مجلة منظمة الصحة العالمية

مساهمات مرضى القطاع الخصوصي وتأثيرها على هجرة الأطباء في العالم النامي

Lawrence C Loh a, Cesar Ugarte-Gil b & Kwame Darko c

a. Dalla Lana School of Public Health, University of Toronto, 155 College Street, Sixth Floor, Toronto, ON, M4S 1A7, Canada.
b. Instituto de Medicina Tropical Alexander Von Humboldt, Universidad Peruana Cayetano Heredia, Lima, Peru.
c. Department of Surgery, Korle-Bu Teaching Hospital, Accra, Ghana.

Correspondence to Lawrence C Loh (e-mail: lloh@jhsph.edu).

(Submitted: 26 July 2012 – Revised version received: 11 December 2012 – Accepted: 13 December 2012 – Published online: 17 January 2013.)

نشرة منظمة الصحة العالمية 2013;91:227-233. doi: 10.2471/BLT.12.110791

المقدمة

كان هناك اهتمام أكاديمي كبير بنموّ القطاع الخصوصي في مجال إيتاء الرعاية الصحية وتمويلها في البلدان النامية. ففي مقال افتتاحي نُشر مؤخراً لفت Forsberg وزملاؤه الانتباه إلى ما يلعبه القطاع الخصوصي من "دور رئيس في التمويل والإيتاء" في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وتوصلوا إلى القول بأنّ "بحوث القطاع الصحي الخصوصي قد تخطّت مجرد تصنيف المقدِّمين والمستخدمين وتعدادهم إلى تقييم آليات تسخير القطاع الخصوصي واستعراف الشروط اللازمة لتطبيقها بنجاح".1

وغالباً ما تتعرقل بحوث الرعاية الصحية في العالم النامي خصوصاً بعدم وجود تعاريف معيّرة. فمثلاً، فقط السريريين ذوي الشهادات الطبية يصنَّفون كأطباء في بعض الدراسات بينما يُعتبرُ المُطبِّبون (المعالجون) الشعبيون أيضاً أطباء في دراسات أخرى.3،2 وعلى الرغم من هذه المشاكل في التعاريف هناك الآن مجموعة متزايدة من النشريات تربط تمويل وإيتاء الرعاية الصحية الخصوصية في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته بجودة الرعاية وتوفّر الأدوية، ووصول المريض والعدالة، وتدريب مقدِّمي الرعاية ومعارفهم، والتبدلات في إيتاء الرعاية الصحية من قبل القطاع العمومي في ظل الأوضاع نفسها.4-7 وقد تؤدي التدخّلات المتنوعة إلى المزيد من التحسن في تقديم الخدمات الصحية الخصوصية في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته.8

تتنامى باطراد مساهمة القطاع الخصوصي في الرعاية الصحية في العديد من بلدان العالم النامي. وفي تحليل للمعطيات من 26 دولة أفريقية وفقاً للبنك الدولي وُجد أنّ نصف الأطفال المرضى تقريباً في شريحة الدخل الأدنى قد استفادوا من الجهات الخصوصية.9 ومعظم (تقريباً 87%) خدمات الرعاية الصحية في الهند تموَّل الآن من القطاع الخصوصي.10 وتبين أنّ مساهمات الإنفاق من المرضى يشكل 40- 70% من الناتج المحلي الإجمالي الذي ينفَق على الرعاية الطبية في 20 دولة نامية.11 هناك عوامل متنوعة، بما فيها الموازنة التقليدية بين العرض والطلب، تؤثر كثيراً على تطور الرعاية الصحية الخصوصية في العالم النامي واختيار الأطباء العمل في القطاع الخصوصي أو العمومي أو كليهما وعلى البقاء في وطنهم إما الهجرة.12

