مجلة منظمة الصحة العالمية

تمويل الصحة من أجل التغطية الشاملة وأداء النظم الصحية: المفاهيم والمتقضيات من أجل السياسات

Joseph Kutzin a

a. Health Systems Financing, World Health Organization, 20 avenue Appia, 1211 Geneva 27, Switzerland.

Correspondence to Joseph Kutzin (e-mail: kutzinj@who.int).

(Submitted: 05 November 2012 – Revised version received: 12 May 2013 – Accepted: 30 May 2013 – Published online: 17 June 2013.)

Bulletin of the World Health Organization 2013;91:602-611. doi: http://dx.doi.org/10.2471/BLT.12.113985 [PDF]

المقدمة

تلقت التغطية الشاملة (وتسمى أيضاً «التغطية الصحية الشاملة») اهتماماً متزايداً منذ نشر «التقرير الخاص بالصحة في العالم 2010».1 يوحي وقع هذا المصطلح على المسامع بأنه شيء جيد جداً، مثله مثل «النظام المستدام لتمويل الصحة»؛ ولكن ما معناه بالضبط، ولماذا هو جدير بالعناء؟

يضم «التقرير الخاص بالصحة في العالم 2010» التعريف التالي لتمويل الصحة من أجل التغطية الشاملة:

«نظم التمويل ينبغي أن تصمم تصميماً محدداً بحيث: تتيح لجميع الأفراد الحصول على الخدمات الصحية التي يحتاجونها (بما يشمل الخدمات الوقائية والتعزيزية والعلاجية والتأهيلية) بالجودة التي تحقق فعالية هذه الخدمات؛ [كما] تضمن ألا تعرض الاستفادة من هذه الخدمات مستخدمها لمصاعب مالية.»1

تشير بعض النقاشات حول التجا رب الإصلاحية الأخيرة، ولا سيما تلك المتعلقة بتفسير ما يعنيه «الضمان»،2-5 إلى أنه لا يوجد حتى الآن فهم مشترك فيما يتعلق بالمفهوم الذي يصوره «التقرير الخاص بالصحة في العالم 2010»، وهذا ليس مجرد نقاش أكاديمي، فالفروق المفاهيمية تنشئ فروقاً عملياتية من حيث خيارات سياسات تمويل الصحة للبلدان وما هو الموصى به وكيفية تقدير الإصلاحات. تهدف هذه الدراسة إلى توضيح ما يعنيه تمويل الصحة من أجل التغطية الشاملة، وكيفية اندماج مرامٍ محددة للنظم الصحية وأغراضها الوسيطة في التغطية الصحية الشاملة، وما هي وحدة التحليل المناسبة لها، وبصورة أوسع ما هي سبل تأثير تمويل الصحة على التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة. إن تقييم خيارات سياسية أو توصيات محددة خارج نطاق هذه المقالة، مع أنها تقدم بعض التوضيحات.

المقطع القادم من هذه المقالة يشتق مجموعة من الأغراض الجنيسة لسياسات تمويل الصحة من هيكلية أداء النظم الصحية لمنظمة الصحة العالمية. يبرر المقطع الثالث التغطية الصحية الشاملة، وفق تعريفها أعلاه، على أنه من أهداف السياسة الصحية، وذلك عن طريق ربطها صراحةً بمرامي هيكلية النظم الصحية. يتبع ذلك مناقشة الأبعاد الثلاثة للتغطية، ثم نتوسع في تحديد مرامي التغطية الصحية الشاملة وأغراضها الوسيطة، يليها مثال توضحيح لأنماط إصلاحات تمويل الصحة التي يمكن أن تؤثر على التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة. يضم المقطع السادس مناقشة وحدة التحليل من أجل التغطية الصحية الشاملة والأهمية العملية لفهم التمييز بين المخططات والنظم. يلخص المقطع الأخير في المقالة الرسائل الجوهرية النابعة من هذه المقاربة المفاهيمية.

تمويل الصحة وأداء النظم الصحية

تعود نقطة الابتداء في هذه المقاربة إلى «التقرير الخاص بالصحة في العالم 2000» حول أداء النظم الصحية.6، 7 استعرفت الهيكلية المستخدمة في ذلك التقرير ثلاثة مرام جنيسة وأربع وظائف جنيسة لجميع النظم الصحية (أعادت منظمة الصحة العالمية هيكلة هذه الوظائف الأربع إلى ست «لبنات»،8 لكن الهيكلية بقيت هي نفسها، وكذلك تطبيقها على سياسات تمويل الصحة المستخدم هنا). يهدف أي نظام صحي إلى تكبير تحقيق المرامي (المصححة وفق الأهمية النسبية التي يولي البلد كل مرمى منها) بعد تكييفها وفق عوامل السياق من خارج النظام الصحي التي تؤثر على مستوى تحقيق المرامي الممكن الوصول إليه (مثل دخل البلد والمستويات التعليمية والعوامل السياسة، إلخ.). يبين الشكل 1 مخططاً مبسطاً لهذه الهيكلية.

