مجلة منظمة الصحة العالمية

تحرّي الجينات

البلدان ذات الدّخل المنخفض والمتوسط تلحق بركب تطبيق التحري عن العيوب الولادية. تقارير جين باري Jane Parry.

التقدّم في علم الوراثة البشرية له تطبيقات في الصحة العمومية
Wellcome Images/Anthea Sieveking

إنّ تطبيقات البحوث المجينية في مجال الصحة العمومية قد أدّت في العقود الماضية إلى التوصل لاختبارات تشخيصية أكثر دقّة وسرعة، وإلى تطوير أدوية جديدة والكشف المبكر عن الاضطرابات الوراثية.

لكن في حين أنّ البلدان الأكثر ثراءً قادرة منذ فترة طويلة على القيام بالتحري عن الاضطرابات الخِلْقية الأكثر شيوعاً، كانت البلدان المنخفضة والمتوسطة الدّخل أبطأ في الإقبال على ذلك. إنّ نقص الموارد، ونقص المعطيات بشأن الحجم الحقيقي للمشكلة، وعدم وجود متخصّصين مدرَّبين في المجال الصحي تشكل جزءاً فقط من أسباب هذا الإقبال البطيء.

يمكن أن يُنظر إلى الاضطرابات الخِلْقية على أنها أقل أهمية من غيرها من مشاكل الصحة العمومية. وفي بعض البلدان، فإنّ الخوف من وصمة العار والقيود القانونية والدينية بخصوص الإجهاض من الحواجز التي تعوق برامج التحري.

"في البلدان الأكثر فقراً، غالباً ما تُعزى وفيات الولْدان والرّضّع إلى الأمراض العدوائية، وعدم توفر الرعاية السابقة للولادة، حيث لا تحظى الأدواء الوراثية بأهمية كافية لدى الحكومات كي تقوم بتخصيص الموارد لإنشاء خدمات وراثية،" بحسب قول لافينا شولر-فاكسيني Lavina Schüler-Faccini الأستاذة في قسم الوراثة بالجامعة الاتحادية لريو Universidade Federal do Rio Grande do Sul في بورتو أليغري في البرازيل.

"يُنظر إلى الوراثيات بشكل كبير على أنها مكلفة للغاية وتصل إلى أقلية من الناس. بأيّ حالٍ، يميل السكان في البلدان الفقيرة إلى امتلاك مستوى أدنى من التثقيف الصحي؛ وهذا ما يزيد في كثير من الأحيان من اختطارات الحمل."

إنّ الوضع آخذ في التغير الآن. والموافقة على قرار بشأن الوقاية والرعاية المتعلقة بالعيوب الولادية من قبل الجمعية الصحية العالمية في أيار/مايو 2010، والمنشور في 2011 من التقرير العالمي الأول عن الخدمات المجتمعية الوراثية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدّخل، من قبل منظمة الصحة العالمية WHO يعني أنّ الحصول على الخدمات الوراثية قد يصبح أكثر سهولة.

وتهدف الخدمات المجتمعية الوراثية إلى الوقاية من الاضطرابات الخِلقية والأدواء الوراثية وتقديم المشورة للأسر المتضرّرة في المجتمع. وقد سلّط تقرير منظمة الصحة العالمية الضوء على بعض الدّول التي تبنَّت برامج للوقاية من الاضطرابات الخِلقية، مثل البحرين وقبرص والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولكن وُجد أنّ الاضطرابات الخِلقية_ والمعروفة أكثر باسم العيوب الولادية_ تشكل "مشكلة صحية كبرى في جميع أنحاء العالم" وأنه لا توجد في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدّخل خدمات كافية للوقاية من تلك الحالات وتدبيرها.

وتم تعريف العيوب الولادية من قبل منظمة الصحة العالمية على أنها "شذوذات بنيوية أو وظيفية موجودة منذ الولادة، سواء تم التعرف عليها عند الولادة أو في وقت لاحق". بعض الدول المنخفضة والمتوسطة الدّخل_ وخاصة في أفريقيا وشرق المتوسط وجنوب شرق آسيا_ جمعت ما بين الوقاية والرعاية المحدودتين مع ارتفاع معدّل انتشار اضطرابات خلقية محدَّدة، مثل الاعتلالات الهيموغلوبينية؛ أي الاضطرابات التي تصيب الطريقة التي يُحمَل فيها الأكسجين بواسطة الدم.