يهاجر الأطباء في البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته غالباً بسبب الدخل المنخفض ونقص الموارد المتوفرة في الوطن الأم، مقابل الآفاق المهنية الأفضل ومستويات المعيشة المرتفعة التي تتاح لهم في الخارج.14،13 وتقدم البلدان ذات الدخل المرتفع فرصاً كبيرة لتوظيف هؤلاء الأطباء.15 وبين الأطباء الذين عملوا في أستراليا عام 1999، وكندا في عام 2000، والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية عام 2002، وفي الولايات المتحدة الأمريكية عام 2004، كانت نسبة المهاجرين 23- 28%، ومعظمهم من آسيا ودول الكاريبي وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؛ وهناك ما يقارب 60000 طبيب من الهند وحدها.16 إنّ هجرة الأطباء من بلدان عديدة منخفضة الدخل ومتوسطته يستنزف المهارات العملية من النُّظم الصحية الضعيفة أصلاً، ويحدّ من نجاح الرعاية الأولية القائمة ونشاطات الصحة العمومية.17

وفي محاولة لمعرفة ما إذا كانت معدلات هجرة الأطباء منخفضة نسبياً في البلدان التي تملك قطاعات رعاية صحية خصوصية كبيرة نسبياً، تم جمع المعطيات المتصلة من ثلاث دول ذات اقتصاد ناشئ (نامٍ) وتحليلها معاً.

دراسة الحالة

تم اختيار ثلاث دول، غانا والهند والبيرو، للدراسة لإعطاء مجال واسع من معدلات هجرة الأطباء وتمثيل ثلاثة أقاليم مختلفة لمنظمة الصحة العالمية (WHO). وجاءت المعطيات المحلَّلة من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)،18 التي توثّق أعداد وجنسيات الأطباء المهاجرين في كل دولة من بلدان التعاون الاقتصادي والتنمية، ومن مراجعات النشريات "الرمادية" المتصلة بالموضوع. وأُخذت معدلات الهجرة من جدول نشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية18 وهو تقديرات العام 2000. وتم حساب كل معدل كنسبة مئوية بقسمة عدد الأطباء الذين تدربوا في بلد الدراسة ولكن عملوا في أي من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2000 على العدد السابق مضافاً إليه عدد الأطباء العاملين في بلد الدراسة نفسه عام 2000، ثم ضرب النتيجة بالعدد 100. وأُجريت مراجعات النشريات باستخدام محركات بحث PubMed وGoogle وSciELO ومرافق البحث المتاحة عبر مواقع شبكة الإنترنت للبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية. وتضمنت استراتيجية البحث في PubMed كلمات مفتاحية ومصطلحات MeSH متعلقة بالرعاية الصحية الخصوصية وهجرة الأطباء مرفقةً بتعابير "العالم النامي" أو "غانا" أو "الهند" أو "البيرو". واتُّبِعت استراتيجيات مماثلة لاستخدام محركات البحث الأخرى.

تمت مراجعة نتائج البحث جميعها تحرياً لصلتها بالموضوع ودُرست الاقتباسات في المقالات ذات الصلة من أجل مقالات أخرى قد تحمل معطيات مفيدة. وتضمّن التحليل النهائي فقط المعطيات من مقالات نُشرت خلال 20 السنة السابقة في المجلات التي يراجعها الزملاء أو من قبل البنك الدولي أو منظمة الصحة العالمية. وفقط الأفراد الذين تلقوا تدريباً طبياً بيولوجياً اعتُبروا أطباءً في هذا التحليل.

غانا

يبدو أنّ احتمال هجرة الأطباء من غانا إلى الخارج أكبر مقارنة مع أطباء الهند أو البيرو. ويعمل أغلب الأطباء الذين يبقون في غانا في القطاع العمومي رغم أنّ معظم دخلهم (64%) يأتي من جيوب المساهمين من المرضى. والغانيّ أكثر ميلاً للحصول على تأمين صحي عمومي من الهندي أو البيروفي. ولا يزال التأمين الصحي الخاص نادراً نسبياً في غانا رغم كونه أصبح أكثر شيوعاً في السنوات القليلة الماضية.

