الإنذار و الاستجابة على الصعيد العالمي (GAR)

الاستجابة الدولية لجائحة الأنفلونزا : ردود منظمة الصحة العالمية على الانتقادات

المذكرة الإعلامية رقم 21 بشأن الجائحة (H1N1)ـ2009

معلومات عامة

في 4 حزيران/ يونيو 2010 نشرت المجلة الطبية البريطانية (BMJ)، والجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا (PACE) في وقت واحد تقريرين تناولا بالنقد تعامل منظمة الصحة العالمية مع الجائحة H1N1. والمنظمة تختلف جدياً مع القضايا والهواجس المطروحة، وترغب في تصحيح الأمور فيما يتعلق بعدة نقاط.

هل هي جائحة حقيقة؟

إن فاشيات العدوى بالفيروس H1N1 الجديد، والتي تأكد حدوثها في كل بلد وكل إقليم في العالم تقريباً، تختلف عن الأنفلونزا الموسمية في عدة نواحٍ واضحة. وهذا الاختلاف يجعل المعايير التي تحدد حدوث جائحة الأنفلونزا تنطبق عليها.

1- في نيسان/ أبريل 2009 تم تأكيد أول حالات العدوى البشرية بالفيروس H1N1 الجديد. وتبين من تحليل عينات المختبرات أن الفيروس الجديد لم يسبق له الدوران في البشر من قبل. وهو فيروس حيواني المنشأ يجتمع فيه مزيج فريد من جينات فيروسات أنفلونزا الخنازير وأنفلونزا الطيور والأنفلونزا البشرية. والتركيب الجيني لهذا الفيروس يختلف اختلافاً واضحاً عن التركيب الجيني للفيروس H1N1 الأقدم منه والذي يتسبب في أوبئة الأنفلونزا الموسمية منذ عام 1977.

2- مع انتشار الفيروس ظهرت له أنماط وبائية لم تظهر أثناء أوبئة الأنفلونزا الموسمية. ومع اتساع انتشار الفيروس الجديد بلغت العدوى به مستويات عالية في فصل الصيف في نصف الكرة الأرضية الشمالي في عدة بلدان، ثم مستويات أعلى في شهور الخريف والشتاء. وفي البلدان ذات المناخ المعتدل تتراجع الأوبئة الموسمية عادة في الربيع وتنتهي قبل حلول الصيف.

3- اختلف نمط الاعتلال والوفاة من جراء الفيروس H1N1 اختلافاً صارخاً عن النمط الملاحظ مع الأنفلونزا الموسمية. فأثناء الأوبئة الموسمية يحدث أكثر من 90٪ من الوفيات في صفوف الضعفاء من المسنين. أما الفيروس H1N1 فقد أصاب كل الفئات في مجموعة عمرية أصغر سناً: أصاب من تتكرر إصابتهم بالعدوى كما أصاب من يحتاجون إلى العلاج في المستشفى ومن يحتاجون إلى العناية المركزة ومن يموتون من جراء إصابتهم بالعدوى.

وكان الالتهاب الرئوي الفيروسي من الأسباب المتكررة للوفاة، ويتسبب فيه الفيروس مباشرة ويصعب علاجه. وأثناء الأوبئة الموسمية يحدث معظم حالات الالتهاب الرئوي بسبب عدوى بكتيرية ثانوية تستجيب عادة للعلاج بالمضادات الحيوية. وفي حين أن كثيراً ممن قضوا نحبهم كانوا مصابين أصلاً باعتلالات صحية ذات صلة بمخاطر أكبر فإن عدداً آخر كبيراً ممن قضوا نحبهم كانوا يتمتعون بصحة جيدة.

4- وسرعان ما طغى الفيروس H1N1 على فيروسات الأنفلونزا الأخرى الدائرة، ويبدو أنه أزاح الفيروس H1N1 الأقدم. وهذه الظاهرة لوحظت بوضوح أثناء الجوائح.

5- وأظهرت الدراسات المبكرة أن أضداد الأنفلونزا الموسمية H1N1 لا تحمي الناس من العدوى بالفيروس الجديد. وقد وفر هذا الاستنتاج دليلاً على أن الفيروس جديد على جهاز مناعة الإنسان. وحددت دراسات أُجريت لاحقاً في بعض البلدان أن ثلث من تجاوزت أعمارهم الخامسة والستين يتمتعون ببعض المناعة ضد الفيروس. ولكن الفئات الأصغر سناً لا تتمتع بهذه المناعة الواقية.

