الإنذار و الاستجابة على الصعيد العالمي (GAR)

البيان الذي أدلى به الدكتور كيجي فوكودا بمناسبة جلسة الاستماع التي عقدها مجلس أوروبا بشأن الجائحة


26 كانون الثاني/يناير 2010

السياق

تعرب منظمة الصحة العالمية عن سرورها للمشاركة في جلسة الاستماع هذه وتشكر مجلس أوروبا على اتخاذ هذه المبادرة. لقد تسبّبت جائحة الأنفلونزا H1N1 في ظهور مشكلات بالغة التعقيد في وجه البلدان والمجتمع العالمي. غير أنّ السعي من أجل إيجاد حلول لتلك المشكلات أدّى، في الوقت نفسه، إلى ظهور مستوى غير مسبوق من التعاون والتنسيق على الصعيد العالمي بين البلدان التي أصبحت تواجه خطراً سريع الانتشار في عالم باتت تسوده العولمة ويطبعه الترابط بشكل متزايد. وهناك الكثير من الدروس التي يمكن استخلاصها بخصوص كيفية تمكّن العالم من تحسين أساليب تعاطيه مع تلك الأحداث والحاجة إلى الفصل بين الواقع والعبارات الرنّانة. ونحن نرحّب، مرّة أخرى، بهذه الفرصة السانحة.

وأود أن أضع التجربة الراهنة في سياق تاريخي وعلمي. ولا يخفى عن أحد أنّ منظمة الصحة العالمية من وكالات الأمم المتحدة المتخصّصة وهي تضمّ 193 بلداً عضواً. ومن مهامها السعي إلى السياسات الصحية العالمية التي تقرّها تلك الدول وتوفير الدعم التقني للبلدان. وتحمل المنظمة على محمل الجدّ الاضطلاع بدورها المتمثّل في مساعدة جميع البلدان على حماية وتحسين صحة سكانها. والاستجابة لمقتضيات الجائحة H1N1 ليس إلاّ أحد الأمثلة على ذلك.

وفي عام 1946، عندما نوقشت الخطط الخاصة بإنشاء منظمة الصحة العالمية، كان الإجراء الخاص بإنشاء شبكة عالمية من المختبرات لرصد فيروسات الأنفلونزا من بين الإجراءات الأولى التي تم الاتفاق عليها. ودخلت تلك الشبكة طور التشغيل قبل أن تشرع المنظمة نفسها في عملها بسنتين.

وكانت هناك أسباب وجيهة لذلك الشعور بالأولوية والطوارئ. منها، أوّلاً، أنّ فيروسات الأنفلونزا تطفر بانتظام وتشتهر باستحالة التنبؤ بسلوكها. وثانيا أنّ من المعروف عن الأنفلونزا قدرتها على إحداث أوبئة موسمية والتسبّب، أحياناً، في ظهور فاشيات عالمية أوسع نطاقاً بكثير تُعرف بالجوائح. وتحدث جوائح الأنفلونزا عندما يظهر فيروس جديد من فيروسات الأنفلونزا وينتشر في جميع أنحاء العالم بين سكان لم يسبق لهم التعرّض له. وقد بيّن التاريخ أنّ جوائح الأنفلونزا قد تتباين كثيراً من حيث أثرها وأنّه يستحيل التنبؤ، بدقة منذ البداية، بما قد تؤول إليه. وما يُشاهد في المراحل المبكّرة قد يكون مختلفاً تماماً عما قد يُسجّل في نهاية الجائحة. فقد لوحظ أنّ جائحة الأنفلونزا لعام 1918، التي أودت بحياة 50 مليون نسمة في جميع أرجاء العالم، بدأت في شكل موجات مرض معتدلة نسبياً ثمّ تطوّرت إلى أشدّ جوائح الأنفلونزا وخامة في التاريخ.

التأهّب

لقد عملت منظمة الصحة العالمية، على مدى عقود، مع دولها الأعضاء وشركائها على تعزيز الدفاعات العالمية ضد الأنفلونزا وغيرها من الأخطار الرئيسية المحدقة بالصحة. ومن بين الجهود المبذولة تعزيز المختبرات، والتحرّي الوبائي، وتوفير خدمات الرعاية السريرية وإصدار البلاغات، فضلاً عن بناء قدرات جديدة مثل اللوائح الصحية الدولية، التي سأعود لتناولها لاحقاً. ومن النتائج التي تم التوصل إليها التمكّن من تدعيم الأسس العالمية والوطنية الواسعة بشكل كبير، علماً بأنّ تلك الأسس من الأمور الضرورية للكشف عن كثير من الأخطار الصحية غير الأنفلونزا وتقييمها والاستجابة لمقتضياتها.