إنّ مستويات هجرة الأطباء مرتفعة نسبياً في غانا. فقد هاجر 50% و75% من الأطباء المتخرجين من جامعة غانا بين عامي 1985 و1994 خلال 4.5 و9.5 سنة تَلَت تخرجهم على الترتيب.19 ورغم انطلاق أول نظام تأمين خصوصي في غانا عام 1993، وهو نظام التأمين الطبي الوطني المشترَك، بقي معظم الأطباء يتقاضون أجورهم من "الخزينة العامة". وسرعان ما أخذ نظام التأمين الخصوصي يصارع الشكاوى المزورة وعدم كفاية أقساط التأمين والزبائن المستائين عموماً وتراكم المطالبات.20

وفي التسعينات، كانت 47% من المستشفيات و60% من العيادات في غانا تدار من قبل الحكومة. بعد ذلك، وكما هو الحال اليوم غالباً ما تتولى منظمات غير حكومية إدارة مرافق الرعاية الصحية الخصوصية على أساس عدم الربح أو عن طريق مؤسسات دينية تتحمل الرسوم الإسمية والصغيرة للمرضى؛ وبقي إيتاء الخدمات الصحية الاستثماري من قبل القطاع الخصوصي نادراً.21 وتتفاوت كثيراً جودة الرعاية الصحية التي يقدمها القطاع الخصوصي؛ فرغم أنّ بعض المرافق الحضرية كانت حسنة التجهيز وجيدة الإدارة، كان هناك العديد من العيادات في الريف يديرها "صغار التجار الذين يبيعون الأدوية وباعة الأدوية المتجولون والدجالون وحاقنو الأدوية".22

يبدو أنّ قلّة إقبال الغانيين على التأمين الخاص والحصول على الرعاية الصحية الخصوصية أدى إلى فشل (إفلاس) نظام التأمين الطبي الوطني المشترَك عام 1997. 20 وبقيت هجرة الأطباء شائعة جداً، إذ غادر 68% من المتخرجين الغانيين في مجال الطبّ البلاد بين عامي 1993 و2001. 23

لقد سُجل 1469 طبيباً تدربوا في غانا ويعيشون في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2000. وهذا يشكل معدل اغتراب قدره 31.25%. 18 ووصِفت الرعاية الصحية في غانا عام 2009 بأنها مزيج من النظم التقليدية الخصوصية والعمومية والنظم الخصوصية غير التقليدية الاستثمارية وغير الاستثمارية. وقد بُذلت الجهود مؤخراً لدمج نظام يقوم على الطب الشعبي مع نظام خاص غير استثماري غير تقليدي (شعبي).24 فقط 10% من مقدمي الرعاية الصحية في غانا عملوا حصراً في القطاع الخصوصي عام 2010. 20 وحالياً لا يزال التأمين الخاص نادراً ومقتصراً إلى حد كبير على العاملين في القطاع الخصوصي المنتمين إلى النقابات والذين كانوا قد حاربو للحصول على تغطية مماثلة من خلال مفاوضات جماعية مع أرباب عملهم.20 ورغم سيطرة القطاع العمومي على توصيل الرعاية الصحية في غانا إلا أنّ 64% من تمويل الرعاية الصحية فيها يأتي من القطاع الخصوصي و80% من التمويل الخاص يأتي من المساهمات من جيوب المرضى.3 وتمت تغطية أكثر من نصف الغانيين بالتأمين الصحي العمومي من خلال نظام التأمين الصحي الوطني.20

الهند

تُدرّب الهند عدد أطباء أكبر من أي بلد آخر تقريباً، وتقدم أكبر عدد من الأطباء المهاجرين وتملك أكبر نظام للرعاية الصحية الخصوصية. فنحو 11% من الأطباء العاملين في المملكة المتحدة و5% من العاملين في الولايات المتحدة الأمريكية قد تدربوا في الهند.15،14 فالهند هي البلد الذي هاجر منه أكبر عدد من الأطباء مقارنة مع أية جنسية أخرى ممن يعيشون في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.18 ومع ذلك فإنّ عدد الأطباء الذين يتدربون في الهند في كل عام ضخم جداً حيث أنّ 55000 طبيباً هندياً يعيشون في الخارج يخلقون معدل هجرة قدره 8% فقط.18

