المديرة العامة

العودة إلى ألما-آتا

د. مارغريت تشان
المديرة العامة، منظمة الصحة العالمية

15 أيلول/سبتمبر 2008

لقد حدّد إعلان ألما-آتا، قبل ثلاثين عاماً، مبدأ الرعاية الصحية الأوّلية كمجموعة من القيم التوجيهية للتنمية الصحية ومجموعة من المبادئ اللازمة لتنظيم الخدمات الصحية وطائفة من النُهج الواجب اتّباعها لتلبية الاحتياجات الصحية ذات الأولوية ومعالجة المحدّدات الأساسية للصحة.

وكان المطمح وراء حركة توفير الصحة للجميع أمراً لا يخلو من جسارة. فقد افترض أنّ السياسة المستنيرة كفيلة برفع المستوى الصحي بين الفئات السكانية المحرومة والإسهام، بالتالي، في دفع عجلة التنمية بشكل عام. ومكّن الإعلان من توسيع نطاق النموذج الطبي ليشمل عوامل اجتماعية واقتصادية وأقرّ بأنّ الأنشطة التي يُضطلع بها في كثير من القطاعات، بما في ذلك تنظيمات المجتمع المدني، هي التي رسمت آفاق تحسين الصحة. وكان ضمان العدل في الحصول على خدمات الرعاية وضمان الفعالية في إيتاء الخدمات من أهمّ المرامي المنشودة.

ومع التركيز على الملكية المحلية شرّفت الرعاية الصحية الأوّلية مرونة العقل البشري ونبوغه وأفسحت المجال لحلول استنبطتها المجتمعات المحلية وامتلكتها وأيّدتها. والأهمّ من كل ذلك هو أنّ الرعاية الصحية الأوّلية أتاحت إمكانية تنظيم مجموعة كاملة من خدمات الرعاية الصحية، من الأسر إلى المستشفيات، مع إيلاء الأهمية ذاتها للوقاية والعلاج وترشيد استثمار الموارد على مختلف مستويات الرعاية.

غير أنّ بعض الجهات لم تفهم المقصود منه فور الإعلان عنه تقريباً. فقد كان بمثابة هجمة ثورية على المعتقدات الطبية الراسخة. ذلك أنّه كان يسعى إلى تحقيق أغراض مثالية. وتم الخلط بينه وبين الاقتصار في التركيز على خدمات الرعاية من المستوى الأوّل. وبدا لبعض من مؤيدي التنمية أنّه أسلوب رخيص الثمن ويعني تقديم رعاية متدنية الجودة لأناس فقراء، أو أنّه حل من الدرجة الثانية يُقدّم إلى البلدان النامية.

كما لم يستطع المفكّرون من ذوي البصيرة في عام 1978 التنبّؤ بالأحداث التي ستعصف بالعالم من أزمة نفطية وانكماش اقتصادي وانتهاج المصارف الإنمائية برامج التكيّف الهيكلي التي أبعدت الميزانيات الوطنية عن الخدمات الاجتماعية، بما في ذلك الصحة. ومع تناقص الموارد الصحية اكتسبت النُهج الانتقائية التي تستخدم مجموعات من التدخلات تأييد الجهات المعنية لبلوغ الغاية المنشودة المتمثّلة في إعادة تشكيل الرعاية الصحية بشكل جذري. والجدير بالذكر أنّ ظهور وباء الأيدز والعدوى بفيروسه وعودة انتشار السل من جرّائه وزيادة حالات الملاريا من الأمور التي أبعدت تركيز الصحة العمومية الدولية عن البرامج العريضة القاعدة ووجّهته نحو تدبير حالات الطوارئ التي تحصد الكثير من الأرواح.

