مجلة منظمة الصحة العالمية

مكافحة المخدرات والصحة العمومية: الذهاب أبعد من التصريحات

روبن روم عضو في مجموعة صياغة سياسة المخدرات التي تستعمل معطيات لإظهار ما يمكن أن يحدث من أضرار ناتجة عن المخدرات غير المشروعة فيما لو تغيرت السياسات أو الظروف، ويتحدث مع فيونا فليك Fiona Fleck حول السيناريوهات البديلة لتجارة المخدرات المحرمة حالياً وتأثيرات مختلف السيناريوهات على الصحة العمومية.

Courtesy of Robin Room

روبن روم Robin Room هو أستاذ الصحة السكانية ورئيس البحث الاجتماعي حول الكحول في مدرسة الصحة السكانية في جامعة ملبورن، وهو مدير مركز البحث السياسي حول الكحول Centre for Alcohol Policy Research في مركز نقطة تحول الكحول والمخدرات Turning Point Alcohol and Drug Centre في ملبورن في أستراليا، وهي مراكز شغلها منذ عام 2006، وهو كذلك أستاذ في مركز البحث الاجتماعي حول الكحول والمخدرات في جامعة ستوكهولم في السويد منذ عام 1999، ويغطي عملُه البحثي حول أضرار المواد المخدرة – ولاسيما الكحول – ثلاث قارات وخمسة عقود، وقد بدأ عمله كباحث في كاليفورنيا حيث حصل على شهادة دكتوراه فلسفة في علم الاجتماع عام 1978.

سؤال: لقد دعا ستة رؤساء سابقون وشخصيات بارزة أخرى باستمرار خلال السنوات القليلة الماضية إلى وضع نهاية "للحرب الفاشلة على المخدرات"، وتعتقد المجموعة التي تدعو نفسها اللجنة العالمية حول سياسة المخدرات أن النظام العالمي لتحريم المخدرات بحاجة إلى إصلاح، وقد أصدرت مدرسة الاقتصاد اللندنية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي تقريراً يقول أيضاً بأن الحرب العالمية ضد المخدرات قد فشلت. هل تتفقون مع هذا التقييم؟

جواب: بالنظر إلى البيّنة حول الفترة المنقضية منذ الاتفاقية الموحدة التابعة للأمم المتحدة حول الأدوية المخدرة يتفق معظم العلماء على عدم جدوى تحريم وضع سوق شرعية من أجل الاستخدام غير الطبي. إن الأمم تختلف في طلبها لمخدرات معينة إلا أن الطلب كبير في كل مكان تقريباً على الاستخدام غير الطبي للمواد الفعالة نفسياً، وقد أخفق النظام في توجيه هذا الطلب حصرياً باتجاه البدائل الشرعية – التي تشمل الكحول والتبغ في معظم الأماكن، وهو ما يدعو للسخرية.

سؤال: كيف وصلنا إلى هذه الحالة من المشكلات؟

إن السياسات الدولية الحالية لمكافحة المخدرات مشتقة من المعاهدات الأصلية حول المخدرات التي بدأت عام 1912، والتي كانت منتوجاً جانبياً لحركة الامتناع الدولي عن معاقرة الكحول، وتعكس الحالة اليومَ تسوية سياسية وضعت في منتصف القرن العشرين وقد صيغت المعاهدات بشكل صلب إلى درجة عدم قابليتها للتعديل بسهولة وفق الظروف الراهنة.

