الإنذار و الاستجابة على الصعيد العالمي (GAR)

التأهّب للموجة الثانية: الدروس المستخلصة من الفاشيات الراهنة

المذكّرة الإعلامية التاسعة بخصوص الجائحة (H1N1) ـ 2009

تتيح عمليات رصد الفاشيات في مختلف أنحاء العالم ما يكفي من المعلومات للخلوص إلى بعض الاستنتاجات المؤقتة بشأن الطريقة التي يُحتمل أن تتطوّر بها جائحة الأنفلونزا في الأشهر المقبلة.

وتنصح منظمة الصحة العالمية البلدان الواقعة في نصف الكرة الشمالي بالتأهّب لموجة ثانية من موجات انتشار الجائحة. ولا بد أيضاً للبلدان ذات المناخات المدارية، التي تأخّر وصول الفيروس الجائح إليها مقارنة بالمناطق الأخرى، من التأهّب لمواجهة عدد متزايد من الحالات.

أمّا البلدان الواقعة في مناطق معتدلة من نصف الكرة الجنوبي فينبغي أن تظلّ على يقظة مستمرة. فيمكن، كما أظهرت التجارب السابقة، أن يتواصل ظهور "نقاط ساخنة" تزداد فيها معدلات سراية المرض، حتى عندما تكون الجائحة قد بلغت ذروتها على الصعيد الوطني.

بروز السلالة الفيروسية H1N1 عن السلالات الأخرى

تُظهر البيّنات المستقاة من أماكن متعدّدة تنتشر فيها الفاشيات أنّ الفيروس الجائح H1N1 تمكّن من الاستحكام وأصبح يمثّل السلالة الفيروسية الغالبة من ضمن سلالات الأنفلونزا في معظم مناطق العالم. وستستمر الجائحة في الأشهر القادمة مع مواصلة انتشار الفيروس بين الفئات السكانية المعرّضة لمخاطر الإصابة به.

وتبيّن عملية رصد الفيروسات بشكل دقيق من قبل شبكة المختبرات التابعة لمنظمة الصحة العالمية أنّ فيروسات جميع الفاشيات تظلّ متطابقة تقريباً. ولم تكشف الدراسات عن أيّة علامات تشير إلى أنّ الفيروس طفر إلى شكل أكثر فوعة أو أشدّ فتكاً.

كما أنّ الصورة السريرية لجائحة الأنفلونزا هي الآن متسقة إلى حد كبير في جميع البلدان. ومازالت الغالبية العظمى للمرضى لا تشهد إلاّ أعراضاً معتدلة. وعلى الرغم من أنّ الفيروس قادر على إحداث حالات مرضية بالغة الوخامة وحالات مميتة، بما في ذلك بين الشباب الأصحاء، فإنّ عدد تلك الحالات يظلّ صغيراً.

أعداد كبيرة من الناس باتت معرّضة للعدوى

على الرغم من أنّ هذه الاتجاهات من الأمور المشجعة، فإنّ أعداداً كبيرة من الناس في جميع البلدان يظلّون معرّضين لمخاطر العدوى. وحتى وإن استمر النمط الراهن المتمثّل في الإصابة، عادة، بحالة مرضية معتدلة، فإنّ أثر الجائحة خلال الموجة الثانية قد يزداد سوءاً مع اكتساب عدد أكبر من الناس للعدوى.

ومن المرجّح أن تمثّل زيادة أعداد المصابين بحالات وخيمة، الذين سيتطلّبون رعاية مكثّفة، أكثر الأعباء إلحاحاً من ضمن الأعباء التي ستنوء بها الخدمات الصحية، ممّا سيفرض ضغوطاً من شأنها إجهاد وحدات الرعاية المركّزة والتسبّب، ربّما، في عرقلة خدمات الرعاية التي تُقدم للمصابين بأمراض أخرى.

