مجلة منظمة الصحة العالمية

معالجة الأفيون في أوكرانيا خطر فقدان قوة الدفع

يذكر غاري هومفريس في تقرير له: أحرزت أوكرانيا تقدماً في إدخال المعالجة باستبدال الأفيون منذ عام 2004، لكن تغطية هذه الخدمات لازالت غير كافية بينما يستمر حقن العقاقير في زيادة وباء فيروس العوز المناعي البشري في البلد.

أول ما انتبهت إيرينا سوخوباروفا إلى أن ابنتها كانت مدمنة على العقاقير عندما كانت تاتيانا في أوائل العشرينات من عمرها. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وحصول أوكرانيا على استقلالها، بدأ تهريب كميات قليلة من الهيروئين إلى البلد عبر البحر الأسود، الخاصرة الجنوبية النفوذة للبلد.

WHO

وبعدها، خلال التسعينات، ازدهرت صناعة غير شرعية تولد كميات كبيرة من دواء أفيوني آخر – سائل يصنع من قش خشخاش مخدر ينمو في أوكرانيا. وتقول سوخوباروفا حول اعتماد ابنتها على أفيون عالي الإدمان ينمو في المنزل: ”كان ذلك صعباً علي، وكانت تاتيانا مريضة جداً. كان ذلك يبدو حظاً سيئاً جداً لنا.“

”لقد جاهدنا باستخدام مختلف أنواع المعالجة لست سنوات، بما فيها إزالة السمية والمعالجة النفسية، لكننا لم نحقق نجاحاً كثيراً. وعندها في عام 2005، قرأت تاتيانا عن برنامج المعالجة باستبدال الأفيون في الصحيفة. وكان البرنامج موضوعاً من أجل 145 إنساناً، وعملنا على إدخال تاتيانا فيه.“

وباستعمال مركب بوبرينورفين الأطول تأثيراً والأقل شمقاً، استطاعت تاتيانا التغلب على أعراض السحب القوية للابتعاد عن عشب الخشخاش السائل في بيئة سريرية داعمة. ينقص بوبرينورفين، وهو دواء يؤخذ مرة واحدة يومياً (عادة على شكل قرص تحت اللسان) الحاجة إلى اللاستعمال غير القانوني للأفيون، ويتم بذلك تجنب الأذى المترافق مع الأبر الوسخة وعشب الخشخاش السائل المحضر بشروط غير صحية. وهذه معالجة مجانية في أوكرانيا.

كانت النتائج درامية. إذ تتذكر سوخوباروفا: ”بعد شهرين أو ثلاثة من المعالجة، بدت تاتيانا في حالها قبل أن تصاب بالإدمان وكانت عموماً تبدو أفضل صحة بكثير.“

كانت تاتيانا من أوائل المرضى الذين شاركوا في برنامج المعالجة باستبدال الأفيون، وهو برنامج يتتبع معايير المعالجة الدولية، بما فيها دلائل منظمة الصحة العالمية.

تقول سوخوباروفا والتي أسست جمعية (الأمل والثقة) لدعم آباء مدمني المخدرات حقناً للتوعية بأن الأمر مرض قابل للعلاج: ”بعد تلك التجربة أردت من الآباء الآخرين أن يستفيدوا من المعالجة باستبدال الأفيون“.

منذ عام 2004، عندما بدأ أوائل الرواد في المضي قدماً في أوكرانيا، انتشرت برامج معالجة الأفيون في أجزاء أخرى من الاتحاد السوفيتي سابقاً، بما فيها روسيا البيضاء، وجورجيا وجمهورية مولدوفا، ولكن في معظم هذه البلدان كانت هناك ولازالت مقاومة لفكرة معالجة الاعتماد على الأفيون بهذه المعالجة.

في بقية أنحاء العالم، اعترفت بلدان قليلة أن الاعتماد على العقاقير المحظورة مشكلة صحية حتى أن بلداناً أقل تقدم معالجة فعالة ورعاية لها. ويقول الدكتور نيكولاس كلارك، مسؤول طبي في وحدة إدارة سرف المواد في منظمة الصحة العالمية في جنيف: ”نقدر أن المعالجة باستبدال الأفيون تصل فقط إلى 10% من البشر الذين يحتاجون إليها.“ علاوة على ذلك، لازالت السمة المرتبطة بالاعتماد على عقار تشكل حائلاً رئيسياً لطلب المعالجة.