ويمكن أن يؤدي زواج الأقارب_ الزواج بين الناس ذوي القرابة مع بعضهم البعض_ إلى زيادة الأمراض الموروثة، وكذلك الأمر بالنسبة لحدوث الحمل عند الأمهات المتقدّمات في السن، والذي يزيد من تثلُّت الصِّبغيات مثل متلازمة داون (تثلُّث الصِّبغي 21).

قد تحمل برامج التحري والوقاية الخاصة بالاضطرابات الوراثية فوائد أخرى للصحة العمومية من خلال "التدخّلات البسيطة واسعة النطاق مثل مكمِّلات حمض الفوليك؛ وكلّ من التحصين والتحري ومكافحة السِّمنة والسكري؛ والوقاية من بدء التدخين،" وفقاً للدكتور Lorenzo Botto، أستاذ طبّ الأطفال في جامعة مدرسة يوتا للطب the University of Utah School of Medicine في الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس اللجنة التنفيذية لمركز تبادل المعلومات الدولي لترصّد العيوب الخِلقية والبحوث (ICBDSR).

الكشف عن العيوب الخِلقية جزء من الرعاية الروتينية السابقة للولادة
Wellcome Images/Peter Artymiuk

في كثير من الأحيان تنفَّذ هذه الإجراءات ضمن برامج الطفولة والأمومة القائمة، وفي الوقت الذي ينبغي فيه استخدام نفس الآليات كي يتاح للأهل الحصول على الاستنصاح الوراثي بشكل منصف، كما تقول الطبيبة أنيتا كار Anita Kar، مديرة مدرسة متعدّدة التخصصات في العلوم الصحية في جامعة بونا University of Pune في الهند.

لم تطور الهند أفضل الممارسات لتقديم الاستنصاح الوراثي، حسب قولها. فليس هناك دلائل إرشادية تتناول متى ينبغي إجراء فحوصات جينية، بالإضافة لعدم وجود مستشارين وراثيين مدرَّبين أو دورات لتدريبهم. ولا توجد هيئات اعتماد أو دلائل إرشادية عن أفضل الممارسات من أجل المختبَرات التي تقوم بإجراء الفحوصات الجينية. ومع ذلك فإنّ البحث في هذا المجال لا يزال يتقدم.

"نحن نقوم بالكثير من العمل الدؤوب في مجال الأبحاث الأساسية، ولكن ما ينقصنا هو الخطوة من المقعد إلى السكان،" تقول Kar. "كما يجب تطوير الاستنصاح الوراثي من خلال البحوث المحلية بسبب الإطار الثقافي والاجتماعي الفريد. وعلينا البدء ببرنامج تثقيفي بحيث يصبح الناس على معرفة بعلم الوراثة كعلم أساسي لرفاه الشعوب."

إنّ تقديم الحلول والتقارير كان ناجحاً جدّاً في إبراز وتحفيز العمل في جميع أنحاء العالم (أي جعل هذه الخدمات متاحة)، تقول هيلاري بروتون Hilary Bruton، مديرة مؤسسة علم الجينومات والصحة السكانية (GPH)، وهي مؤسسة خيرية مستقلَّة تسعى لجعل الفوائد من العلم والعلوم المجينية متوفرة في جميع البلدان. وتدير المؤسسة برنامج الولادة الصحية Born Healthy لمساعدة الدول المنخفضة والمتوسطة الدّخل على تطوير علم الوراثة وغير ذلك من الخدمات لأجل الوقاية من العيوب الولادية. ويشمل هذا البرنامج مجموعة من الأدوات التي يمكن أن يستخدمها الاختصاصيون في مجال الصحة وصنّاع السياسة لتحديد عبء الأمراض الخِلقية، وذلك بالاعتماد على أفضل المعطيات الوبائية العالمية المتوفرة، ولصياغة استراتيجيات الوقاية والمعالجة والرعاية.