وقد باتت شبكة منظمة الصحة العالمية لمختبرات الأنفلونزا، التي أُنشئت في عام 1946، تضمّ 139 مختبراً وطنياً في 101 من البلدان التي أصبحت تعمل سوية بتنسيق من المنظمة. وتسعى تلك الشبكة إلى توفير إطلاق الإنذارات السريعة وإجراء تقييمات علمية متخصّصة وتقديم المعلومات الضرورية لتحديث اللقاحات المضادة للأنفلونزا.

وعلى الرغم من عدم تمكّن هذا النظام من الكشف عن جائحتي عامي 1957 و1968 في بدايتهما، فإنّه أكّد بسرعة، فيما يخص كلتا الجائحتين، ظهور فاشيات مستفحلة من مرض تنفسي في آسيا بسبب فيروسات جديدة من فيروسات الأنفلونزا. ومكّن ذلك منظمة الصحة العالمية، في كلتا الحالتين، من إنذار العالم بضرورة التأهّب لمواجهة انتشار الجائحة على الصعيد الولي.

ولم تكن اللقاحات، في عام 1918، من الخيارات المتاحة. وكان يجري، في كلتا جائحتي عامي 1957 و1968، إنتاج اللقاحات على مدار الساعة، ولكنّها لم تصل إلاّ بعد فوات الأوان. وقد تسبّبت جائحة عام 1957 في وقوع أكثر من مليوني حالة وفاة على الصعيد العالمي بينما أودت جائحة عام 1968 بحياة ما يقارب مليون نسمة. وعلى الرغم من قلّة وخامتهما نسبياً مقارنة بجائحة عام 1918، فإنّ تلك الأعداد من الوفيات التي يمكن توقيها تظلّ كبيرة وغير مقبولة. والجدير بالذكر أنّ مصطلحات من قبيل "وخيم" و"معتدل" ليس لها إلاّ دلالة نسبية عندما يتعلّق الأمر بالجوائح.

وأصدرت منظمة الصحة العالمية، في عام 1999، خطتها الأولى الخاصة بالتأهب لمواجهة جائحة الأنفلونزا، وذلك بعد مضي عامين على وقوع فاشية وخيمة من أنفلونزا الطيور H5N1 في منطقة هونغ كونغ الصينية الإدارية الخاصة. وتدخل تلك الوثيقة ضمن الجهود المكثّفة الرامية إلى مساعدة البلدان على التأهّب لمواجهة الجوائح المستقبلية وقد تم تحديثها في عام 2005، ثمّ في عام 2009. وقد استندت تلك الوثائق العامة، التي تمثّل سجلاً تاريخياً وتوفر توصيات للبلدان، إلى إسهامات جماعية قدمها خبراء في مجال الصحة العمومية وخبراء علميون من جميع أنحاء العالم. وهي تقوم على فكرة المراحل، بما في ذلك مرحلة الجائحة، وتوصي بإجراءات يتعيّن على البلدان ومنظمة الصحة العالمية اتخاذها حسب الأوضاع الحقيقية السائدة في العالم.

وتوفر صيغة عام 2009 مثالاً على الجهود التي بُذلت من أجل وضع تلك الخطط. فقد بدأ العمل في عام 2007 وشمل إسهامات من قبل ما يزيد على 135 من الخبراء في مجال الصحة العمومية في 48 بلداً. وقد مكّنت دعوة وُجهت إلى البلدان لحثّها على الإدلاء بتعليقات على مسودة الوثيقة من الحصول على أكثر من 600 رد. وتم إنجاز هذا العمل في شباط/فبراير 2009 ونشره في نيسان/أبريل من ذلك العام.