الشكل 1. وظائف ومرامي النظم الصحية

ينعكس التحدي العام أمام السياسات الصحية في السهم في منتصف الشكل 1: كيف تؤثر الوظائف على المرامي؟ بالتأكيد، تتأثر المرامي بالمحددات الاجتماعية من خارج النظام الصحي، ولكن تركيز السياسات هنا يكون على سياسات وأفعال النظام الصحي. إذن، لكي يكون سؤالنا أدق: كيف تؤثر طريقة تصميم وتشغيل النظام على مدى تحقيق المرامي باعتبار أثر العوامل من خارج القطاع ضمن سياق بلد معين؟ كيف ترتبط نواقص تحقيق المرامي بمشاكل النظام الصحي، وبالعكس: كيف يمكن أن تحسن التغييرات المدروسة في طريقة تشغيل النظام الصحي (أي الإصلاحات) تحقيق المرامي؟ ومن أجل إملاء الفراغ في المنتصف في هيكلية النظام الصحي المبين في الشكل 1، يجب فهم الروابط بين النظام والمرامي. مع أنها قضية عامة للنظم الصحية، وبالتالي تتعلق بالوظائف الأربع (منفردة ومجتمعة)،9 المعضلة هنا هي: كيف يمكن أن تؤثر وظيفة التمويل على تحقيق المرامي.10 هذه المقاربة تؤدي إلى استعراف مجموعة أغراض أكثر نوعيةً لسياسة التمويل، وهذه الأغراض يمكن أن تكون أهدافاً لأفعال سياسة تمويل الصحة، وهي:

  • أغراض السياسة المطابقة أساساً للمرامي الواسعة للنظام الصحي، أي تعزيز الحماية الشاملة ضد الاختطار المالي وزيادة العدالة في توزيع عبء تمويل النظام؛
  • أغراض السياسة التي تمثل أغراضاً وسيطة، وهي وسائل لتحقيق مرامي النظام الصحي الواسعة: (1) تعزيز استخدام وتوفير الخدمات بصورة عادلة مقارنة بالحاجة إلى هذه الخدمات؛ (2) تحسين شفافية النظام ومسؤوليته أمام السكان؛ (3) تعزيز جودة تقديم الخدمات؛ (4) تحسين كفاءة تنظيم وتقديم الخدمات الصحية وإدارة النظام الصحي.

تتبين العلاقة بين تمويل الصحة ومرامي النظام الشاملة، مباشرةً وبشكل غير مباشر عن طريق الأغراض الوسيطة، في الشكل 2. أحد المفاهيم الهامة في هذا الشكل هو أن نظام تمويل الصحة لا يعمل بمفرده في التأثير على الأغراض الوسيطة والمرامي النهائية؛ فمن الضروري تنسيق السياسات والتنفيذ بين وظائف النظام الصحي لتحقيق التقدم نحو الأغراض المرغوبة، مثل تحسين جودة الرعاية. عدا ذلك، يواجه الكثير من البلدان مشاكل تتعلق بالوصول الفعلي إلى الخدمات الصحية والإمداد بالموارد البشرية، وهنا أيضاً لا تستطيع سياسة التمويل بمفردها معالجة هذه المشاكل. تمارس الوظائف الأخرى للنظام الصحي تأثيراً هاماً على المرامي، لكن فحص هذه التأثيرات خارج نطاق مقالتنا التي تركز على سياسة تمويل الصحة.

الشكل 2. مرامي النظم الصحية وأغراض سياسة تمويل الصحة

غالباً ما تؤثر طريقة تنظيم تدابير تمويل الصحة على المرامي الاجتماعية الأخرى؛ ومع أن هذه التأثيرات خارج نطاق تركيز هذه المقالة، إلا أن لها أهمية للسياسات العامة. تحديداً، قد تؤثر آليات تمويل الصحة على خيارات واختيارات الأفراد فيما يتعلق بالتوظف. في البلدان التي فيها نظام وطني للتغطية بمجموعة استحقاقات موحدة، كما في أوروبا الغربية، يستطيع الناس تغيير عملهم بحرية دون خوف من خسارة التغطية الصحية. وبالعكس، عندما تكون التغطية الصحية مرتبطة بمكان العمل، ولا يوجد تغطية إلزامية ولا استحقاق شامل، كما في الولايات المتحدة الأمريكية، يبقى الكثيرون «محبوسين» في عملهم لأنهم قد يفقدون التغطية إذا انتقلوا إلى وظيفة جديدة في شركة أخرى.11 وجدت دراسة قام بها Bansak et al. أن إصلاحاً شمل «توحيد» التغطية من التوظيف عزز من فرص الناس في تغيير العمل.12 توجد كذلك بعض البينات على أن برامج التغطية ذات التمويل العمومي في المكسيك13 وتايلند14 أدت إلى تبطيء تحول سوق العمل إلى الشكل الرسمي لأنها خفضت حاجة الناس إلى القيام بمساهمات رسمية في التأمينات الاجتماعية للحصول على تغطية صحية جيدة.

أين موقع التغطية الشاملة؟

يشمل تعريف التغطية الصحية الشاملة من «التقرير الخاص بالصحة في العالم 2010» المقتبس منه في المقدمة أحد المرامي النهائية للنظم الصحية، وهو الحماية المالية، بالإضافة إلى الأغراض الوسيطة المرتبطة بتحسين أداء النظم الصحية: أن يحصل جميع الناس على الخدمات الصحية التي يحتاجونها (أي العدالة في استخدام الخدمات بالنسبة للحاجة) وأن تكون هذه الخدمات ذات جودة كافية تجعلها فعالة.

يرتبط الوجه الأول للتغطية الصحية الشاملة كما عُرِّفت أعلاه (استخدام الخدمات المطلوبة ذات الجودة العالية) ارتباطاً وثيقاً بمفهوم «التغطية الفعالة»، أي احتمال حصول الفرد على التدخل الذي يحتاجه فتتحسن صحته نتيجة ذلك.15 يمكن تفكيك هذا المفهوم إلى العناصر التالية:

  • ردم الثغرة بين الحاجة إلى الخدمات واستخدام تلك الخدمات بين سكان البلد، وهذا يعني ضمناً أن: (1) جميع الناس الذين يحتاجون تدخلاً يدركون حاجتهم؛ (2) جميع الناس الذين يدركون حاجتهم يستطيعون استخدام الخدمات المطلوبة؛
  • ضمان أن الخدمات ذات جودة كافية لزيادة أرجحية تحسينها (أو تعزيزيها أو صيانتها أو استعادتها، إلخ.، حسب طبيعة التدخل) صحة من يستعملونها.