رصد مقاومة المرض للأدوية

لم يُكشف، حتى الآن في جميع أنحاء العالم، إلاّ عن عدد ضئيل من الفيروسات الجائحة المقاومة للأوسيلتاميفير، وذلك على الرغم من إعطاء الملايين من المقرّرات العلاجية القائمة على الأدوية المضادة للفيروسات. وقد تم تحرّي جميع تلك الحالات بشكل واسع ولم يتم، حتى الآن، توثيق أيّة حالات من استمرار سراية الفيروس المقاوم للأدوية. ويتواصل رصد تلك الظاهرة بشكل كثيف، بما في ذلك من خلال شبكات المختبرات التابعة لمنظمة الصحة العالمية.

اختلاف الأنفلونزا الجائحة عن الأنفلونزا الموسمية

تشير البيّنات الراهنة إلى وجود بعض الاختلافات الهامة في الأنماط المرضية المُبلّغ عنها خلال هذه الجائحة وتلك المُسجّلة أثناء فاشيات الأنفلونزا الموسمية.

وتبيّن، بشكل عام، أنّ الفئات العمرية التي أصابتها الجائحة أصغر سناً. وينطبق ذلك عموماً على معظم المصابين بالعدوى، وعلى المصابين بحالات وخيمة أو مميتة بوجه خاص.

والملاحظ، حتى الآن، أنّ معظم الحالات الوخيمة ومعظم الوفيات وقعت بين بالغين دون سن الخمسين عاماً، وأنّ الوفيات نادرة بين المسنين مقارنة بالأنفلونزا الموسمية. وهناك تناقض حاد في توزيع الأعمار بين هذه الجائحة والأنفلونزا الموسمية حيث تحدث نحو 90% من الحالات الوخيمة والحالات المميتة بين أشخاص يبلغون من العمر 65 سنة فما فوق.

فشل تنفسي وخيم

لعلّ أكثر الأمور دلالة إبلاغ الأطباء، في جميع أنحاء العالم، عن وجود شكل مرضي بالغ الوخامة، بما في ذلك بين شباب أصحاء غير مصابين بأمراض أخرى، ممّا يمثّل ظاهرة لا تُشاهد إلاّ نادراً أثناء حالات العدوى بالأنفلونزا الموسمية. والجدير بالذكر أنّ الفيروس يصيب الرئتين بشكل مباشر لدى أولئك المرضى ويتسبّب في إصابتهم بفشل تنفسي وخيم. ويعتمد إنقاذ تلك الأرواح على توافر رعاية متخصّصة ومعقّدة للغاية في وحدات الرعاية المركّزة، مع اضطرار المرضى، عادة، إلى قضاء فترات طويلة ومكلّفة في المستشفى.

وقد اعتبرت عدة بلدان، خلال فصل الشتاء في نصف الكرة الجنوبي، الحاجة إلى الرعاية المركّزة كأفدح الأعباء المفروضة على الخدمات الصحية. وجاء في تقارير بعض المدن في تلك البلدان أنّ نحو 15% من الحالات التي أُحيلت إلى المستشفى تطلّب خدمات الرعاية المركّزة.

ويجب أن تسعى تدابير التأهّب إلى استباق هذه الزيادة في الطلب على خدمات وحدات الرعاية المركّزة التي قد تصبح مُجهدة جرّاء زيادة مفاجئة في عدد الحالات الوخيمة.

الفئات المعرّضة للمخاطر

هناك تساوق جيد الآن بين البلدان فيما يخص البيّنات الموثّقة التي تشير إلى زيادة مخاطر الإصابة بالعدوى خلال فترة الحمل. وتكتسي تلك المخاطر دلالة إضافية عندما يتعلّق الأمر بفيروس يميل، مثل هذا الفيروس، إلى إصابة الشباب بوتيرة أكبر.

ومازالت البيّنات تُظهر أنّ بعض الأمراض تزيد من مخاطر التعرّض لحالات وخيمة ومميتة، ومنها الأمراض التنفسية، ولاسيما الربو، والأمراض القلبية الوعائية والسكري وكبت المناعة.