سؤال: نظراً لتلك الاتفاقيات الدولية، هل تعدّ سياسات المخدرات المستندة إلى البينة معقولة؟

توجد أمثلة على السياسة المستندة إلى البينة في العديد من البلدان مرتفعة الدخل وفي عدد قليل من البلدان متوسطة الدخل ومنخفضة الدخل، ولاسيما فيما يتعلق بالأدوية، والصيانة بالميثادون أو بوبرينورفين لاستبدال الهيروين والأفيونيات الأخرى ترتكز على قاعدة كبيرة من البينات التي توثق فعالية إنقاص سراية فيروس العَوَزِ المَناعِيِّ البَشَرِيّ واستخدام المخدرات المحرمة والسلوك الإجرامي وتسهل عودة الاندماج، ويعكس تقديم المعالجة البديلة بالأفيونيات قرارات سياسية عملية مستندة إلى البينة، وذلك مقابل المقاومة الهامة التي تقوم على أرضية أخلاقية وإيديولوجية غالباً، وتعد السياسة المستندة إلى البينة أقل شيوعاً بكثير في جوانب الوقاية من استخدام المخدرات والأضرار الناتجة المترافقة معها ومكافحة المخدرات.

سؤال: ماذا كانت حصيلة تحريم المخدرات؟

جواب: لقد جرى توسيع مجال معاهدات مكافحة المخدرات في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، وقد جاء تجريم تجارة المواد المحرمة لمصلحة السوق السوداء التي استفادت كثيراً، ومع ذلك أظهر البحث في الطب البيولوجي والوبائيات وعلم الأدوية النفسية أن الكحول والتبغ بين أكثر المواد الفعالة نفسياً ضرراً، لذلك كان القرار الذي اتُّخذ في منتصف القرن العشرين بالسماح بتجارة التبغ والكحول ومنع تجارة المخدرات الأخرى خياراً كارثياً فيما يتعلق بالصحة العمومية.

سؤال: هل يجب أن تعود البلدان إلى التحريم الدولي للكحول والتبغ؟

جواب: لا، فرغم أن الكحول والتبغ اثنان من ثلاثة عوامل اختطار من أجل العديد من الأمراض غير السارية يمكن أن يعيد منعهما ظهور مشكلة الأسواق المحرمة الموجودة مسبقاً من أجل المخدرات. يجب تنقيح الاتفاقيات الدولية حول مكافحة المخدرات مع أخذ البينة حول الأضرار الناتجة عن الكحول والتبغ التي ظهرت في العقود الماضية بعين الاعتبار، ويجب تطبيق ضبط عالمي أكثر صرامة على هذه المنتجات. إن المقاومة السياسية لضم الكحول والتبغ في الاتفاقيات الدولية حول المخدرات محتومة، وذلك لوجود اهتمامات اقتصادية كبيرة بتجارتها وتشجيعها.

سؤال: ما مدى حرية البلدان في صياغة سياستها الخاصة في مكافحة المخدرات وبرامج معالجة الاعتماد على المخدرات، مع أخذ المعاهدات الدولية بعين الاعتبار؟

جواب: إن معاهدات المخدرات غير مألوفة ضمن الاتفاقيات الدولية بحسب المدى الذي تتنازل فيه البلدان عن أي حق لاتخاذ قراراتهم الخاصة حول الأمور الداخلية، فمثلاً تتطلب اتفاقية الأمم المتحدة عام 1998 ضد التجارة غير الشرعية بالمخدرات والمواد الفعالة نفسياً United Nations Convention against Illicit Traffic in Narcotic Drugs and Psychotropic Substances أن تضع البلدان وفق مبادئها الدستورية حيازة المخدرات من أجل الاستخدام الشخصي اعتداء جرمياً.

سؤال: ما هي مشاكل مثل تلك الأحكام؟

جواب: إن البلدان لا تستطيع صياغة ما تريد في سياساتها المتعلقة بالمخدرات رغم وجود بعض الدفع على تلك الحدود بعدم تجريم الحيازة والاستعمال الشخصيين، ومن الجوانب التي تمتلك البلدان فيها خياراً واسعاً هو ما يتعلق ببرامج المعالجة، فكل إشارة إلى ذلك في المعاهدات يكون على شكل تشجيع عموماً، لكن حتى في هذا الأمر حاول نظام المكافحة الدولي الحد من الخيارات، محتجاً مثلاً بأن مرافق الحقن الخاضعة للمراقبة الطبية غير مسموحة دستورياً.