إن قياس التغطية الفعالة في جميع الخدمات في كامل النظام الصحي أمر غير عملي. لم تجر مثل هذه القياسات حتى تاريخه إلا في حالات صحية وتدخلات منفردة، كالتغطية باللقاحات (مثلاً مراجعة تقارن بين البلدان)16 أو السيطرة على فرط ضغط الدم (مثلاً في قرغيزستان)؛17 أو مجموعة محددة من التدخلات في أحد أوجه الرعاية، مثل تدخلات صحية الأمومة والطفولة (مثلاً في نيبال)؛18 أو مجموعة تدخلات واسعة، لكنها مع ذلك محدودة (كما في المكسيك والصين).19، 20

رغم هذه الصعوبة في قابلية القياس، يمكن أن يفيد مفهوم التغطية الفعالة في توجيه السياسات الصحية، وإذا تم توليفه مع الحماية المالية، فإنه يسمح بتوصيف أكثر دقة للتغطية الصحية الشاملة: «إنها التغطية الفعالة الشاملة للنظام مع الحماية المالية الشاملة».

مع أن الأغراض المدمجة في التغطية الصحية الشاملة مستقلة، إلا أن التغطية الصحية الشاملة عبارة عن مفهوم موحد. فمن وجهة نظر أي مواطن أو مقيم في بلد ما تتلخص المشكلة فيما يلي: هل أستطيع أن أنام بأمان وأنا أعرف أنه لو حصل أي شيء لي أو لأحد أفراد عائلتي، ستكون الخدمات الصحية الجيدة متاحة وميسورة التكلفة، أي يمكن الحصول عليها بلا خطر التعرض لأثر وخيم طويل الأمد على رفاهتي المالية؟ يتحدد مدى تحقيق أغراض العدالة في استخدام الخدمات المطلوبة ذات الجودة العالية مع الحماية المالية فوراً في نقطة تماس الفرد مع النظام الصحي. مثلاً، لو اتخذت تدابير لخفض العوائق المالية التي تحول دون استخدام الخدمات، فمن المرجح أن نشاهد زيادة الانتفاع في كامل الجمهة وانخفاض العبء المالي لاستخدام الرعاية.

ومع ذلك، وباعتبار تعريف التغطية الصحية الشاملة وتوصيفها هنا، لا يستطيع أي بلد تحقيق التغطية الصحية الشاملة بشكل كامل. فحتى البلدان التي تنجح في الوصول إلى الحماية المالية الشاملة لديها نقص في التغطية الفعالة. سيبقى هناك ثغرات إذ لا يمكن أن يدرك جميع الأفراد في مجتمع ما حاجتهم إلى الخدمات، حيث تظهر باستمرار تقانات جديدة وغالية في التشخيص والعلاج ولا تكون جودة الرعاية مثالية في أي بلد. وبالتالي، لم يحقق أي بلد في العالم التغطية الشاملة بالمعنى الدقيق للكلمة.

رغم ذلك، يتفق الجميع على هدف تحسين العدالة في استخدام الخدمات وجودتها والحماية المالية. إذن، حتى لو لم يمكن تحقيق التغطية الصحية الشاملة بالكامل أبداً، فإن التوجه نحوها هام بالنسبة لجميع البلدان، ويبرَّر ذلك من منظور أداء النظام الصحي لأنه يعني ضمناً التقدم في تحقيق مرامي النظم الصحية: بشكل مباشر من حيث الحماية المالية وبشكل غير مباشر على مرامي الصحة والاستجابية من خلال الأغراض الوسيطة المرتبطة بالتغطية الفعالة. بعبارة أخرى، من المفيد النظر إلى التغطية الصحية الشاملة على أنها اتجاه وليست الغاية.

التغطية الصحية الشاملة هي مجموعة من الأغراض التي تسعى إليها النظم الصحية وليست مخططاً أو مجموعة محددة من التدابير في النظام الصحي. إن إدراك هذا الفرق بين أغراض السياسة وأدوات السياسة أمر أساسي في الحفاظ على الوضوح المفاهيمي واتخاذ القرارات العملية. إن التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة ليس مرادفاً بالضرورة لزيادة النسبة المئوية للسكان الخاضعين لمخطط تأمين صريح. ففي بعض البلدان، مثل ألمانيا واليابان، مخططات التأمين هي الأدوات المستخدمة لضمان الإتاحة المالية والحماية المالية لكامل السكان، وبالتالي فإن النسبة المئوية للسكان المغطين بالتأمينات محددة حاسمة للتقدم نحو أغراض التغطية الصحية الشاملة في هذين البلدين. أما في جمهورية كوريا، حين حققت التغطية الشاملة للسكان في سنة 1989 وفق نظام التأمين الصحي الاجتماعي، بقي أغلب مواطنيها تحت خطر نفقات مباشرة مرتفعة جداً وقد تكون كارثية بسبب الطبيعة المفتوحة لترتيبات تشارك التكاليف، لا سيما في أوضاع المشافي.21 في بلدان أخرى، مثل السويد والمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية، يتم تحقيق الإتاحة المالية والحماية المالية للجميع بدون ما سمى مخطط تأمين. أما في بلدان لم تتحقق فيها وعود «الخدمات المجانية» الموجودة في دساتيرها أو قوانينها، كما هي الحال في الكثير من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، لا يزال المواطنون تحت خطر المصاعب المالية إذا احتاجوا إلى خدمات صحية.