عند استقلال الهند عام 1947 كان القطاع الخصوصي يقدم 8% فقط من الرعاية الصحية. اليوم يعمل 80- 85% من الأطباء المرخَّص لهم و93% من المستشفيات و80% من العيادات الخارجية في الهند جزئياً أو كلياً ضمن القطاع الخصوصي الاستثماري. ويتلقى الأطباء الخصوصيون رواتبهم من أجور الخدمات. وتقدم المساهمات من جيوب المرضى ما يقدَّر ب87% من تمويل الرعاية الصحية.10 وقُدِّر أنّ 1% و10- 14% من سكان الهند فقط لديهم تأمين صحي عمومي وخصوصي على التوالي.27،26

ويصنَّف الأطباء الخصوصيون في الهند إلى مقدمي الرعاية الطبية في الريف والأطباء الاستثماريين وغير الاستثماريين. وعادة ما يكون مقدموا الرعاية الطبية الريفية من الأطباء الممارسين غير المؤهلين. ويقدم الأطباء الخصوصيون غير الاستثماريين الذين يعملون في المنظمات الحكومية أو المؤسسات الدينية 1.32% فقط من الاستشارات الخصوصية في الهند.10 ويعمل معظم الأطباء الخصوصيون في الهند في القطاع الاستثماري.10

إنّ هيمنة القطاع الخصوصي في مجال الرعاية الصحية في الهند يعود بشكل كبير إلى فشل الحكومة الهندية في مواكبة احتياجات الرعاية الصحية المتنامية لثاني أكبر تعداد سكان في العالم. إنّ السياسات الاقتصادية للحكومة والاندفاق التكنولوجي السريع وازدياد عدد الهنود ذوي الدخل المتوسط (أكثر من الفقراء) قد شجع أيضاً على التوسع في القطاع الخصوصي.27 ورغم أنّ نمو القطاع الخصوصي في مجال الرعاية الصحية قد زاد عموماً من إتاحة مقدمي الرعاية الصحية لكن ثمة مخاوف كون الرعاية الصحية مكلفة وسيئة التنظيم ومرافقة للنقص في التدريب والافتقار لمعايير الممارسة خصوصية في القطاع الاستثماري. وتبذل حكومة الهند الجهود لمعالجة هذه المخاوف من خلال زيادة تغطية التأمين العمومي28 وتحسين تنظيم القطاع الخصوصي.29

من غير الواضح لماذا تملك الهند معدل هجرة أطباء منخفض رغم أنّ لديها أكبر عدد مطلَق للأطباء المهاجرين إلى الخارج. من الممكن أنّ الأطباء الهنود الذين تلقوا تدريباً سيئاً اختاروا البقاء في الهند، وربما شجعهم العمل في القطاع الخصوصي الاستثماري الذي يستطيع أن يمنحهم دخلاً معقولاً مع قيود تنظيمية قليلة. إنّ النمو الأخير في السياحة الطبية في الهند، والذي قدّم مصدراً جديداً للدخل في القطاع الاستثماري، ربما قد حسن أيضاً من الاحتفاظ بالأطباء. وإذا كانت الدعوات المتزايدة في الهند إلى زيادة التمويل العمومي وإيتاء الرعاية الصحية ناجحة30 فإنّ مستويات هجرة الأطباء من البلد سترتفع.

البيرو

بدأ الأطباء البيروفيون بالهجرة فعلياً فقط بعد الاضطرابات الأهلية في الثمانينات، ولكن هذه النزعة استمرت حتى التسعينات خلال الركود الاقتصادي. وطوال هذه الفترة كانت تقدَّم الرعاية الصحية غالباً عن طريق القطاع العام واعتُبرت الاستثمارات العامة في مجال الصحة حاسمة للتنمية الوطنية.

