الحدّ من انبعاثات الكربون من أجل تحسين الصحة
الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية
إنّ الأحداث من قبيل الأزمة المالية وتغيّر المناخ ليست من انحرافات السوق أو انحرافات الطبيعة. بل أنّ تلك الانحرافات من المؤشرات على القصور الشامل للنُظم الدولية التي تحكم طريقة التفاعل بين الدول وسكانها. وقدرة أخطائنا على الإعداء لا تبدي أيّة رحمة ولا تستثني أيّة جهة بدوافع الإنصاف. فالبلدان التي أسهمت، مثلاً، بأقلّ نسبة في انبعاثات غازات الدفيئة ستكون أوّل من يتعرّض لآثار تغيّر المناخ وأشدّها تعرّضاً لتلك الظاهرة. [1]
وقد تم، بدرجة عالية من اليقين، تحديد عدة من العواقب الصحية التي سنشهدها جرّاء تغيّر المناخ ومنها زيادة حالات سوء التغذية وما ينجم عنها من آثار مدمّرة على صحة الأطفال. وستتسبّب زيادة الفيضانات وحالات الجفاف والأعاصير في وقوع المزيد من الوفيات والإصابات. كما ستتسبّب موجات الحرّ في حدوث المزيد من الوفيات، لاسيما بين المسنين. ويمكن، أخيراً، أن يسهم تغيّر المناخ في تغيير التوزيع الجغرافي لنواقل الأمراض، بما في ذلك الحشرات التي تنقل الملاريا وحمى الضنك.[2] وقد أصبحت جميع تلك المشاكل ضخمة فعلاً، كما أنّها باتت تتركّز في العالم النامي إلى حد كبير، وبات من الصعب التحكّم فيها.[3]
ومن المؤسف أنّ راسمي السياسات تباطؤوا في الاعتراف بأنّ المخلّفات الأساسية لتغيّر المناخ هي المخاطر المحدقة بصحة البشر ونوعية حياتهم جرّاء ذلك. غير أنّ هذا الوضع بدأ يتغيّر لحسن الحظ. فقد دعا وزراء الصحة، في جمعية الصحة العالمية، إلى تكثيف الإجراءات اللازمة لحماية الصحة من تغيّر المناخ،[4]بما في ذلك إذكاء الوعي ووضع خطط عمل على الصعيدين الإقليمي والوطني وزيادة الدعم من أجل تعزيز قدرات النُظم الصحية على التكيّف، لاسيما في أشدّ البلدان استضعافاً. كما شهدت الأشهر القليلة الماضية صدور بيانات واتخاذ حملات من قبل الرابطات الطبية الرئيسية والمنظمات الصحية غير الحكومية نيابة عن عشرات الآلاف من المهنيين الصحيين وسائر المواطنين المعنيين.[5,6] وقد ساعدت نتائج البحوث التي تبيّن الفوائد الصحية المحتملة لاستراتيجيات الحدّ من انبعاثات الكربون على دفع هذه التغييرات. وعليه فإنّ مجموعة المقالات المعروضة في مجلة ذي لانسنت (The Lancet) اليوم تأتي في الوقت المناسب كما أنّها تكتسي أهمية بالغة.
وتؤكّد تلك المقالات على أهمية الربط بين المناخ والمرامي الصحية. فمن شأن معظم ما تم تحرّيه من تدابير التخفيف من آثار تغيّر المناخ (بما في ذلك تحسين مصادر الطاقة المنزلية، والحدّ من الاعتماد على السيارات لأغراض التنقل، وتخفيض استهلاك المنتجات الحيوانية في البلدان المتقدمة) جلب منافع صحية عمومية. وستكون تلك المنافع جمّة في كثير من الحالات، وستساعد على التصدي لبعض من أكبر وأسرع المشكلات الصحية المتنامية على الصعيد العالمي وأكبر العوامل التي تسهم في استنزاف موارد القطاع الصحي، مثل الأمراض القلبية الوعائية والسمنة والسرطان والسكري. ومع أنّ آثار التدابير المذكورة تظلّ طويلة الأجل ومتفرّقة في جميع أنحاء العالم، فإنّ المنافع الصحية لتلك التدابير تتأتى بشكل فوري وعلى الصعيد المحلي ممّا يسهم في زيادة اهتمام السياسيين والجمهور بها.