«مكعب» التغطية الشاملة

يصور «التقرير الخاص بالصحة في العالم 2010» ثلاثة أبعاد للتغطية على شكل محاور مكعب: السكان والخدمة والتكلفة.1 يصف محور السكان غرض التغطية الصحية الشاملة في تغطية السكان بالخدمات والحماية المالية. محور تغطية التكاليف أساسي في غرض الحماية المالية مع أنه يجب تفسيره بالنسبة للقدرة على الدفع. وبتعريف محور التغطية بالخدمات انطلاقاً من الخدمات المطلوبة والفعالة، يلتقط هذا البعد أغراض ضمان قدرة الجميع على استخدام الخدمات الصحية التي يحتاجونها وأن هذه الخدمات ذات جودة عالية. ترتبط هذه الأبعاد الثلاثة ارتباطاً وثيقاً بسياسات تمويل الصحة المتعلقة بالتغطية الصحية الشاملة وبرصد التغطية الصحية الشاملة.

يعطي المكعب تصويراً مسبقاً لتصميم الاستحقاقات، ما يعكس القرارات حول هوية الأشخاص الذين يستحقون هذه الخدمة أو تلك، ولكم عليهم أن يدفعوا مقابل هذه الخدمات عند استعمالها. هذا وجه هام لسياسة تمويل الصحة، لكن الأمر لا يقتصر على هذا: يجب تنسيق تصميم الاستحقاقات مع السياسات المتعلقة بجمع الأرباح وترتيبات التجميع والشراء كي يمكن تحقيق الاستحقاقات المحددة في الواقع.22

يقدم المكعب هيكلية لاحقة لرصد التغطية الصحية الشاملة، يمكن استعماله بيانياً لتصوير عدد الناس الذين تلقوا مختلف الخدمات الصحية اللازمة بجودة كافية، وكم اضطروا أن يدفعوا. يمكن تصوير ذلك، مع بعض التبسيط، بالنسبة المئوية من المكعب المملوءة بالموارد المالية المجمعة، مع أنه من المستحسن عملياً تهذيب هذا المخطط كي يلتقط مثلاً النفقات المباشرة (من الجيب) منسوبة إلى قدرة الناس على دفعها، أو استخدام الخدمات منسوباً إلى حاجة كل شخص إليها.23 ولكن التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة ليس مجرد «ملء المكعب» (نناقش ذلك في المقطع حول وحدة التحليل من أجل التغطية الصحية الشاملة).

الأغراض الوسيطة

كما هو مبين في الشكل 2، يؤثر تمويل الصحة على المرامي النهائية والأغراض الوسيطة للنظم الصحية. يمكن جعل الارتباطات بالتغطية الصحية الشاملة أكثر دقةً عن طريق وصل سياسة التمويل بالمرامي الثلاثة أو الأغراض المرتبطة بالتغطية الصحية الشاملة: (1) ردم الثغرة بين الحاجة والانتفاع؛ (2) تحسين الجودة؛ (3) تحسين الحماية المالية. هذا ما يبينه الشكل 3. كما ذكرنا آنفاً في هذه المقالة، لن تكفي الإصلاحات التي تقتصر على سياسة تمويل الصحة لتحسين الجودة وتحسين إدراك الناس لاحتياجاتهم من الخدمات وإزالة العقبات أمام استخدام الخدمات. ولكن سياسة التمويل يمكن أن تؤثر مباشرةً على كل واحد منها. مثلاً، يمكن أن تخصص الحكومات جزءاً أكبر من الأرباح العامة للصحة لزيادة حجم تجمع التمويل المدفوع مسبقاً، وبالتالي تمكّن من تحقيق مرميي الحماية المالية والانتفاع بشكل أكبر. عدا ذلك، يمكن تعزيز التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة من خلال أفعال تهدف إلى تحسين الكفاءة والعدالة في توزيع الموارد والشفافية والمسؤولية. وهنا سنفصل اكثر في هذه الأغراض الوسيطة للتغطية الصحية الشاملة.

الشكل 3. الأغراض الوسيطة والمرامي النهائية للتغطية الصحية الشاملة التي يمكن أن يؤثر التمويل الصحي عليها

كما هو مبين في الشكل، لتحسين الكفاءة الدور المحوري في تحسين التغطية. باعتبار أن جميع النظم الصحية تواجه قيوداً في الموارد، فإن تحسين الكفاءة (أي الاستفادة المثلى من الموارد المتوفرة) وسيلة «للحصول على المزيد» من حيث تحقيق الأغراض المرتبطة بالتغطية الصحية الشاملة، ومن حيث مرامي النظم الصحية عموماً. تتصف الأفعال التي تزيد الكفاءة بنفس التأثيرات المحتملة لزيادة مستوى النفقات الصحية: كل واحد من هذين التدبيرين يمكن أن يمكّن من تحقيق أفضل لأغراض التغطية الصحية الشاملة بافتراض أن «التوفيرات» من مكاسب الكفاءة يُحتفظ بها ويعاد تخصيصها ضمن النظام الصحي. هذا الافتراض هام: لا يجوز مجرد المساواة بين الكفاءة و«احتواء التكاليف» أو اتخاذها حجةً لخفض الإنفاق على الصحة. بالتأكيد، من وجهة نظر السياسة الصحية، الهدف هو زيادة الإنجازات انطلاقاً من مستوى معين من التمويل وليس خفض التمويل للوصول إلى نفس المستوى من الإنجاز. ولكن من منظور أوسع، تشير البينات إلى أن معاملة مكاسب الكفاءة على أنها «توفيرات» من قبل السلطات المالية في البلد، تتلاشى الحوافز لتحقيق المزيد من مكاسب الكفاءة.24، 25 وهذا يشير إلى أن تحسين كفاءة القطاع من أجل الوفورات في الميزانية محكوم عليها بالفشل.