كان الدكتور سيرجي دفورياك، مدير المعهد الأوكراني لسياسة الصحة العامة، وأحد أوائل المؤيدين للمعالجة باستبدال الأفيون، أحد الأشخاص الذين يجب على سوخوباروفا أن تشكرهم لشفاء ابنتها.

دفورياك طبيب نفسي بالتدريب، اهتم بإعادة التأهيل بعد إدمان العقاقير بينما كان يعمل في الولايات المتحدة الأمركية في عام 1986. وعندما عاد إلى أوكرانيا، أسس أحد أوائل مراكز إعادة التأهيل لإدمان العقاقير في أوروبا الشرقية باسم مركز (”الخطوات“) عام 1991. وسرعان ما أدرك أن ”إعادة التأهيل“ ليست كافية وأن تقديم معالجة فعالة للبشر الذين يحقنون العقاقير المحظورة كان جزءاً حاسماً في محاصرة جائحة فيروس العوز المناعي البشري في البلد.

في عام 2005، كان فاعلاً في تأسيس المعهد الأوكراني للسياسة الصحية العامة، منظمة لا ربحية أسسها أطباء واختصاصيو علم النفس لتصميم وتنفيذ مقاربات تقوم على البينة للتعامل مع إدمان العقاقير وإعادة تأهيل مستخدمي العقاقير، بمن فيهم من يعايشون فيروس العوز المناعي البشري.

يشمل عمل المعهد بحثاً أساسياً وتطبيقياً، لكنه يروج أيضاً لبرامج المساعدة الذاتية وإعادة تأهيل المرضى اجتماعياً، ومهنياً ونفسياً. يقول دفورياك: ”يعمل المعهد أيضاً مع المشكلات الأخرى المتعلقة بالعقاقير وسرف الكحول، لكن إدمان الأفيون هو أولويتنا لأن معظم البشر الذي يحقنون العقاقير يستعملون الأفيونات ولأنه مرض قابل للعلاج.“

وكما هي الحال في كل مكان، يستحيل أن نعرف تماماً عدد البشر الذين يحقنون العقاقير المحظورة في أوكرانيا، بلد يصل عدد سكانه إلى حوالي 45 مليوناً.

وقد أشار مسح قامت به الباحثة الأوكرانية أولغا بالاكيريفا ومساعدوها، إلى أنه قد يوجد حوالي 560.000 مدمن في ذلك البلد الأوروبي الشرقي، أما حسب الاتحاد الدولي لفيروس العوز المناعي البشري / الإيدز في أوكرانيا، فيوجد بين 278.000 و387.000 في 2010 –ربعهم تقريباً دون سن 18 سنة.

لا تشكل مشكلة حقن العقاقير في أوكرانيا مرضاً اجتماعياً فقط، يؤدي إلى إفقار المستخدمين، والذين يتحولون للجريمة والبغاء لدفع ثمن الحقنة التالية، وتفتيت الأسر، إلا أنها العامل الرئيسي الذي يُسَيِّرُ وباء فيروس العوز المناعي البشري HIV. إذ يصل انتشار فيروس العوز المناعي البشري بين مستخدمي العقاقير حقناً في البلد إلى حوالي 21.5%، بينما تتم إصابة حوالي 45% من العدد الإجمالي المسجل 221.806 حالات من فيروس العوز المناعي البشري نتيجة عدوى الفيروس باستعمال المخدرات حقناً حسب مركز الإيدز في وزارة الصحة الأوكرانية.

سلطت دراسات كثيرة الضوء على الطريقة الخطرة التي يحصل فيها البشر على الأفيونات المحظورة في أوكرانيا. إذ يُشترى سائل عشب الخشخاش في محاقن معبأة مسبقاً من الموزعين الذين يكونوا أصلاً مدمنين حقناً، أو من موزعين يسمحون للمستخدمين بسحبه من مطربانات إلى محاقنهم مباشرة، وهكذا في يوم واحد يتم استعمال أبر ومحاقن تدور ثانية لاستخلاص السائل من وعاء واحد مما يزيد خطر نقل عداوى، كفيروسات التهاب الكبد وفيروس العوز المناعي البشري.

