مجلة منظمة الصحة العالمية

كيف انضمت البرازيل إلى بحث لقاح الحمى الصفراء

أعلنت البرازيل مؤخراً اتفاقاً بين وحدة اللقاحات بيو- مانجوينهوس وشركتين أمريكيتين للبحث وتطوير لقاح جديد للحمى الصفراء. وقد تحدثت كلاوديا جوربرغ وجوليا دي ألويسيو إلى جيمي بينكيمول حول التاريخ الجدلي لتطور اللقاح الذي يفيد ملايين البشر حالياً.

Courtesy of Jaime Benchimol

جيمي بينكيمول مؤرخ في مؤسسة أوزوالدو كروز، في ريو دي جانيرو، في البرازيل، نشر عدة كتب حول علوم الحياة، والطب، والصحة العامة، والتاريخ المديني منذ عام 1986، بما في ذلك كتابيه حول قصة الحمى الصفراء. وفي عام 1996، أصبح محرراً علمياً في مجلة هيستوريا، سينشيا، ساودي – مانغوينهوس، إحدى أهم المجلات في أمريكا اللاتينية والمخصصة لتاريخ العلم والصحة. نال الدكتوراة في التاريخ عام 1995 في الجامعة الفومنسية الاتحادية في ولاية ريو دي جانيرو.

سؤال: كيف أصبحت البرازيل أكبر منتج للقاح الحمى الصفراء في العالم ؟

جواب: كان المرض أولوية صحية كبرى في البرازيل في نهايات القرن التاسع عشر والقرن العشرين، عندما شهدت مدينة ريو دي جانيرو مع هافانا (كوبا) أوبئة كبرى للحمى الصفراء. كما شهدت البرازيل فشل جهود مؤسسة روكفيلر للقضاء على المرض بتمويل حملات البحث والتنفيذ بالتعاون مع السلطات المحلية في الأمريكيتين وغرب أفريقية. وهذا ما قاد إلى إعادة تنظيم كاملة للحملة. ومع اكتشاف (1928-1933) انتقال الحمى الصفراء بواسطة القردة في مناطق الغابات، أصبح من الواضح أنه لا يمكن السيطرة عليها باستخدام الطرق التقليدية – وهي طرق تقوم على فهم خاطئ بأن المرض يملك ناقلاً مدينياً واحداً (الزاعجة المصرية) ومضيفاً حيوانياً واحداً (البشر). نتيجة هذه العوامل، أصبحت مسألة اللقاح الفعال حتمية وكانت البرازيل في موقف قادر على مواجهة التحدي.

سؤال: مانوع الخبرات التي كانت البرازيل تملكها في ذلك الوقت؟

جواب: لقد بنت البرازيل خبرات في الأمراض المدارية، وأسست معاهد حيوية طبية قوية لأبحاث وتطوير اللقاحات خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وفي عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، بدأ باحثون يعملون بصورة رئيسية في البرازيل ونيجيريا بالنظر إلى الحمى الصفراء على أنها مرض فيروسي له عدة نواقل وأسباب بيئية وأشكال سراية. وهذا ما قاد مؤسسة روكفلر إلى تأسيس مختبر للحمى الصفراء في معهد أوزوالدو كروز (حالياً وحدة بيو- مانجوينهوس في مؤسسة أزوالدو كروز) في ريو دي جانيرو، حيث إجريت تحسينات هامة للقاح جديد طور في نيويورك بالاشتراك مع خبرات أمريكية شمالية وبرازيلية.

سؤال: كيف اختبر اللقاح الناتج؟

جواب: في بداية القرن العشرين، أجري القليل لاختبار سلامة اللقاحات عند تحولها من المختبر إلى الشوارع. ففي عام 1937، عندما تم إنتاج اللقاح الجديد واختبر في البرازيل، اتَّهمَ أنجيلو مورييرا دا كوستا ليما، وهو باحث في معهد أوزوالدو كروز، مؤسسة روكفلر باستعمال البرازيليين كالخنازير الغينية الاختبارية. لكن تقاريره قلما نشرت في وسائل الإعلام البرازيلية حينئذ. وعندما حللنا الوثائق التي تعود إلى ثلاثينات القرن العشرين، كان واضحاً أن الأطباء كانوا متسرعين كثيراً في تطبيق اللقاح، وخاصة في بلدان أمريكا اللاتينية وأفريقية، حيث استعملت لقاحات أخرى للحمى الصفراء طورت قبلاً من خبراء بريطانيين وفرنسيين. واتسمت قصة التجارب الميدانية واسعة المدى بين 1929 وفاشية الحرب العالمية الثانية عام 1945 بحالات كثيرة من المضاعفات الصحية الخطيرة والوفيات بسبب لقاحات الحمى الصفراء. شملت هذه المضاعفات اليرقان، والذي اكتشف لاحقاً أنه علامة على التهاب الكبد، والتهاب الدماغ. وتلقى آلاف الجنود الأمريكان اللقاح في بداية الحرب مما أدى إلى أكبر وباء مسجل لالتهاب الكبد. ولكن حتى نفهم تماماً كيف تم اختبار اللقاح وتداعيات ذلك، لا بد من مزيد من الأبحاث التاريخية.