وفي عام 1984 شغل القطاع العمومي 78% من أسرّة المستشفيات و93% من مرافق الرعاية الصحية الأولية في البيرو. ومع ذلك دفعت التخفيضات في الميزانية الصحية للحكومة في هذا الوقت إلى التوسع في إيتاء الرعاية الصحية الخصوصية. وطوال فترة الثمانينات والتسعينات قاتل الأطباء في البيرو ممن وُظِّفوا حكومياً للحصول على إذن بتطوير والحفاظ على الممارسات الخصوصية للتخفيف من تأثيرات تخفيض الميزانية على مدخولهم.31 ورغم أنّ المخاوف ازدادت حول كيفية تأثير هذه "الممارسات ثنائية القطاع" على الوصول إلى المريض وغيره من الجوانب المختلفة لإيتاء الرعاية الصحية فإنّ عدد الأطباء البيروفيين العاملين في كلا القطاعين العام والخاص استمر في الارتفاع. ولم يتم حتى الآن تطوير أي سياسة رسمية أو تنظيم متعلق بذلك ويبدو أنّ هناك إجماعاً عاماً على ضرورة السماح للأطباء بتكميل الأجور العمومية المنخفضة بهذه الطريقة.32

يتطلب قانون الصحة العامة لعام 1997 من الحكومة البيروفية تعزيز الظروف التي ينبغي أن تضمن مبدئياً تغطية كافية وشاملة للخدمات الصحية في جميع أنحاء البيرو.33 وكانت النتيجة تخفيف الاحتكار الحكومي لإيتاء الخدمات الطبية. وبعد صدور هذا القانون أصبح بإمكان المستفيدين من شركة التأمين العامة – مؤسسة الأمان الاجتماعي في البيرو، المدعوة سابقاً مؤسسة الضمان الاجتماعي في البيرو Instituto Peruano Seguridad Social (IPSS) وأصبحت تدعى الآن التأمين الصحي الاجتماعي Seguro Social de Salud (EsSalud)- تلقي الرعاية من الشركات الخصوصية التي ستقوم بالدفع لمقدِّم التأمين. وفي محاولة أخرى لتعزيز التغطية الكافية أنشأت الحكومة التأمين الصحي الشامل Seguro Integral de Salud (SIS) في عام 2001 لتغطية السكان المعوزين في الريف والمناطق المحيطة بالمدن، وخاصة النساء والأطفال الفقراء من هؤلاء السكان حيث لا يملكون وسيلة أخرى للحصول على المساعدة الاجتماعية.

تم إيتاء 55.1% من الرعاية الصحية التي حصل عليها المرضى المعالجون من قبل الأطباء في البيرو عام 1998 من خلال المؤسسات التي يمولها القطاع العام (الحكومة)، و20.8% (عن طريق القطاع العام أو الخاص) مُوِّلت عن طريق مؤسسة الأمان الاجتماعي، و10.9% تم إيتاؤها من خلال خدمات الرعاية الصحية العمومية غير المتخصصة (مثل القوات المسلحة والشرطة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية)، وفقط 18.9% قُدِّمت عبر القطاع الخصوصي المدعوم بالمساهمات من جيوب المرضى.34 وبحلول عام 2003 أُجري التعداد الثاني للبنى التحتية والموارد البشرية، ومع ذلك تبدلت النسب المئوية السابقة لتصبح 39.1% و18.1% و7.1% و32.4% على الترتيب.31 وهكذا فإنّ مقدار الرعاية الصحية المقدَّمة بين عامي 1998 و2003 من قبل القطاع الخصوصي المدعوم بمساهمات الجيب قد تضاعف تقريباً، وذلك عائد جزئياً إلى العدد الكبير من الأطباء (تقريباً 50% من مجوع أطباء البيرو) الذين عملوا في كلا القطاعين العام والخاص في عام 2003. 31