إذا جعلنا الكفاءة غرضاً وسيطاً، فإننا نصرح بأن كفاءة النظم الصحية يمكن أن تزداد في تعزيز الحماية المالية وزيادة العدالة الانتفاع من الخدمات الصحية نسبةً للحاجة إليها (وبالعكس، بأن عدم الكفاءة يقوض هذه الأغراض). المكاسب في الكفاءة أساسية للتخفيف من وخامة المقايضات التي تضطر البلدان إلى الدخول فيها بسبب القيود المالية، ولا سيما المتعلقة بالميزانية26، 27 ولتحقيق أفضل للمرامي عندما يمكن ضخ مزيد من المال في النظام.

وكما هو مبين في الشكل 3، الإصلاحات المالية التي تحسن العدالة في توزيع الموارد يمكن أن تؤدي كذلك إلى تحسين العدالة في استخدام الخدمات والحماية المالية. يمكن تفعيل هذا الغرض بعدة طرق حسب ما ينطبق على بلد محدد، ولكن الهدف الإجمالي هو المطبقة بين توزيع الموارد وفق الاحتياجات النسبية من الخدمات الصحية لمختلف الأفراد والجماعات في الجمهرة.28 في بعض البلدان، مثل جمهورية مولدوفا،29 المشكلة ذات الصلة هي تحقيق مساواة أكبر في مستوى النفقات العامة على الصحة لكل فرد في مختلف المناطق الجغرافية، بينما في بلدان أخرى، خاصةً المكسيك30 وتايلند31، إحدى الأولويات هي إصلاح الجور في توزيع الدعم الحكومي بين مخططات التمويل، أما جنوب أفريقيا فيهمها خفض الجور في توزيع الإنفاق الصحي الكلي لمصلحة الجمهرات المؤمن وغير المؤمن عليها.32 وكما تبين هذه الدراسات، فإن زيادة (أو إنقاص) العدالة في توزيع الإنفاق الصحي (في سياق جوانب العدالة التي تهم كل بلد) يمكن أن يحسن العدالة في استخدام الخدمات والحماية المالية (أو يزيدها سوءاً).

بالتأكيد، يبدو غرض تحسين الشفافية والمسؤولية مرغوباً به بديهياً، ولكن يجب توصيفه بدقة أكثر ليمكن تفعيل صلته بالتغطية الصحية الشاملة. ويمكن التفكير في هذا الموضوع بطريقتين:

  • الشفافية بمعنى أن يفهم الناس استحقاقاتهم (حقوقهم) والتزاماتهم فيما يخص استخدام الخدمات الصحية، ومدى تحقيق ذلك على أرض الواقع؛
  • شفافية ومسؤولية وكالات تمويل الصحة (مثل مدى الفساد وإبلاغ العامة عن الأداء).33

تحديد وحدة التحليل الصحيحة

لجانبي العدالة والشمولية في تعريف التغطية الصحية الشاملة مقتضيات عملية هامة سواء من أجل السياسات أم تحليل شتى الإصلاحات. الشامل هو الشامل، ولذلك تكون وحدة التحليل المناسبة في أي بلد هي كامل السكان والنظام ككل، بخلاف اقتصار الاهتمام على مخططات التمويل وأعضائها فقط. هناك فرق بين مخطط تمويل جديد مصمم لغاية تحسين الوضع المادي لأعضائه ومخطط يهدف إلى تحسين العدالة في استخدام الخدمات وجودة الخدمات والحماية المالية لكامل السكان، وهذه النقطة هي ربما أهم قضية عملياتية في كفة الميزان في صياغة التصور المفاهيمي للتغطية الصحية الشاملة، إذ قد تقع (بل سوف تقع) مشاكل حقيقية عندما يُفترض أن نجاح مخطط ما يمكن تعميمه على النظام الأوسع. ونركز هنا على قضيتين مرتبطتين بما سبق، هما (1) أن مخططاً قد يحسن وضع بعض الأفراد على حساب باقي النظام أو باقي السكان؛ (2) ملامح التصمين المنبثقة من مخطط أغراضه محددة على مستوى النظام تختلف كثيراً عنها في مخطط أغراضه محددة على مستوى المخطط فقط.

يمكن توضيح النقطة الأولى بمثال عن التأمين الصحي الطوعي. إن استبعاد الفقراء أو غيرهم من ذوي المخاطر الصحية العالية يساهم في العيوشية المالية لمخطط تأمين صحي طوعي، كما هو معروف جيداً من تجربة الولايات المتحدة. مثلاً، في إحدى الدراسات ارتبط التدخين والسمنة مع عدم القدرة على الحصول على التغطية الطوعية، وارتبط التدخين بخسارة التغطية الطوعية.37 وبذلك، يمكن أن يقدم مخطط تأمين طوعي منافع جيدة لمن يستطيعون تحمل تكلفته، ولا سيما إذا كان المخطط يستبعد منهجياً الناس ذوي مخاطر صحية معروفة (كالمصابين بفرض ضغط الدم أو السكري أو العدوى بفيروس العوز المناعي البشري، إلخ.). تتعزز الإتاحة المالية والحماية المالية بالنسبة لأعضاء المخطط، ولكن ذلك على حساب سكان آخرين ليس لديهم فرصة الاستفادة منه.