سؤال: ما هي تأثيرات انسحاب بوليفيا من اتفاقية عام 1961 الموحدة التابعة للأمم المتحدة حول المواد المخدرة ثم عودة قبولها على ضرورة تجريم مضغ أوراق الكوكا أو عدمه؟

جواب: عندما أعلنت بوليفيا انسحابها قالت أنها ستقبل بالعودة مع التحفظ على أوراق الكوكا، وقد جرت الموافقة مؤخراً على عودتها على هذا الأساس، وفي الحين الذي يظهر هذا الطريق معقداً ومسرحياً إلا أنه كان الطريقة الشرعية الوحيدة أمام بوليفيا من أجل الحصول على قرض صغير طلبته بوساطة علاقتها مع معاهدات المخدرات الدولية، وكان السبيل الوحيد للتغيير، ويلزم سبيل آخر حتى تتبنى البلدان التي تشابهها في التفكير معاهدة جديدة.

سؤال: هل يمكن تشريع المخدرات المحرمة؟

جواب: ليس في ظل المعاهدات الحالية، فيما عدا استخدامها طبياً، إلا أنه من الممكن عملياً طبعاً – كما أثبتت الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً عندما أنهت حظر الكحول. إن التشريع لا يعني إزالة جميع الضوابط على السوق. إن إزالة الضبط الكاملة لن توجد من أجل أية سلعة أساسية في الدولة العصرية. يمكن لأحد الأساليب أن يكون بوساطة نظام مكافحة مخدرات بالتوازي مع نظام مكافحة الكحول، وهذا موجود في العديد من البلدان، وكحد أدنى يشمل هذا الأسلوب عادة تراخيص خاصة لإنتاج المنتوجات وتوزيعها وبيعها، ويتكيف بحسب الوقت والكمية والصياغة وجوانب أخرى، أو تقوم الدولة نفسها بدور بيع التجزئة، كما هو الحال من أجل بيع الكحول بالتجزئة في بضعة بلدان. لقد مضى أكثر من قرن على الخبرة المفصلة بمجموعة متباينة من تلك الترتيبات من البيئات مرتفعة القيود إلى بيئات عالية التسهيل.

سؤال: هل يمكن لهذا أن يحل مشاكل الصحة العمومية حول استخدام المخدرات المحظورة؟

جواب: لا، لن يزيل أي خيار سياسي جميع مشاكل الصحة العمومية، لكن، من وجهة نظري، سينقص إيجاد سوق مشروعة مضبوطة بصرامة العبء الإجمالي للمشاكل الصحية الناتجة عن تلك المخدرات، ولا يوجد شك في أن ترتيبات سوق مضبوطة مشابهة يمكن أن تنجح، وأنها يمكن أن تعطي تنافساً فعالاً يمكن أن ينقص مع الزمن من وجود أية سوق محظورة منافسة إلى حد كبير، وإضافة إلى ما سبق، قد يكون من الحكمة منع أية دعاية أو دعم عن تلك المنتجات. إن الدروس المستقاة من الكحول والتبغ تقول أن القيود والضوابط الأخرى على السوق يمكن أن تحد فعلاً من استهلاك المخدرات وتقلل الضرر، إلا أن القول بضرورة استثناء المخدرات من اية معاهدات أو اتفاقيات تجارة حرة وأن الاهتمام التجاري بزيادة المبيعات وبالتالي زيادة الاستخدام أمر يجب تحييده حالياً قدر الإمكان.

سؤال: ما هي الصعوبات أمام إيجاد سوق داخلية شرعية من أجل الاستخدام غير الطبي لتلك المخدرات؟

جواب: لن يتوافق نظام مكافحة المخدرات مثل النظام السابق مع الأحكام الحالية حول المخدرات، إذ سيعتمد وجوده إما على تعديل جوهري في المعاهدات أو على ترك الدولة المشتركة للمعاهدات أو ربما مشاركتها بالمعاهدات مع تحفظات إن سمح بذلك باقي المشاركين في المعاهدة، أو غض النظر عن المعاهدات، ومع زيادة الالتزامات الدولية يطبق الخيار الأخير بسهولة أكبر إن كانت الدولة قوية.