ومنذ إصدار قانون الصحة العامة في سنة 1997 أصبحت تغطية التأمين الخاص والمدفوعات من الجيب إحدى آاليات التمويل الهامة للرعاية الصحية في البيرو. ويحصل 42% من البيروفيين اليوم على أحد أشكال التأمين العام: 20% ومعظمهم عاملون مدنيون ثشملهم مؤسسة الأمان الاجتماعي، و18% يشملهم التأمين الصحي الشامل، و4% تغطيهم الحكومة بشكل مباشر لأنهم سياسيون أو من القوات المسلَّحة أو تربويون.35 وبم أنّ 2% فقط من البيروفيين لديهم تأمين صحي خاص فإنّ أكثر من نصف (56%) مجموع البيروفيين عليهم أن يدفعوا من جيوبهم ليحصلوا حلى الرعاية الصحية.36 والبيروفيون الذين لا يشملهم التأمين هم غالباً من فقراء العاملين غير المؤهلين للحصول على الدعم من مؤسسة الأمان الاجتماعي لأنهم يملكون عملاً أو ممن يكسبون أكثر مما ينبغي لتلقي الدعم من التأمين الصحي الشامل والقليل جداً لدفع تكاليف التأمين الخاص.37 إنّ القرار بالسماح لبعض البيروفيين الأكثر ثراء ممن يغطيهم التأمين العام بالمساهمة في رعايتهم الصحية في المرافق الصحية الخصوصية المكلفة يعتبر مضيعة للتأمين وخاصة من قبل فقراء العاملين غير المؤهَّلين.32 وبحلول عام 2008 كان 15% من البيروفيين يتلقون الرعاية الصحية الأولية عن طريق الجهات الخصوصية الكائنة في المناطق الحضرية.39،38

وبينما كانت مشاركة القطاع الخصوصي في تمويل الرعاية الصحية وإيتاؤها آخذة بالنمو في البيرو كانت معدلات هجرة الأطباء والاغتراب تتناقص. نحو 24% فقط من الأطباء المتخرجين في البيرو بين عامي 1995 و2005 اختاروا البقاء فيها.40 ولكن في دراسات أحدث شملت مؤسستين طبيتين في البيرو وُجد أنّ 30% 41 أو 51% 42 فقط من المتخرجين حديثاً قد غادروا البيرو لمتابعة إقاماتهم الطبية في الخارج.

إنّ البيرو لديها أدنى مستوى لهجرة الأطباء وأعلى إنفاق للفرد على الرعاية الصحية الخصوصية بين بلدان الدراسة الثلاثة (الشكل 1).

الشكل 1. علاقة الإنفاق على الرعاية الصحية في كل من غانا والهند والصين بهجرة الأطباء من هذه البلدان

نظرة عامة

النتائج من مراجعة المعطيات ملخَّصة في الجدول 1. وقد تم حساب الإنفاق الخاص على الصحة لكل فرد في كل من بلدان الدراسة الثلاثة من المعطيات التي جمعتها منظمة الصحة العالمية43 بضرب نسبة الإنفاق الصحي الإجمالي على الرعاية الصحية الخصوصية بالإنفاق الصحي الإجمالي لكل فرد. وعند رسم النفقات الصحية الخصوصية لكل فرد في غانا والهند والبيرو مقابل التقديرات الأكثر حداثة لمعدلات هجرة الطباء من هذه الدول الثلاث تبين وجود علاقة عكسية بين المتغيرين (الشكل 1).

المناقشة

في النظم الصحية لغانا والهند والبيرو كانت المعطيات المتعلقة بالقطاع الخصوصي أكثر نُدرة وصعوبة في الوصول مقارنة مع المعلومات الموافقة في القطاع العمومي؛ وهناك حاجة واضحة لمراقبة أفضل ولتقييم تمويل وإيتاء الرعاية الصحية الخصوصية في هذه الدول الثلاث. ورغم هذه المحدودية لكن من الواضح أنّه خلال العقود القليلة الماضية شهدت كل من غانا والهند والبيرو نمواً في تمويل القطاع الخصوصي وإيتاء الرعاية الصحية، بالتوازي مع التنمية الاقتصادية وازدياد متطلبات السكان وتغير البيئات السياسية.

بين البلدان الثلاثة التي قمنا بدراستها كانت غانا تمتلك معدل الإنفاق الأدنى للفرد على الرعاية الصحية وأعلى مستوى لهجرة الأطباء. بالمقابل فإنّ البيرو لديها أعلى إنفاق للفرد على الرعاية الصحية الخصوصية والمستوى الأدنى لهجرة الأطباء.