وفي عام 1994 انتهت إحدى الدراسات التي أجرتها منظمة الصحة العالمية بغرض استعراض التغيّرات العالمية التي طرأت على مجال التنمية الصحية منذ إعلان ألما-آتا إلى استنتاج مثبّط للعزائم يفيد بعدم إمكانية بلوغ المرمى المتمثّل في توفير الصحة للجميع بحلول عام 2000. 1

فما الذي يمكن جنيه من تجارب حركة أخفقت في تحقيق المرمى الذي حدّدته لنفسها؟ يمكن جني الكثير على ما يبدو. فلم تعد الرعاية الصحية الأوّلية، اليوم، مسألة يُساء فهمها بشكل كبير. وقد أسهمت عدة اتجاهات وأحداث، بالفعل، في توضيح أهميتها بأساليب ما كان بالإمكان تصوّرها قبل 30 عاماً. والمُلاحظ أنّ تلك الرعاية تبدو، بشكل متزايد الآن، كوسيلة ذكية لإعادة دفع عجلة التنمية الصحية.

وقد بعث إعلان الألفية والمرامي المنبثقة عنه حياة جديدة في قيم الإنصاف والعدالة الاجتماعية، مع السعي، هذه المرّة، إلى ضمان توزيع فوائد العولمة بالتساوي بين البلدان. وقد بيّن وباء الايدز، بشكل دامغ، مدى أهميّة الإنصاف وحصول جميع الناس على الخدمات الصحية.2 ومع قدوم المعالجة بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية أصبحت القدرة على الحصول على الأدوية والخدمات تعني في عيون الملايين القدرة على البقاء على قيد الحياة.

وأجبر التباطؤ في إحراز تقدم نحو بلوغ المرامي الإنمائية للألفية المتعلّقة بالصحة الجهات المعنية على إمعان النظر في النتائج المترتبة على عقود كاملة من الإخفاق في الاستثمار في البنى التحتية الصحية الأساسية والخدمات والعاملين. والتدخلات القوية والأموال اللازمة لشرائها لا تمكّن، كما رأينا، من اقتناء حصائل صحية أفضل في غياب نُظم فعالة لإيتاء الخدمات.3

وأماطت زيادة الأمراض المزمنة اللثام عن المزيد من المشاكل ومنها عبء الرعاية الطويلة الأجل الذي تتحمّله النُظم والميزانيات الصحية، والتكاليف التي تدفع بالأسر تحت خط الفقر، والحاجة إلى الوقاية عندما تفلت معظم عوامل الاختطار من سيطرة القطاع الصحي المباشرة. 4 أي أنّها سلّطت الأضواء على مسائل مثل العدل والكفاءة والعمل المتعدّد القطاعات.

وفي آب/أغسطس 2008، أصدرت اللجنة المعنية بالمحدّدات الاجتماعية للصحة تقريرها الختامي. 5 وتشكّل الحجج التي قدمتها اللجنة دعوة إجبارية إلى إيلاء اهتمام كبير للصحة في جميع السياسات الحكومية، في كل القطاعات. والنقص المُسجّل فيما يتعلّق بالحصائل الصحية ليس له علاقة بالقضاء والقدر، إنّما هو مؤشر على الفشل السياسي. ولا غرو أن يدعم التقرير الرعاية الصحية الأوّلية بوصفها نموذجاً لنظام صحي يؤدي وظائفه استناداً إلى الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المؤدية إلى اعتلال الصحة.

وستصدر منظمة الصحة العالمية، في تشرين الأوّل/أكتوبر 2008، تقريرها الخاص بالصحة في العالم وستخصّصه هذا العام لموضوع الرعاية الصحية الأوّلية. وسيسعى هذا التقرير، الذي حُدّد موعد صدوره لإحياء ذكرى ألما-آتا، إلى توفير إرشادات عملية وتقنية لإدخال الإصلاحات الكفيلة بتجهيز النُظم الصحية بما يلزم لمجابهة التحديات الصحية التي بات معقدة بشكل لم يُعهد من قبل. ومع أنّ التقرير لا يرمي إلى إطلاق حركة اجتماعية أخرى، إلاّ أنّه يطالب السّاسة إيلاء اهتمام أكبر لآمال المجتمعات المتعاظمة في التمتع الرعاية الصحية- رعاية عادلة وفعالة وتنطوي على كثير من القيم التي تم تحديدها بشكل بارع قبل 30 عاماً.

(نشر في موقع المنظمة بموافقة The Lancet.)

شارك