سؤال: كيف تم تنظيم هذه اللقاحات في البرازيل؟

جواب: تم إجراء حملات تلقيح جماهيرية في الوقت الذي أجريت فيه مسوح وبائية كبيرة لتحديد مناطق حدوث الحمى الصفراء. وقد حضر عمال الصحة الريفيون الأرضية لإدخال اللقاح بين سكان مهملين من النواحي الأخرى. وقد كان هذا أمراً حيوياً، بسبب المعارضة الكبيرة ضد لقاح الجدري قبل ثلاثة عقود في ريو دي جانيرو. طلبت فرق تلقيح الحمى الصفراء دعم الشخصيات المحلية المهمة – المحافظين، الكهنة، الأطباء والصيادلة وأصحاب الأراضي – في المدن الصغيرة والعزب الريفية داخل البلد لاجتذاب جميع ضعيفي الثقافة، والأميين إلى مراكز التلقيح. وحسب بعض الوثائق، كان الكثيرون راغبين في الخضوع للتلقيح، لكننا لانزال نجهل ما إذا كانت النخب المحلية قد تلقت التلقيح، وكيف ارتكس الناس عندما عانى متلقوه من مضاعفات صحية خطيرة، وكيف ارتكس الأطباء والمجموعات الأخرى عندما علموا بهذه التأثيرات غير المرغوبة.

سؤال: وهكذا خضع البشر للتلقيح دون أي تساؤلات؟

جواب: لا. عندما بدأت التلقيحات الجماهيرية، دُرِّب أناس عاديون من هذه المجتمعات الريفية ودفعت لهم أموال حتى يتم إجراء تشريح جزئي للجثث على من اشتبهت إصابتهم بالحمى وماتوا وأرسلت شدف من الكبد إلى مختبر الحمى الصفراء في ريو دي جانيرو. ارتكس كثير من البشر في هذه المجتمعات بقوة ضد عمليات استئصال الأحشاء هذه ومَنْعِ الدفن كنوع من انتهاك حرمة الميت، مما يعكس صراعاً ثقافياً بين الأطباء في شرق البلاد والمجتمعات الكاثوليكية المحافظة في الداخل.

سؤال: كيف تم تصنيع اللقاح؟

جواب: بدأ ذلك عام 1928، أخذ مصل من دم مرضى كانوا يتعافون من الحمى الصفراء، وحقن في باحثين يعملون في المرض لحمايتهم. وفي بريطانيا وفي معهدي أوزوالدو كروز وبوتانا في البرازيل، تم تصنيع اللقاحات في البداية (1928-1929) من أكباد وأطحلة قردة مصابة بعدوى الحمى الصفراء، باستعمال طرق كيميائية لإنقاص الفوعة. وقد حدث اختراقان أساسيان: اكتشاف أن أغشية بيوض الأجنة كانت مستعدة للعدوى وحدوث التهاب الدماغ عند الفأر الأبيض الملقح داخل الدماغ بفيروس الحمى الصفراء. وبناء على هذه الاكتشافات التي أجراها ماكس تيلر الذي كان يعمل في لندن عندئذ ثم في مختبر روكفيلر في نيويورك، كان العلماء قادرين على تعديل الفيروس بتبديل ظروف الزرع، بحيث تبدي الذرية الناتجة تأثيرات غير مرغوبة أقل وتمنح الحماية في نفس الوقت؛ والحصول على مصول أكثر غنى بالأجسام الضدية لإنقاص خطر التفاعلات غير المرغوبة.

سؤال: وهكذا كانت النتيجة هي سلف اللقاح الحالي؟

جواب: نعم، أعطى أحد خطوط البحث بعد عام 1931 ذرية 17 دالتون، ما دعي بالفيروس ”الودود“، أعطى حماية للقردة الملقحة بالمادة الفوعية، ولم تعد تسبب التهاب الدماغ عند حقنها في أدمغتهم. وفي الأشهر الأخيرة من عام 1937، تم إعطاء لقاح 17 دالتون إلى حوالي 50 الف إنسان في البرازيل. ومع ظهور مشكلات كنقص المناعة، واليرقان والتهاب الدماغ، فإن الملاحظات التي أبداها اختصاصيو أمريكا والبرازيل في دراساتهم السريرية كانت معقدة بشكل مدهش مقارنة مع الدراسات الباكرة لللقاحات الجديدة. لكنها بالطبع لا تفي بالمعايير الحالية. فمنذ عام 1937 أجرى باحثو معهد أوزولد كروز لمختبر الحمى الصفراء تغييرات هامة في تقنية تحفيز اللقاح في نيويورك التي طورها تايلر الذي نال جائزة نوبل عام 1951 لهذا الاكتشاف.

