

سؤال: ماذا تحمل السنة القادمة لك؟

الجواب: أقوم بالتفاوض على كتاب ثالث حول الأساس الفكري للحرب في عصرنا – المبادئ التي تقع خلف المذاهب، التكتيكات والأدوات التي يستخدمها الجميع، وما إذا كان من الضروري وجود جيل جديد من القادة أكثر وعياً بجميع النظم السلوكية الضرورية حالياً في النزاعات.

شارك