كانت نظريتنا الأولية أنّ الأطباء العاملين في نُظُم مبنية لإيتاء الرعاية الخصوصية وتمويلها قد يكونون أقل ميلاً للهجرة مقارنة مع غيرهم من الأطباء. وهكذا قد يكون الحال إذا استطاع الأطباء أن يقدموا خدماتهم بأسعار خاصة تتجاوز الأجور الموافقة في القطاع العام. وإنّ تطور البيرو في الممارسات ثنائية القطاع لم يسفر عن توسع القطاع الخصوصي في إيتاء الرعاية الصحية فقط وإنما أيضاً، واستناداً إلى المعطيات المتوفرة حول اغتراب الأطباء، قد حسن معدلات استبقاء (الاحتفاظ) الأطباء. ورغم أنّ المعطيات التي ناقشناها هنا تشير إلى وجود ترابط سلبي بين إنفاق الفرد على الرعاية الصحية وهجرة الأطباء فإنها تعطي ثلاث نقط فقط على المخطط (الشكل 1). وهذه العلاقة بحاجة إلى المزيد من البحث بواسطة نماذج أكثر شمولاً لتدرس عدداً أكبر من الدول مع ضبط العوامل التي قد تحثّ الأطباء على الهجرة أو البقاء في البلد حيث تدربوا.

وإذا استطعنا إثبات أنّ نمو مشاركة القطاع الخصوصي يحسن فعلاً معدلات استبقاء الأطباء عندئذ نحن بحاجة لمعرفة ما إذا كانت فوائد بقاء الأطباء في القطاع الخصوصي ترجح على المشاكل المتعلقة بالوصول إلى المريض في القطاع الخصوصي لا سيما في العالم النامي. والعديد من الاقتصادات الناشئة تضم أشخاصاً يمتلكون تأميناً صحياً بسيطاً ولكنهم في كثير من الأحيان فقراء جداً كي يستطيعوا دفع المساهمات التي يطالب بها قطاع الرعاية الصحية الخاص من جيوبهم.

ونحتاج في البحوث المستقبلية إلى دراسة كل عوامل "الدفع" و"السحب" المتعلقة بإيتاء وتمويل الرعاية الصحية من القطاعين العام والخاص والتي تدفع الأطباء إلى الهجرة. ففي الهند على سبيل المثال يحول التدريب السيء لبعض الأطباء دون توظيفهم في بلدان أخرى.

الاستنتاج

إنّ التنمية الاقتصادية السريعة ومحدِّدات الإنفاق العمومي وتنظيم الخدمات الصحية تواصل دفع عملية تطور الرعاية الصحية الخصوصية في العالم النامي. ومع ازدياد مساهمات القطاع الخصوصي في إيتاء الرعاية الصحية وتمويلها ربما يصبح الأطباء أقل ميلاً للهجرة. وينبغي إجراء المزيد من البحوث حول هذا الموضوع. وتبين في التحليل الراهن أنه من المستحيل التمييز بين الأطباء الذين يعملون في القطاع الخصوصي عن أولئك الذين يعملون في القطاعين الخاص والعمومي معاً. وهناك حاجة لجمع معطيات أفضل من عدة دول منخفضة الدخل ومتوسطته خاصة حول القطاع الخصوصي. كذلك يجب استقصاء التأثيرات الضائرة المحتمَلة لنمو القطاع الخصوصي على محاولات الوصول إلى تغطية شاملة للرعاية الصحية ولهذا يجب التأني في دراسة أية سياسة مصمَّمة لتنظيم نمو القطاع الخصوصي أو هجرة الأطباء.


الشكر والتقدير

نحن ممتنون لفريق الموارد البشرية للصحة التابع لمنظمة الصحة العالمية على ما قدّمه من تعليقات وملاحظات.

تضارب المصالح:

لم يُصرَّح بأيٍّ منها.

المراجع

شارك