هل حذفت منظمة الصحة العالمية كلمة "وخامة" من تعريف الجائحة؟

إن منظمة الصحة العالمية تعتبر الوخامة سمة هامة من سمات الجوائح وعاملاً حاسماً لدى اتخاذ القرارات التي تحدد الإجراءات التي يتعين اتخاذها. بيد أن المنظمة لا تشترط درجة محددة من الوخامة في معاييرها الخاصة بالإعلان عن الجائحة. ويظهر من التجربة أن كل الجوائح تتسبب في وفيات إضافية، وأن الوخامة يمكن أن تتغير بمرور الوقت، وأن الوخامة يمكن أن تختلف باختلاف الموقع والسكان.

وقد نشرت المنظمة ثلاثة تعاريف لجائحة الأنفلونزا في سياق مراحل الإنذار بحدوث الجائحة. وهذه التعاريف وردت في وثائق مبادئ توجيهية أعم وُضعت بخصوص التأهب لمواجهة الجوائح في الأعوام 1999 و2005 و2009. وزادت البحوث الخاصة بجوائح الأنفلونزا والفيروسات الجائحة زيادة كبيرة بعد ظهور أول حالات بشرية من العدوى بفيروس أنفلونزا الطيور H5N1 في عام 1997. وتغيرت التعاريف بمرور الوقت حسب تطور المعرفة والحاجة إلى زيادة الدقة والاستعمال العملي لتعاريف المراحل.

ووثيقة المبادئ التوجيهية التي وضعت في عام 2009، والتي تضمنت تعاريف الجائحة والمراحل الموصلة إلى الإعلان عنها، قد تم الانتهاء من إعدادها في شباط/ فبراير 2009. ولم يكن الفيروس H1N1 الجديد يلوح في الأفق آنذاك ولم يرد ذكره في الوثيقة.

وأشارت وسائل الإعلام مراراً وتكراراً إلى الوثيقة التي صدرت في عام 2003، والمتاحة في موقع المنظمة الإلكتروني، وهي تشير إلى أن جائحة الأنفلونزا تتسبب في "عدد ضخم من الوفيات وحالات الاعتلال". وفي ذلك الوقت كان هذا يُعتبر سيناريو من السيناريوهات التي يرجح حدوثها إذا أصبح فيروس أنفلونزا الطيور H5N1 الشديد الإماتة قادراً على الانتشار بسهولة بين البشر، ولكن هذا التعريف لم يكن تعريفاً رسمياً على الإطلاق.

هل بالغت منظمة الصحة العالمية في الخطر؟

عندما أعلنت المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، الدكتورة مارغريت تشان، عن بدء الجائحة في 11 حزيران/ يونيو 2009 أعربت عن رأي مفاده أن الجائحة ستكون متوسطة الشدة. كما أشارت إلى أن عدد الوفيات التي حدثت في العالم نتيجة لها يُعتبر صغيراً نسبياً، وقالت بوضوح "إننا لا نتوقع أن نشهد طفرة مفاجئة وهائلة في عدد الإصابات الوخيمة أو القاتلة".

وفي كل تقييم للجائحة كانت المنظمة تذكِّر الجمهور باستمرار بأن الغالبية الكاسحة من المرضى ظهرت عليها أعراض معتدلة وتعافت بسرعة وعلى نحو تام حتى بدون علاج طبي.

وأشارت المنظمة مبكراً أيضاً إلى أن فيروسات الأنفلونزا غير مستقرة ويمكن أن تحدث لها طفرات سريعة وهامة الأمر الذي يصعب معه التنبؤ باستمرارية التأثير المعتدل. وهذا الغموض، وهو الذي أقنع المنظمة والكثير من السلطات الصحية الوطنية بالمبالغة في الحرص، قد تعزز بفعل سلوك الجوائح السابقة التي تفاوتت وخامتها أثناء الموجتين الأولى والثانية من انتشارها على الصعيد الدولي.

هل اتُخذ أي قرار من قرارات منظمة الصحة العالمية الخاصة بالجائحة بهدف زيادة أرباح دوائر الصناعة؟

لا. إن الإدعاءات التي تزعم أن المنظمة أعلنت عن الجائحة بهدف تعزيز أرباح شركات الأدوية تستند إلى أن المنظمة تستعين بخبراء استشاريين وإلى طريقة التعامل مع إعلانات المصالح التي يقدمها هؤلاء الخبراء. ولم تتوصل التحقيقات المجراة مؤخراً إلى أي دليل على حالة محددة من حالات الإذناب.