وعليه فإنّ هذه الدراسة البحثية تركّز بشكل قوي على الدور الذي تؤديه الأوساط الصحية في السياسات المناخية. وتتيح الدراسة مبرّراً آخراً يدفعنا إلى الترويج لأهمية التدابير الفعالة والعادلة الرامية إلى التخفيف من آثار تغيّر المناخ، كما أنّها تقدم حجة إيجابية دامغة لوضع سياسات عمومية تضمن المزيد من الاستدامة والصحة. وتسلّط المقالات الضوء كذلك على التباين الواسع في حجم المنافع الصحية التي يمكن تحقيقها مقابل أيّ استثمار مالي يُوظّف أو أيّ تخفيض يُجرى في انبعاثات غازات الدفيئة. والإخفاق في تحديد الأولويات فيما يخص أكثر الخيارات تعزيزاً للصحة، من ضمن خيارات التخفيف من آثار تغيّر المناخ، سيعني ضياع فرصة اجتماعية هامة وتقلّص عائدات الاستثمار.
والقضية المطروحة حالياً لا تتمثّل في معرفة ما إذا كان المناخ يتغيّر، ولكن في تحديد طريقة التصدي لتلك الظاهرة بأكبر مستوى من الفعالية. إنّ الخطوات الأولى التي يتعيّن اتخاذها واضحة تماماً. فمن شأن تعزيز النُظم الصحية وتوسيع نطاق التغطية بالتدخلات الصحية العمومية الزهيدة التكلفة التي أثبتت فعاليتها من أجل مكافحة الأمراض الحسّاسة للمناخ الإسهام، على المدى القصير، في تسريع التقدم المحرز صوب بلوغ المرامي الإنمائية للألفية وإنقاذ الملايين من الأرواح. ومن شأن الإجراءات ذاتها الإسهام، على المدى البعيد، في الحدّ من درجة التأثّر بتغيّر المناخ. إنّ التصدي لتغيّر المناخ ليس من الأمور التي تلهينا عن تنفيذ برنامج حماية الصحة: بل إنّه جزء من ذلك البرنامج.
ومع الاجتماع التي تزمع الحكومات عقده في كوبنهانغن في الفترة بين 7 و18 كانون الأوّل/ديسمبر ( الدورة الخامسة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ) لبلوغ اتفاق حول كيفية التصدي لتغيّر المناخ، هناك ثلاثة رسائل واضحة من الأوساط الصحية وهي، أوّلاً، أنّ تغيّر المناخ يمثّل خطراً أساسياً على الصحية. وثانياً، أنّ تعزيز مكافحة أمراض الفقر من الأمور الضرورية لحماية أشدّ الفئات استضعافاً، وهو من الاستثمارات المأمونة في موارد التكيّف مع تغيّر المناخ. وثالثاً، أنّ مجموعة المقالات هذه تبيّن أنّ تخفيض انبعاثات غازات الدفيئة من الفرص التي يمكنها الإسهام في الحدّ من تغيّر المناخ وتحسين الصحة العمومية على حد سواء. وعليه ينبغي أن تكون حماية الصحة أحد المقاييس التي ينبغي مراعاتها للحكم على تدابير التخفيف من آثار تغيّر المناخ.
والتصدي لتغيّر المناخ ليس من القضايا التي تعتمد على الاتفاقات الدولية أو التكاليف الاقتصادية فحسب؛ بل هو خيار لنوع العالم الذي نرغب العيش فيه. وتغيّر المناخ هو الثمن الذي ندفعه الآن لا محالة جرّاء ما انتهجناه من سياسات قصيرة النظر. ذلك أنّ الحرص على تغذية الثروة الاقتصادية أنسانا ضرورة الحفاظ على صحة كوكبنا الإيكولوجية وحماية أكثر فئات المجتمع استضعافاً. والخيار المطروح أمامنا جميعاً هو خيار حول القيم أساساً: تحسين أنماط الحياة وحماية أضعف الفئات وضمان العدل. وتلك هي القيم ذاتها التي تحفّز الصحة العمومية، والأوساط الصحية من الشركاء الذين لا يتردّدون في مواجهة هذا التحدي.
المراجع
3. WHO. The global burden of disease: 2004 update. 2008. (accessed Nov 2, 2009).
4. WHO.Climate change and health: resolution of the 61st World Health Assembly. May 24, 2008. (accessed Nov 2, 2009).
5. World Medical Association. WMA Declaration of Delhi on Health and Climate Change. 2009. (accessed Nov 2, 2009).