الجائحة H1N1

ُبلغت منظمة الصحة العالمية، في نيسان/أبريل 2009، بوقوع إصابات بشرية جرّاء فيروس جديد من النمط H1N1. وقد أدّى ذلك فوراً إلى الشعور بالقلق لأنّ الجينات الموجودة في ذلك الفيروس كانت من جينات الأنفلونزا الحيوانية، ممّا بيّن بشكل قاطع أنّ ذلك الفيروس يختلف كثيراً عن فيروسات الأنفلونزا البشرية الموسمية المألوفة. كما أكّدت التحاليل المختبرية الإضافية أنّ الأضداد القائمة التي يُفترض فيها أن تواجه الفيروسات البشرية الحالية H1N1 لم تتفاعل مع الفيروس الجديد H1N1 ممّا أكّد، مجدداً، قدرة الفيروس الجديد على إحداث جائحة. غير أنّ أكثر المعلومات أهمية ظهرت عندما أشارت التحريات إلى تسبّب هذا الفيروس في وقوع فاشيات مجتمعية وانتشاره بين البشر. وقد أدّت الفاشيات الأولى التي ظهرت في المكسيك إلى وقوع وفيات وأمراض تنفسية وخيمة تطلبت استخدام أجهزة التنفس الاصطناعي لعلاج أشخاص كانوا، قبل ذلكن في صحة جيدة.

وقد اتخذت منظمة الصحة العالمية إجراءات صارمة بموجب أحكام اللوائح الصحية الدولية، ولكنّها لم تعلن عن بداية الجائحة حتى 11 حزيران/يونيو 2009 عندما تم استيفاء المعايير المحدّثة للإعلان عن ظهور الجائحة. وتمكّن الفيروس الجديد من الانتشار بسرعة غير مسبوقة وبلوغ 120 بلداً وإقليماً في غضون ثمانية أسابيع فقط، وقد تم الإبلاغ عنه الآن في جميع البلدان تقريباً.

والملاحظ أنّ الجائحة H1N1 لا تشبه الأنفلونزا الموسمية وتختلف عنها في جوانب رئيسية. ذلك أنّ ثمة فاشيات كبرى وقعت خارج موسم الأنفلونزا العادي. وقد تسبّب الفيروس في حدوث حالات مرضية وخيمة ووفيات بين الشباب بنمط لافت للنظر وغير مألوف، علماً بأنّ الكثير من الوفيات حدثت بسبب الالتهاب الرئوي، ولاسيما الشكل الشرس من ذلك المرض. ومن غير المألوف مشاهدة هذا النمط أثناء أوبئة الأنفلونزا الموسمية.

والجدير بالذكر أنّ الجائحة لم تنته بعد، غير أنّه تم الإبلاغ، حتى الآن، عن وقوع أكثر من 14000 حالة مميتة مؤكّدة مختبرياً. وكثيراً ما نشاهد النزوع إلى مقارنة عدد الوفيات بمعدلات الوفيات التي تخلّفها الأنفلونزا الموسمية. وذلك لا يعني شيئاً، فهو مثل مقارنة الليل والنهار. ذلك أنّ أعداد الوفيات الناجمة عن الأنفلونزا الموسمية تستند إلى نماذج إحصائية. بينما تم تأكيد الوفيات الناجمة عن الجائحة الواحدة تلو الأخرى من خلال الفحوص المختبرية ولا ريب في أنّها أقلّ بكثير من العدد الحقيقي. ولا بدّ، في غالب الأحيان، من مضيّ عام إلى عامين على نهاية الجائحة للتمكّن من وضع تقديرات أكثر واقعية عن الوفيات باستخدام النمذجة الإحصائية.

اللوائح الصحية الدولية ولجنة الطوارئ المنبثقة عنها

أود التركيز الآن على اللوائح الصحية الدولية ولجنة الطوارئ. والمعروف أنّ تلك اللوائح، التي نُقحت في عام 2005، توفر للعالم إطاراً منظّماً محكوماً بقواعد للكشف عن الطوارئ الصحية العمومية التي تثير قلقاً دولياً وتقييمها والإبلاغ عنها والإعلان عنها والاستجابة لمقتضياتها. كما أنّها توفر للعالم نظاماً للرقابة والموازنة يمكّن من ضمان عدم امتلاك أيّ واحد، بما في ذلك المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، السلطة المطلقة عندما يتعلّق الأمر باتخاذ القرارات.

وتدعو اللوائح الصحية الدولية، عند حدوث طارئة صحية عمومية ما تثير قلقاً دولياً، إلى إنشاء لجنة طوارئ تُعنى بإسداء المشورة إلى المدير العام لمنظمة الصحة العالمية. ويتم تعيين أعضاء اللجنة من قائمة طويلة تُنشأ، هي أيضاً، بموجب اللوائح المذكورة وتشمل أشخاصاً يتم اختيارهم من جميع أرجاء العالم على أساس ما يملكه كل منهم من خبرة تقنية.