ما الضمانات القائمة ضد تضارب المصالح؟

إن احتمال تضارب المصالح هو أمر متأصل في أية علاقة بين وكالة معنية بوضع المقاييس وبالتنمية الصحية كمنظمة الصحة العالمية وبين دوائر الصناعة الساعية إلى الربح. ودوائر الصناعة تسعى إلى الحصول على المشورة من كبار الخبراء شأنها شأن وكالات مثل منظمة الصحة العالمية التي يلزم أن تصدر الإرشادات بناءً على أفضل الخبرات. وكثير من الخبراء الذين يسدون المشورة إلى المنظمة تربطهم علاقات بدوائر الصناعة، وهذه العلاقات يمكن أن تتراوح بين الحصول على التمويل من أجل إجراء البحوث وبين تقديم الاستشارات المدفوعة الأجر والمشاركة في المؤتمرات التي ترعاها دوائر الصناعة.

ومنظمة الصحة العالمية لديها نُظم قائمة لحماية المنظمة من المشورة المنحازة المدفوعة بالمصالح التجارية. وتشترط المنظمة على جميع الخبراء الاستشاريين أن يعلنوا عن مصالحهم المهنية والمالية عندما يشاركون في مجموعات الخبراء الاستشاريين وفي المشاورات. وتقوم المنظمة بتقييم المصالح المعلن عنها لتحدد ما إذا كان هناك أم لا تضارب محتمل أو أي علامة قد تشير إلى تضارب محتمل. وتطلب المنظمة عند اللزوم معلومات أكثر تفصيلاً ثم تقرر الإجراء المناسب الذي يتعين اتخاذه.

ونشر ملخصات المصالح ذات الصلة عقب الاجتماعات يتم على نحو غير متسق ومن الضروري أن يصبح روتينياً. وتقر المنظمة كذلك بأن الضمانات المحيطة بالمشاركة مع دوائر الصناعة يلزم أن تكون أشد صرامة، والمنظمة تعكف على تحقيق ذلك بالفعل.

ما وظيفة لجنة الطوارئ ولماذا لم يتم الإعلان عن أسماء أعضائها؟

إن اللوائح الصحية الدولية تتضمن مجموعة اشتراطات ملزمة قانوناً لمنظمة الصحة العالمية والدول الأطراف في اللوائح والبالغ عددها 194 دولة. وتطلب اللوائح من المدير العام أن ينشئ لجنة طوارئ يختار أعضاءها من قائمة دائمة بالخبراء المعنيين باللوائح لإسداء المشورة المستقلة إلى المنظمة أثناء الطوارئ الصحية العمومية التي تثير قلقاً دولياً، مثل جائحة الأنفلونزا. وقد بدأ نفاذ اللوائح في عام 2007.

وقد سرع ظهور الفيروس H1N1 الجديد بإنشاء أول لجنة طوارئ بموجب اللوائح. وتناقشت المنظمة آنذاك بخصوص ما إذا كان يتعين أم لا الإعلان عن أسماء أعضاء اللجنة، وواجهت معضلة في ذلك. فمن ناحية يتم الإعلان عن أسماء أعضاء المجموعات الاستشارية الأخرى بعد اجتماعها، لأن تحديد هوية الأشخاص الذين يسدون المشورة يعزز الشفافية في المشورة التي يسدونها وبعد ذلك في القرارات التي تتخذها المنظمة. ومن ناحية أخرى فإن التجربة المتعلقة بفاشية سارس أظهرت الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي الكبير الذي سببته بعض الطوارئ الصحية العمومية، الأمر الذي يعني أن الخبراء يمكن أن تتم استمالتهم بالفعل أو أن يتم الضغط عليهم لأسباب تجارية أو سياسية، وربما تتضرر موضوعية المشورة التي يسدونها.

وبعد النظر في هذه المسائل قررت المنظمة أن تطبق ممارستها المعتادة والمتمثلة في الإعلان عن أسماء الخبراء بعد أن تنجز الهيئة الاستشارية عملها. وقد رحب أعضاء اللجنة أنفسهم بهذا القرار باعتباره تدبيراً يوفر الحماية وليس محاولة لإخفاء مداولاتهم والتكتم عليها. ومع ذلك فنظراً لطول مدة الجائحة عقدت لجنة الطوارئ عدداً من الاجتماعات على مدى أكثر من سنة بدلاً من أن تعقد اجتماعاً وحيداً مثلما يفعله معظم المجموعات الاستشارية، وأدى ذلك أيضاً إلى المزيد من التأخر في الإعلان عن أسماء أعضائها.