سؤال: إن أرادت دولة معينة سلوك هذا السبيل، كيف لها أن تتعامل مع السوق السوداء لهذه المخدرات التي تنمو بشكل محتوم؟

جواب: تظهر الخبرة السابقة مع حظر الكحول أن سوق المخدرات الشرعية لن تقضي فوراً على السوق السوداء الموازية، لكنها تشكل منافسة فعالة لها، هذا إن لم توضع ضرائب عالية جداً على المنتجات الشرعية، وقد أظهرت الخبرة مع الكحول أن الأسواق السوداء الموازية قد انحدرت مع الزمن وأصبحت مهملة في معظم البلدان عالية الدخل حالياً، والتهديد الرئيس للمكافحة الفعالة في سوق شرعية لا يتعلق بالسوق السوداء بل بالصناعة الشرعية التي تؤثر على السياسيين مع الزمن لزيادة الوفرة وبالتالي الكسب.

سؤال: هل تولي الحكومات الانتباه إلى نصائح مجموعات مثل مجموعة صياغة سياسة المخدرات في سدني، التي تعدون من أعضائها؟

جواب: توجد أمثلة على البحث الذي أثر على السياسة، فقد كانت الدراسات حول تأثير عدم تجريم حيازة المخدرات غير المشروعة واستخدامها ذات تأثير على قرارات السياسة الحالية في العديد من البلدان، مثلما في جمهورية التشيك والبرتغال. إن نمذجة باحثين في جامعة شيفيلد Sheffield لتغيير أسعار الكحول أو الضرائب عليه كانت حاسمة في تغيير قرارات المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا لوضع أخفض أسعار للمشروبات الكحولية، وعلى كل حال يمكن أن تطلب الحكومات نصيحة مبنية على البينة ثم ترفضها، وقد حدث ذلك مع نصيحة لجنة شيفر Shafer حول الحشيش إلى الرئيس ريتشارد نيكسون في الولايات المتحدة الأمريكية، ونصيحة هيئة روكيز Roques panel حول الكحول والحشيش لوزارة الدولة من أجل الصحة في فرنسا عام 1999، لكن نافذة السياسة يمكن أن تفتح، وعندئذ يصبح البحث قاعدة لتغيرات السياسة، ويبدو أننا نعيش الآن زمن نظام مكافحة المخدرات دولياً. إن الحكومات في أمريكا اللاتينية من غواتيمالا إلى أوروغواي تطرح تساؤلات حول النظام الحالي، ويطلبون من الباحثين بينة ونصيحة حول البدائل.

سؤال: لماذا يستمر العديد من السياسيين في مقاومة التفكير ببدائل للحرب على المخدرات؟

جواب: لا تقلل من أهمية قوة الحالة الراهنة والاهتمامات الراسخة بها، فمنذ أكثر من 100 سنة بُني النظام الدولي لمكافحة المخدرات مع تأكيد مفرط على التجريم وفرض القانون بالقوة، ويخشى من يخضع لهذا النظام من التغيير كما هو مفهوم. كذلك كانت المخدرات وسيلة تستخدمها السياسة الخارجية للدول القوية في العقود الماضية، وقد سعت البلدان الفقيرة للحصول على المساعدة الدولية التي تعطى كجزء من الحرب على المخدرات. لا يهم مدى سوء الأمور حالياً، إذ يمكن دوماً القول أن أي تغيير في النظام العالمي الحالي لمكافحة المخدرات سيكون أسوأ، ونحن نتعامل الآن مع ما يدعى أحياناً بالمشاكل القذرة التي يكون فيها لجميع الخيارات السياسية جانب سيء، ومن الصعب حتى الآن العثور على عالم جاد يقول بنجاح الحرب العالمية ضد المخدرات.

شارك