سؤال: كيف استجابت البرازيل للانبعاث الجديد للحمى الصفراء في سبعينات القرن العشرين؟

جواب: في عام 1958، أعلن مؤتمر عموم أمريكا الخامس عشر أجزاء من البرازيل وبلدان أمريكا اللاتينية الخلو من ناقل الحمى الصفراء، وهو بعوض الزاعجة المصرية. ثم عاد للظهور عام 1967، في شمال البرازيل وسرعان ما استعاد ارضيته الأصلية. وأدت فاشيات الحمى الصفراء إلى إعادة بناء مئات من وحدات بضع الأحشاء. وتم تنفيذ برنامج تلقيح مدته 5 أعوام في سبعينات القرن العشرين في أكثر المناطق تعرضاً للخطر. أدت الأوبئة الجديدة في أفريقية، وزيادة حالات الحمى الصفراء في الأمريكيتين وزيادة بعوض الزاعجة المصرية إلى تحفيز بحث إضافي في المرض ولقاحه. وتوقعت السلطات الصحية في البرازيل انبعاثاً جديداً كبيراً في عدوى الحمى الصفراء في المناطق المدينية. أما في عام 1982 في مدينة رورامايما الشمالية، فقد أدى بعوض الزاعجة المصرية إلى تحفيز أزمة غير متوقعة: أول فاشية حديثة للضنك في البرازيل أعادت إطلاق المخاوف بإمكانية عودة الحمى الصفراء إلى الظهور في المناطق المدينية في البلاد، لأنها تنتقل بنفس البعوض.

سؤال: ما هي نتائج جهود الأبحاث المتجددة في الحمى الصفراء ولقاحها؟

جواب: طورت حاجات تقنية جديدة من أجل اللقاح وبروتوكولات التصنيع الجديدة بين أعوام 1980 و1990 استجابة لمتطلبات وضعتها الوكالات الصحية الدولية وزيادة إمكانيات الإنتاج والتوزيع. وفي عام 1998، أدخل التلقيح الروتيني ضد الحمى الصفراء كجزء من البرنامج الموسع للتمنيع. وازداد النتاج السنوي من لقاح الحمى الصفراء لشركة بيو- مانجوينهوس، وهي وحدة مؤسسة أوزوالدو كروز التي تصنع اللقاحات، من 2.6 مليون جرعة عام 1996 إلى 16 مليون جرعة عام 1999. وفي عام 2000 وصل الإنتاج إلى 21 مليون جرعة. في ذروة هذه الدورة (1999-2000)، مات شخصان نتيجة مضاعفات ترافقت مع لقاح الحمى الصفراء. وتدل حقيقة اكتشاف هاتين الحالتين بسرعة واستقصائهما بالكامل على تبدل الكثير مقارنة بالسنوات الأولى لتطوير اللقاح.

سؤال: كتابك الحمى الصفراء – تاريخ لم ينته نشر عام 2001. هل مازلت تعتقد أن هذا التاريخ لم ينته بعد؟

جواب: نعم، لأسباب عديدة. تعتبر لقاحات المتابعة مسوغة في المناطق عالية الخطورة، رغم حقيقة أن استمرار الترصد الأكثر حساسية يؤدي إلى كشف تأثيرات غير مرغوبة خطيرة. يحيط كثير من الألغاز بالتآثرات بين الفيروسات المضعفة المستخدمة في صنع اللقاح والمتعضي البشري. ولازلنا بعيدين عن الفهم الكامل لسبب استجابة أفراد معينين بصورة مختلفة تجاه اللقاح. ولازالت هناك خطوط غير منتهية من الاستقصاء، كمحاولة تطوير لقاح على مزرعة نسيجية، في المختبر، تكون بديلاً عن جنين بيض الدجاج، إضافة إلى محاولة منابلة جينوم فيروس اللقاح و”هندسة“ الطفرات. قد تؤدي هذه الفيروسات الحية الجديدة إلى تحفيز استجابة مناعية ضد فيروس الحمى الصفراء وأمراض أخرى: مما يدفع للاعتقاد إلى أن الفيروس يحمينا من الحمى الصفراء والضنك. كما توجد استراتيجيات جديدة أخرى هي التعديل الجيني أو العدوى البيولوجية لبعوضة الزاعجة المصرية.

سؤال: ما مدى تزمت الضوابط الأخلاقية والتنظيمية المفروضة على تلك التجارب حالياً؟

جواب: تلتزم البرازيل حالياً بالمعايير الدولية. وقد تم تبني لقاح جديد بعد تجارب ما قبل سريرية شملت أطوار كثيرة تم خلالها التحقق من معايير السلامة والفعالية عند عدد متزايد من البشر. يبدو أن نظامنا الدواويني (البيروقراطي) المركزي المعقد يشكل عقبات أمام الإبداع. وبالنظر إلى الممارسات الماضية، يبدو من المفارقات التي لا تغتفر توقع أن تسلك العوامل الاجتماعية سلوكاً متناسقاً مع الأمثولات التنظيمية التي تأسست لاحقاً. لا يكمن دوري كمؤرخ في إصدار الأحكام. لكن مهمتي تكمن في تفسير القوى الاجتماعية والتقنية والاهتمامات التي شكلت القواعد الناظمة، ولازال هناك الكثير مما يجب القيام به في هذا الميدان.

شارك