تكبر هذه المشكلة في سياق عوز أكبر للموارد. مثلاً، في جنوب أفريقيا يفيد نحو 40% من الإنفاق الصحي الكلي 16% من السكان المتمتعين بتغطية «المخطط الطبي» (أي تأمين صحي طوعي مرتبط بالعمل يخدّم في الحالة النموذجية أشخاصاً ذوي الدخل العالي). يستطيع كامل السكان الاستفادة من المرافق العمومية، إلا أنها مكتظة وقليلة الموارد، لا سيما بالمقارنة مع مقدمي الرعاية الخصوصيين الذين غالباً ما يخدمون الأشخاص المؤمن عليهم. وهكذا، مع أن الجميع لديهم استحقاق ما، إلا أن تركُّز الإنفاق الصحي، وبالتالي موارد النظام، لصالح المؤمن عليهم يعني أن العدالة في الخدمات غرض بعيد المنال في أفريقيا الجنوبية. تساهم الترتيبات المالية في نظام صحي يفضّل الأغنياء، وتبلغ النفقات الكلية لجمهرة المؤمن عليهم من 4.5 إلى 6 أضعاف النفقات على الناس الذين لا يستعملون إلا المرافق الممولة عمومياً، وهو طراز توزع لا يعكس الاحتياجات. يمتد تأثير تركيز الموارد لصالح المؤمن عليهم ليضرب من ليس لديهم هذه التغطية:

تكبر هذه المشكلة في سياق عوز أكبر للموارد. مثلاً، في جنوب أفريقيا يفيد نحو 40% من الإنفاق الصحي الكلي 16% من السكان المتمتعين بتغطية «المخطط الطبي» (أي تأمين صحي طوعي مرتبط بالعمل يخدّم في الحالة النموذجية أشخاصاً ذوي الدخل العالي). يستطيع كامل السكان الاستفادة من المرافق العمومية، إلا أنها مكتظة وقليلة الموارد، لا سيما بالمقارنة مع مقدمي الرعاية الخصوصيين الذين غالباً ما يخدمون الأشخاص المؤمن عليهم. وهكذا، مع أن الجميع لديهم استحقاق ما، إلا أن تركُّز الإنفاق الصحي، وبالتالي موارد النظام، لصالح المؤمن عليهم يعني أن العدالة في الخدمات غرض بعيد المنال في أفريقيا الجنوبية. تساهم الترتيبات المالية في نظام صحي يفضّل الأغنياء، وتبلغ النفقات الكلية لجمهرة المؤمن عليهم من 4.5 إلى 6 أضعاف النفقات على الناس الذين لا يستعملون إلا المرافق الممولة عمومياً، وهو طراز توزع لا يعكس الاحتياجات. يمتد تأثير تركيز الموارد لصالح المؤمن عليهم ليضرب من ليس لديهم هذه التغطية:

«إن وجود تجمع أموال يشكل جزءاً كبيراً من كامل تمويل الرعاية الصحية يؤثر لا محالة على توزع مهنيي الرعاية الصحية بين القطاعين العام والخاص، ويساهم بذلك في التوزع الأجنف لاستحقاقات الرعاية.» في الحقيقة، تأتي التغطية الجيدة لبعض الناس على حساب باقي الناس: مصالح المخططات تتعارض مع أغراض التغطية الصحية الشاملة على مستوى كامل النظام.

يمكن أن يحصل وضع مماثل في حالة التأمين الصحي الاجتماعي الإلزامي، لا سيما في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل التي تبدأ هذه المخططات فيها بجمهرة لديها عمل مستقر مقابل راتب («القطاع الرسمي»). كثيراً ما أوصي بالابتداء ببرامج تأمين صريحة لهذه الجمهرة،38 حتى أن مؤلفي مراجعة أجريت مؤخراً لتجارب التأمين الصحي منشورة في نشرة منظمة الصحة العالمية استنتجوا أنه:

«تتصف [مخططات] التأمين الصحي الاجتماعي بإمكانية قوية لتحسين الحماية المالية وتعزيز الانتفاع في الجمهرات المشاركة فيها [...] وهذا يؤكد على أهمية التأمين الصحي كآلية بديلة لتمويل الصحة قادرة على تلطيف التأثيرات المدمرة لرسوم الاستخدام، وهي وسيلة واعدة لتحقيق التغطية الصحية الشاملة.»2

لكن منطقهم معيب، لأن كون الحماية المالية والإتاحة لأعضاء المخطط قد تحسنت لا يعني أن الوضع تحسن بالنسبة لكامل السكان. عدا ذلك، عندما تبدأ مخططات التأمين الصحي الاجتماعي بتغطية القطاع الرسمي، فهي تركز الموارد على جزء صغير ومسيور نسبياً من السكان. لا تتطور مثل هذه المخططات في الحالة الطبيعية لتشمل باقي السكان، بل تستخدم الفئات المغطاة أساساً، وهي فئات منظمة وذات نفوذ عادةً، تستخدم سلطتها لزيادة استحقاقاتها ودعمها لا لتوسيع هذه الاستحقاقات إلى باقي السكان.22، 39-41 ونتيجة ذلك، التسجيل البدئي في مخطط التأمين الصحي الاجتماعي «يزيد التغطية» فقط بمعنى أن عدداً أكبر من الناس ينضمون إلى مخطط تأمين صحي صريح، ولكن هذه الاستراتيجية للإصلاحات الصحية تبعد النظام الصحي عن التغطية الصحية الشاملة، لأن الأعضاء الأوليين في المخطط كانوا في فئة الدخل الأعلى، وبالتالي كانوا يتمتعون أساساً بإتاحة مالية أفضل وقدرة أعلى على مواجهة النفقات المباشرة (من الجيب). وإنشاء مخطط من أجلهم يفاقم الجور الموجود سواء في الإتاحة المالية للخدمات أم في الحماية المالية.