وتجتمع لجنة الطوارئ عدة مرّات لإسداء النصح إلى المدير العام للمنظمة حول التغييرات الممكن إدخالها على مرحلة الإنذار وحول التوصيات المؤقتة التي يمكن إصدارها. وقامت اللجنة، عندما اجتمعت لمناقشة احتمال الانتقال إلى الإعلان عن الجائحة، باستدعاء أعضاء إضافيين ينوبون عن أستراليا وكندا وشيلي واليابان والمكسيك وإسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، علماً بأنّ تلك البلدان الثمانية شهدت جميعاً انتشار فاشيات من المرض في ذلك الوقت. وكان ممثّلو تلك البلدان حاضرين لضمان إيلاء الاعتبار التام لما يُبدى من آراء والإدلاء بتحفظات محتملة من قبل البلدان التي كان من المتوقع أن تنوء بالعبء الأوّلي جرّاء العواقب الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على ذلك الإعلان.

وفي 11 حزيران/يونيو 2009، أبلغ أعضاء اللجنة وجميع ممثّلي البلدان المديرة العامة بأنّه تم استيفاء جميع المعايير اللازمة للإعلان عن جائحة الأنفلونزا. وتم اتخاذ القرار بالإجماع.

دوائر الصناعة الصيدلانية

صدرت، في الآونة الأخيرة، اتهامات تشير إلى أنّ دوائر الصناعة الصيدلانية تؤثر في السياسات التي تضعها منظمة الصحة العالمية والتوصيات الصادرة عنها. والكل يعلم أنّ إسداء المشورة المستقلة إلى الدول الأعضاء من وظائف المنظمة البالغة الأهمية، وعليه فإنّها تحملها على محمل الجدّ. والمنظمة لا تتأثّر في ذلك بأيّة مصالح غير مشروعة.

وأود أن أقول عالياً إنّ السياسات وإجراءات الاستجابة التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية وقامت باتخاذها لم تتأثّر، بأيّ شكل من الأشكال غير المشروعة، بدوائر الصناعة الصيدلانية.

وتعترف منظمة الصحة العالمية أنّ التعاون على الصعيد العالمي مع طائفة من الشركاء، بما في ذلك القطاع الخاص، من الأمور الضرورية للتمكّن من التصدي على النحو الأمثل للمشكلات الصحية العمومية الحالية والمستقبلية. وهناك العديد من الضمانات القائمة التي تمكّن من إدارة تضارب المصالح أو ما قد يبدو في شكل تضارب للمصالح بين الأفرقة الاستشارية ولجان الخبراء التابعة للمنظمة. فعلى المستشارين المتخصّصين تزويد المنظمة بتصريح موقّع عن عدم تضارب المصالح يشمل تفاصيل جميع المسائل المهنية أو المالية التي قد تؤثر في عدم انحياز النصائح التي يقدمها. وتأخذ المنظمة الادعاءات الخاصة بالمصالح بجدية كبيرة وهي واثقة من نزاهة وصحة القرارات التي اتخذتها خلال جائحة الأنفلونزا هذه. وقد أُتيحت للجمهور شروح حول كيفية لجوء المنظمة لهيئات استشارية في الاستجابة لمقتضيات الأنفلونزا الجائحة على موقع المنظمة الإلكتروني في 3 كانون الأوّل/ديسمبر 2009.

خاتمة

أوّد، ختاماً، أن أؤكّد مجدّداً على أهم النقاط التي ذكرتها. إنّ جائحة الأنفلونزا الراهنة من الظواهر الموثّقة بشكل جيّد التي تسبّب فيها ظهور وانتشار فيروس جديد في وقوع مرض وبائي بنمط غير مألوف في شتى ربوع العالم. وذلك ليس بمجرّد تنميق للكلمات أو وضع تعاريف أو إثارة للجدل. وإطلاق تسمية "المفتعلة" على هذه الجائحة يعني تجاهل التاريخ الحديث وتجاهل العلوم وعدم الاكتراث لوفاة أكثر من 14000 نسمة والعدد الكبير للحالات المرضية الوخيمة التي عاناها أناس آخرون.

ولا شكّ في أنّ العالم سيستمر، ونحن نمضي قدماً، في مواجهة العديد من المشكلات الصحية الصعبة. والموارد اللازمة لمواجهتها محدودة، لاسيما في البلدان النامية، وإيجاد سُبل لتحسين آليات تلك المواجهة من المسؤوليات المشتركة بين الدول الأعضاء والمنظمات، مثل الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، فضلاً عن منظمة الصحة العالمية. وشكراً لكم.

شارك