"العيوب الولادية هي إحدى المجالات الرئيسة حيث يكون علم الوراثة من مصلحة البلدان النامية وهي بحاجة لأن يتوفر لديها الرعاية الجيدة السابقة للحمل والولادة،" تقول Bruton. "إنّ كيفية بناء برنامج للوقاية من العيوب الولادية، وعلم الوراثة هو جزء من ذلك، أمر تستطيع تجربة العلوم المجينية للصحة العمومية أن تساعد حقاً بخصوصه."

تم استخدام أدوات مؤسسة علم الجينومات والصحة السكانية (GPH) لتقييم الاحتياجات الصحية في الاضطرابات الخِلقية من قبل Schüler-Faccini لإثبات أن الخدمات الوراثية فعالة من حيث التكلفة. "[وقد تبيَّن] أنّ تكلفة إنشاء خدمات وراثية وبرامج للوقاية من العيوب الولادية يمكن أن يشكل عبئاً اقتصادياً أقل منه بحالة عدم القيام بأي شيء، لأنّ عبء الشذوذات الخِلقية أعلى من ذلك بكثير إذا لم تتم الوقاية منها ومعالجتها بالشكل الصحيح،" تقول Schüer-Faccini.

وفي البرازيل، تُجرى فحوصات للولْدان منذ أكثر من 15 عاماً، وتشمل اختبارات للتحري عن بيلة الفينيل كيتون، وقصور الدرقية الخِلقي، وفقر الدم المنجلي، بالإضافة إلى التحري عن التليُّف الكيسي في بعض المناطق. ويتم دفع ثمن هذه الفحوصات لصالح Sistema Única de Saúde (SUS)، أو النظام الصحي الموحَّد، وكذلك الأمر بالنسبة للعلاج عندما يتم الكشف عن المرض. وهناك مستشفيات ومراكز وراثية تتم إحالة المرضى إليها للتشخيص وتلقي العلاج، إذا لزم الأمر، أوضحت Schüler-Faccini.

ومع ذلك فإنّ الحصول على الفحوصات السابقة للولادة أمر أكثر محدودية، والوضع في البرازيل يسلط الضوء على بعض القضايا المثيرة للجدل والتي يمكن أن تنشأ نتيجة الأوضاع القانونية والدينية الخاصة بالبلد، فضلاً عن بنية النظام الصحي فيه. وتتوفر خدمات الأمواج فائقة الصوت التي تتيحها SUS في الجامعات والمستشفيات الجامعية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ ربع السكان يتلقون رعاية صحية خاصة إضافية، مما يجعل إجراء الفحص السابق للولادة بالأمواج فائقة الصوت في الأسابيع 18 و20 من الحمل في متناول معظم النساء الحوامل.

أما بالنسبة للفحوصات الوراثية السابقة للولادة، والفحوصات في الأثلوث الأول من الحمل_ مثل قياس المستويات المصلية للبروتين الجنيني ألفا و فحص الشفوفية القفوية، والتي يمكن استخدامها للكشف عن متلازمة داون عند الجنين- لا تتوفر إلا في المستشفيات الجامعية وبالتالي فهي تصل إلى أقل من 1% من السكان. "بالنسبة للمرأة التي تخطط لتلقي خدمات صحية إضافية خاصة، فإن الفحوصات تتوفر في المدن الأكثر تقدماً فقط، في حين لا يمكن الحصول على التشخيص الوراثي أو الصِّبغي السابق للولادة إلا في المستشفيات المتخصصة،" تقول Schüler-Faccini.

وبينما يكون الإجهاض في بعض البلدان واحداً من الخيارات المفتوحة أمام الحامل التي تخضع للفحوصات السابقة للولادة، فإنه غير قانوني في بلد مثل البرازيل. وحتى ولو كان خيار إنهاء الحمل غير وارد، إلا أنّ الفحص السابق للولادة له أهمية كبيرة. "في المقام الأول، نحن نعلم أنّه في أكثر من 90% من الحالات سوف نقوم بطمأنة الأم. ثانياً، إنّ العلم المسبق بوجود اضطراب صِبغي أو عيب ولادي عند الطفل هو فرصة لتهيئة الولادة الملائمة له. على سبيل المثال، إذا كان لدى الطفل عيب في القلب فإنه من المهم انتقاء المشفى المناسب. فذلك، من الناحية النفسية، يمنح العائلة الوقت للاستعداد لتقبُّل الوضع."

شارك