هذا ما حدث في المكسيك وتايلند، حيث كانت مساهمات التأمين الصحي الاجتماعي تلقى الدعم المباشر بالحوالات من الضرائب العامة، وهي ممارسة تساهم إلى نفقات عمومية لكل فرد على المخططات تحمي الجمهرة الأكثر رخاءً، والنفقات أعلى منها بالنسبة لباقي السكان.30، 42 نفذ هذان البلدان خلال السنوات العشر الماضية إصلاحات خفضت هذا الجور، لكن الجدير بالملاحظة أنهما لم يستطيعا دمج السكان من خارج القوى العاملة في القطاع الرسمي ضمن المخططات الموجودة سابقاً، وبقي الجور في التغطية حتى بعد إدخال هذه الإصلاحات. مثلاً، في تايلند لم يكن مخطط التغطية الشاملة، وهو مخطط تمويل الصحة للسكان الذين ليس لديهم تغطية بالمخطط من أجل الموظفين الحكوميين ولا بمخطط العاملين في شركات خاصة، لم يكن يغطي العلاج بالديال للمصابين بأمراض الكلية، بينما يغطيه المخططان الآخران. هذا الجور الصريح في الاستحقاق يتعارض مع التغطية الصحية الشاملة لأنه لا يرتبط بالاحتياجات إنما بكون الفرد يعمل في القطاع الرسمي. أدى الضغط من منظمات المجتمع المدني إلى ضم علاج إعاضة وظيفة الكلية إلى المخطط، لكن العواقب المالية على مخطط التغطية الشاملة كانت أكثر وطأة مقارنة بالمخططين الآخرين، وهما لا يزالان يحصلان على تمويل بمستويات أعلى.43

يعني التغطية الصحية الشاملة ضمناً أن التركيز يجب أن ينزاح من المخطط إلى النظام. عند بناء تصور مفاهيمي لمخطط تأمين جديد بصفته أداة لإصلاح كامل النظام وليس بصفته غاية بحد ذاته، يمكن تفصيل ملامح التصميم لتعزيز المقاربة السكانية الشاملة منذ البداية. هذا ينعكس في تجربة الإصلاحات في قرغيزستان، وجزئياً في جمهورية مولدوفا.44 سار كلا البلدين في «مقاربة النظم الكاملة» لتصميم سياسات التمويل، وقاسا التقدم ليس بالنسبة المئوية من السكان الذين حصلوا على التغطية بهذه المخططات، إنما بأثرها على العدالة في استخدام الخدمات والحماية المالية في كامل السكان. وفي كلتا الحالتين تم تصميم السبيل إلى الشمولية ليندمج في الإصلاحات منذ مراحلها الباكرة عن طريق جمع ضرائب الرواتب وحوالات الإيرادات العامة في نفس التجمع المالي لصالح السكان من القطاعين الرسمي وغير الرسمي، وبعد ذلك تم استخدام أموال التأمين الصحي الاجتماعي للحصول على مكاسب في الكفاءة والعدالة في كامل النظام من خلال الجمع بين التجميع المركزي وآليات الدفع لمقدمي الرعاية بناء على المخرجات.45، 46

إذن، من منظور التغطية الصحية الشاملة، لا يهم بحد ذاته إن كان مخطط التمويل يحسن تحقيق أغراض التغطية لأعضائه؛ ما يهمنا هو أثر هذا المخطط على تحقيق أغراض التغطية للسكان ككل وعلى مستوى النظام ككل. أما تقييم المخططات فيما يتعلق بتحسينها أو عدم تحسينها للتغطية بالنسبة لأعضائها لا يكفي، وقد يكون مصدراً لتوصيات مضللة بخصوص السياسات. المخطط قد يساهم في تحقيق أغراض التغطية الصحية الشاملة لكامل السكان أو يقوضها، حسب تفاصيل تصميم السياسات في سياق محدد، وينبغي الانتباه إلى هذا صراحةً.

نحو الفعل من أجل التغطية الشاملة

يعكس «تمويل الصحة من أجل التغطية الصحية الشاملة» كيف يمكن أن تؤثر ترتيبات تمويل الصحة (وإصلاحاتها) على مرامي التغطية الصحية الشاملة وأغراضها الوسيطة. تم تلخيص هذه الاستراتيجيات الواسعة في «التقرير الخاص بالصحة في العالم 2010» بالنقاط التالية:

  • «مزيد من الأموال من أجل الصحة» (جمع أموال أكثر)
  • «القوة في الأعداد» (تجميعات أكبر)
  • «مزيد من الصحة مقابل المال» (تحسين الكفاءة والعدالة في استخدام الأموال من خلال إصلاحات في الاقتناء والتجميع، بالإضافة إلى أفعال لا تتعلق مباشرةً بتمويل الصحة).