ومنذ أن تم تأسيس المعهد، يقول دفورياك إن الحكومة الأوكرانية زادت دعمها لذلك العمل. ففي عام 2008، أُطلقت مجموعة جديدة من المبادرات أخذت شكل مقاربة متكاملة للمشكلة بتقديم المعالجة لعدوى فيروس العوز المناعي البشري وخدمات أخرى للرعاية الصحية، حيث كانت مطلوبة، بالتوازي مع المعالجة باستبدال الأفيون. تم الارتقاء بهذه المبادرات التي بدأت في مقاطعات دنبروبيتروفسك، وميكولايف وأوديسا، إضافة إلى العاصمة كييف، وشكلت العناصر الرئيسية للبرنامج الوطني للإيدز.

WHO

وبينما تتم إدارة جميع برامج المعالجة باستبدال الأفيون للبلد في مؤسسات حكومية، يمول الصندوق العالمي لمحاربة الإيدز، والسل والملاريا إمدادات البوبرينورفين، وهو الدواء الذي كان يستخدم في بدء البرنامج، أما الميثادون الذي أضيف عام 2007 فإنه حالياً هو الدواء الرئيسي المستخدم لهذه المعالجة في أوكرانيا. كما يمول الصندوق العالمي الدعم النفسي الاجتماعي للمرضى الذين يتلقون المعالجة عبر منظمات محلية لا حكومية.

نتيجة هذه المبادرات، ازداد عدد البشر الموضوعين على المعالجة باستبدال الأفيون ثلاثة أضعاف خلال 3 سنوات من 2405 بداية عام 2009 إلى 7090 بحلول منتصف 2012 يتلقون المعالجة في 143 مؤسسة، حسب معهد سياسات الصحة العامة.

لكن ما يثير قلق دفورياك أنه رغم هذا التقدم المتواضع والذي لا يمكن إنكاره في نفس الوقت، يوجد خطر أن تفقد المعالجة باستبدال الأفيون عزمها. ويقول: ”لدينا دعم رسمي من الدولة للمعالجة باستبدال الأفيون، لكنه لا يترجم إلى تمويل كاف ومستمر للتأكد من الإتاحة والتغطية الجيدة للمعالجة باستبدال الأفيون في البلد.“

أما الدكتور يوري كوبيشكا الذي يعمل في مكتب أوكرانيا لمنظمة الصحة العالمية في كييف، فيتفق في الرأي قائلاً: ”هناك نقص في تمويل المعالجة باستبدال الأفيون، ونحن نتكل على مبلغ 1.5 مليون دولار من الصندوق العالمي كل سنة. لكن هذا لن يستمر على المدى البعيد.“

ويضيف قائلاً: ”يعيش المصابون بالسل وفيروس العوز المناعي البشري أو الذين يعانون من الاعتماد على عقار غالباً على هوامش المجتمع. يخافون أن يتعرضوا للسمة إن هم طلبوا المعالجة“، مضيفاً أن هذه ليست العقبة الوحيدة أمام طلب المعالجة.

في عامي 2010-2011، ارتقت سياسات عيادات المعالجة باستبدال الأفيون لمنع تحويل الميثادون والبوبرينورفين، رغم أخذ هذين الدوائين تحت إشراف الفريق الطبي في هذه العيادات، ولا يؤخذان إلى المنزل – على خلاف النظام العلاجي في بعض البلدان.

وبينما بدأت الحالة تتحلحل منذ ذلك الوقت، إلا أن زبدة هذه العوائق أن البرنامج معوز الأهداف، هذا ما يؤكده كوبيتسكا من منظمة الصحة العالمية بقوله: ”مع تلقي نسبة 2.6% (7000) من مجموع المدمنين على العقاقير حقناً المعالجة باستبدال الأفيون، إلا أن هدف البرنامج الوطني للإيدز الذي سيستهدف 20.000 منهم بنهاية عام 2013 لن يتم الوصول إليه غالباً.“

ويقول دفورياك: ”تنحى الشرطة منحى قاسياً جداً حول المواد المحظورة، وهكذا يخاف الأطباء معالجة البشر المدمنين على العقاقير حقناً“. ”فحسب ما قال أحد الأطباء ’تحسن المعالجة باستبدال الأفيون نوعية حياة المرضى‛، ولكنها تسيء إلى حياة الفريق الطبي.“

شارك