ولا بد للمسؤولين الصحيين، عند استباق أثر الجائحة مع زيادة عدد المصابين بالعدوى، من إدراك أنّ كثيراً من تلك الأمراض التي تعرّض المصابين بها لمخاطر الجائحة أصبحت منتشرة بشكل أكبر بكثير في العقود الماضية، ممّا يزيد من أعداد الفئات المُعرّضة للخطر.

والجدير بالذكر أنّ السمنة، التي كثيراً ما لوحظت لدى المصابين بحالات وخيمة ومميتة، أصبحت من الأوبئة العالمية الأبعاد. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية أنّ هناك، في جميع أنحاء العالم، أكثر من 230 مليون نسمة ممّن يعانون من الربو، وأكثر من 220 مليون نسمة من مرضى السكري.

وبالإضافة إلى ذلك لا يُعتبر الربو والسكري، عادة، من الأمراض الفتاكة، لاسيما لدى الأطفال والشباب. لذا يمكن لأمراض من هذا القبيل، قادرة على تعجيل وفاة هاتين الفئتين، الإسهام في إضافة بعد آخر لأثر الجائحة.

ارتفاع مخاطر دخول المستشفى والوفاة

تُظهر عدة دراسات ارتفاع مخاطر دخول المستشفى والوفاة لدى بعض الفئات الفرعية، بما في ذلك فئات الأقليات والشعوب الأصلية. وتشير بعض الدراسات إلى أنّ مستوى تلك المخاطر لدى تلك الفئات يفوق المستوى الملاحظ لدى عامة الناس بأربعة إلى خمسة أضعاف.

وعلى الرغم من الغموض الذي مازال يحيط بالأسباب الكامنة وراء ذلك، فإنّ من التفاسير المحتملة انخفاض مستويات العيش وتدني الأحوال الصحية عموماً، بما في ذلك انتشار أمراض مثل الربو والسكري وفرط ضغط الدم على نطاق واسع.

الآثار بالنسبة للعالم النامي

من المحتمل أن تزداد هذه النتائج أهمية مع زيادة انتشار الجائحة في العالم النامي، حيث يعيش عدة ملايين من الناس في ظروف الحرمان ويعانون من مشاكل صحية متعدّدة ولا يستفيدون إلاّ قليلاً من خدمات الرعاية الصحية الأساسية.

وحيث أنّ كثيراً من البيانات الراهنة عن الجائحة تأتي من البلدان الغنية والبلدان المتوسطة الدخل، فإنّ من الضروري مراقبة الأوضاع السائدة في البلدان النامية عن كثب. ذلك أنّ الفيروس نفسه الذي يتسبّب في وقوع فوضى يمكن التحكّم فيها في البلدان الثريّة قادر، في الوقت ذاته، على إحداث آثار مدمّرة في كثير من مناطق العالم النامي.

ترافق الجائحة بفيروس الأيدز

إنّ جائحة الأنفلونزا 2009 هي أوّل جائحة تحدث منذ ظهور الأيدز والعدوى بفيروسه. وتشير البيانات الأوّلية المستقاة من بلدين اثنين إلى أنّ المصابين بحالات ترافق الفيروس H1N1 وفيروس الأيدز لا يواجهون، أكثر من غيرهم، خطر الإصابة بحالات وخيمة أو مميتة، شريطة أن يكونوا ممّن يتلقون المعالجة بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية. ولوحظ، لدى معظم أولئك المرضى، اعتدال إصاباتهم الناجمة عن الفيروس H1N1 وشفاؤهم منها بشكل تام.

وإذا تأكّدت هذه النتائج، فإنّها ستبعث الاطمئنان في نفوس البلدان التي تنتشر فيها العدوى بفيروس الأيدز والتي تضمن تغطية جيدة بخدمات العلاج القائم عل الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية.

وتشير التقديرات الراهنة إلى أنّ هناك نحو 33 مليون نسمة من المتعايشين مع الأيدز والعدوى بفيروسه في جميع أرجاء العالم, كما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنّ أربعة ملايين نسمة من هؤلاء كانوا يتلقون المعالجة بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية في أواخر عام 2008.

شارك