إن توصية أو اقتراح الإصلاحات الواجب تنفيذها خارج نطاق هذه المقالة. ولكن الأمثلة التالية توضح أنواع الأفعال التي يمكن أن تعزز التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة:

  • إدخال آليات جديدة لجمع الدخل أو زيادة حصة الإنفاق العام الكلي المكرس للصحة، وذلك لزيادة الدخل المدفوع مسبقاً وإلزامياً من أجل الصحة، مما يجعل تحقيق أي من الأغراض أكثر احتمالاً؛
  • تسوية الميزانيات أو المدفوعات حسب الاختطار لمقدمي الرعاية الصحية أو وكالات الاقتناء، وذلك لزيادة العدالة في توزيع الموارد والخدمات؛
  • خفض التجزؤ في التجميع لتوسيع القدرة على إعادة توزيع الأموال المدفوعة مسبقاً، وبالتالي تمكين المزيد من الحماية المالية والعدالة في توزيع الموارد والخدمات عند مستوى محدد من الموارد؛
  • تبسيط وتعزيز مضمومة الدعم لزيادة إدراك الناس لاستحقاقاتهم؛
  • الدفع لمقدمي الرعاية حسب أدائهم، وذلك لإنشاء حوافز لتحسين الجودة والكفاءة في تقديم الخدمات.

هذه مجرد أمثلة لتوضيح بعض الوسائل التي يمكن أن تدعم بها إصلاحات التمويل، أي الأفعال المتخذة لتغيير ترتيبات جمع الدخل وتجميعه والاقتناء وتصميم الدعم، التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة. الجدير بالذكر، بسبب الدلالات التي كثيراً ما ترتبط بكلمة «التأمين»، أن نظام تمويل الصحة في أي بلد يؤدي هذه الوظائف إما صراحةً أو ضمناً. فمثلاً، فصل المقتني عن مقدم الرعاية أو تغيير كيفية تنظيم ترتيبات التجميع هي قضايا لا تقتصر على ما يسمى «نظم التأمين». ومثلما كان السير تجاه التغطية الصحية الشاملة، أي التقدم في تحقيق الأغراض الوسيطة والنهائية المرتبطة بالتغطية الصحية الشاملة، له علاقة بأي بلد، فإن جميع نظم تمويل الصحة تشمل وظائف الجمع والتجميع والاقتناء وتواجه ضرورة اتخاذ القرارات حول تحصيص أو تقنين استحقاقات الدعم. ولا يجوز استخدام عنوان أي نظام للحد من التفكير فيما يخص خيارات الإصلاحات.

الاستنتاج

يمكن تبرير التغطية الشاملة من وجهة النظر السياسية بصفتها انعكاساً للقيم المستبطنة مثل اللحمة الاجتماعية والإيمان بحق كل فرد في أعلى مستوى صحي يمكن تحقيقه (وفق دستور منظمة الصحة العالمية) أو «الحق في الصحة» أو «الحق بالإتاحة العادلة للخدمات الصحية» المذكورين في دساتير وطنية كثيرة. ولكن من منظور أضيق، منظور أداء النظم الصحية، يفضل تعريف التغطية الصحية الشاملة كما جاء في «التقرير الخاص بالصحة في العالم 2010» لأنه يشمل المرمى النهائي للنظم الصحية والأغراض الوسيطة مع روابط قوية بالمرامي النهائية.

إذا فسرنا التغطية الصحية الشاملة بدقة، فهي هدف خيالي لا يمكن أن يحققه بالكامل أي بلد. تشمل ترجمة التغطية الصحية الشاملة من أجل الواقع في أي بلد محدد تفكيك المفهوم إلى الأغراض المكونة له والتكيز على التقدم نحو هذه المرامي (وليس تحقيقها كاملاً): تحسين العدالة في استخدام الخدمات الصحية المطلوبة وتحسين جودة الخدمات وتحسين الحماية المالية. هذه المرامي متطابقة في جميع البلدان بدرجات متفاوتة، وبالتالي، التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة له معنى في أي بلد في العالم.

يتطلب تحقيق هذا التقدم الفعل في كل أنحاء النظام الصحي، ولا يقتصر هذا على سياسة التمويل. مثلاً، تمويل الصحة لن يؤثر كثيراً على إدراك الناس لاحتياجاتهم الصحية. التمويل الصحي شرط لازم للتقدم لكنه ليس شرطاً كافياً.

الشمولية هي الشمولية. وحدة التحليل المناسبة في تخطيط الإصلاحات أو تحليلها هي كامل السكان. كيفية تأثير مخطط تمويل ما على أعضائه لا يهم بحد ذاته؛ ما يهم هو كيفية تأثير المخطط على مرامي التغطية الصحية الشاملة على مستوى كامل السكان. الاهتمام بمخططات معينة ليس مقاربة التغطية الشاملة. المخططات يمكن أن تساهم في مرامي التغطية الصحية الشاملة على مستوى كامل النظام، لكن هذا يتطلب أن تكون مصممة لهذا الغرض، وإلا يحتمل أن تصبح زيادة تغطية السكان بالتأمين الصحي في الواقع عقبة أمام التقدم نحو التغطية الصحية الشاملة.

يمكن استخدام الجمع بين مرامي التغطية الصحية الشاملة وأغراضها الوسيطة لتحديد اتجاه إصلاحات تمويل الصحة في أي بلد، بشرط تحديد أغراض نوعية قابلة للقياس مناسبة لسياق ذلك البلد. إن «تمويل الصحة من أجل التغطية الشاملة» يعني ضمناً أن الإصلاحات في الجمع والتجميع والاقتناء وتصميم الدعم تهدف تحديداً إلى تحسين واحد أو أكثر من هذه المرامي أو الأغراض مقيساً على مستوى السكان أو النظام. جميع نظم التمويل تؤدي هذه الوظائف، ولهذا يستطيع أي بلد أن يفعل شيئاً للسير نحو التغطية الصحية الشاملة، كما هو مذكور في «التقرير الخاص بالصحة في العالم 2010».


الشكر

يشكر المؤلف David Evans وTamás Evetovits وMatthew Jowett وInke Mathauer على تعليقاتهم المفيدة.

تضارب المصالح:

لم يصرح بأي منها.

المراجع

شارك