ومنظمة الصحة العالمية تدرك الآن إدراكاً تاماً أن هذا القرار عزز الشك في أن اللجنة قد تكون متأثرة في المشورة التي تسديها بمصالح تجارية أو بضغوط. وسوف يتم الإعلان عن أسماء أعضاء اللجنة ونشر ملخص لإعلانات المصالح التي قدموها عندما تفيد اللجنة بأن الجائحة قد انتهت. ويجري الآن استعراض الإجراءات الخاصة بالكشف عن أسماء أعضاء لجان الطوارئ التي سيتم إنشاؤها في المستقبل.

ما الأدلة على دور الأدوية المضادة للفيروسات في أية جائحة من جوائح الأنفلونزا؟

نظراً لاتساع انتشار ضعف السكان إزاء العدوى فإن أية جائحة أنفلونزا تشكل تحدياً أمام السلطات الصحية فيما يتعلق بإيجاد السُبل الكفيلة بحماية السكان. وقد أوصت المنظمة منذ البداية باتخاذ مجموعة واسعة من التدابير، بما في ذلك غسل اليدين واتباع قواعد النظافة الخاصة بالتنفس وعدم السفر ولا الذهاب إلى العمل في حالة الاعتلال، كما أسدت المنظمة المشورة بخصوص الرعاية السريرية للمرضى واستعمال الأدوية واللقاحات المضادة للفيروسات.

وفي بداية الجائحة أظهرت البيانات الواردة من مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (الولايات المتحدة الأمريكية) أن الفيروس الجديد حساس لدواء أوسيلتاميفير ولدواء زاناميفير. وقبل بداية الجائحة كانت المنظمة قد وضعت مبادئ توجيهية بشأن علاج عدوى الأنفلونزا الوخيمة الناجمة عن فيروس أنفلونزا الطيور H5N1. وقد مكن هذان العاملان المنظمة من أن تسرع بإصدار المبادئ التوجيهية الخاصة باستعمال مضادات الفيروسات في سياق الأنفلونزا الجائحة H1N1، مع التركيز على علاج الاعتلالات الوخيمة والوقاية منها.

وخلال فترة الجائحة نُشر قدر متزايد من البيانات السريرية في المجلات الطبية التي تخضع لاستعراض النظراء. وهذه الدراسات تؤكد الصلة بين الإسراع باستعمال مضادات الفيروسات وبين تحسن التعافي من الاعتلال وانخفاض عدد الوفيات. وتبين الأدلة أن مضادات الفيروسات ناجعة بوجه خاص فيما يتعلق بعلاج المرضى الذين تزداد لديهم مخاطر الإصابة بالمضاعفات الناجمة عن الإصابة بالفيروس H1N1. (أ)

هل عُقد في عام 2002 اجتماع لمنظمة الصحة العالمية بشأن لقاحات الأنفلونزا والأدوية المضادة للفيروسات ووقع تحت تأثير دوائر الصناعة؟

في عام 2002 عقدت المنظمة مشاورة مع الخبراء من أجل إعداد وثيقة بعنوان "المبادئ التوجيهية لمنظمة الصحة العالمية بشأن استعمال اللقاحات ومضادات الفيروسات أثناء جوائح الأنفلونزا"، وقد نُشرت الوثيقة في عام 2004. وهناك بعض المنتقدين الذين زعموا أن بعض الخبراء الذين شاركوا في الاجتماع وفي صياغة المبادئ التوجيهية كانت لديهم علاقات مع دوائر الصناعة يُفهم أنها تشكل تضارباً في المصالح. ووفقاً لسياسة المنظمة فإن كل الخبراء الذين شاركوا في هذا الاجتماع كان لزاماً عليهم أن يستوفوا استمارة إعلان مصالح، وكل هذه الاستمارات خضعت للمراجعة من قِبَل المنظمة. بيد أنه لم يُنشر ملخص للمصالح ذات الصلة مع الوثيقة المنشورة. والمنظمة تأسف لهذا السهو.

ومنذ ذلك الحين نُفذ عدد من التغييرات الإدارية والقانونية من أجل تعزيز الإجراءات الخاصة بالتصدي لاحتمالات تضارب المصالح التي قد تؤثر على المشورة المسداة إلى المنظمة. والمنظمة ملتزمة بتشديد هذه الإجراءات أكثر فأكثر وبضمان تطبيقها على نحو أكثر اتساقاً.


(أ) انظر على سبيل المثال "سيستون وزملاؤه، 2010". الاعتلال الناجم عن الأنفلونزا الجائحة A(H1N1) 2009 بين الحوامل في الولايات المتحدة الأمريكية. مجلة الرابطة الطبية الأمريكية، 303: 1517-1525 (بالإنكليزية)

شارك