المديرة العامة

خطاب المدير العام أمام جمعية الصحة العالمية الثامنة والخمسين


16 أيار/مايو 2005

يبدأ المدير العام كلمته بالفرنسية.

صاحب الفخامة، رئيس جمهورية ملديف، السيد بيل غيتس، السيدة الرئيسة، السيدات والسادة أصحاب المعالي الوزراء، حضرات السيدات والسادة أعضاء الوفود، سيداتي وسادتي،

منذ ستين سنة انخرط قادة العالم في نقاش محتدم بشأن كيفية ضمان تمتع البشرية جمعاء بالعافية بعد الحرب العالمية الثانية. وقد أدركوا أن الفرصة سانحة أمامهم لتطبيق المعارف التي اكتسبوها بثمن باهظ من الصراعات التي شهدتها السنوات السابقة. وكان من حصيلة تلك الجهود التي بذلوها إنشاء منظومة الأمم المتحدة.

ونحن، بدورنا، نجتمع هنا هذا الأسبوع من أجل استخلاص العبر من الماضي وتحويل هذه المعارف إلى عمل ملموس. ذلك أن العالم مافتئ يتغير ومافتئت مؤسساتنا تتطور استجابة لمقتضيات هذا التغير. ويجسد جدول أعمال جمعية الصحة العالمية الثامنة والخمسين هذه عملية التغير تلك، ولكنه يجسد مع ذلك الأهمية المستمرة والحيوية التي تولى لمكافحة الأمراض وتحسين الصحة من أجل مجتمع عالمي يملك مقومات البقاء والاستمرار.

يواصل المدير العام خطابه بالإنكليزية.

وأود أن أتوجه بالشكر إلى جمعية أوركسترا فيينا الفيلهارموني على قيامها بدور سفيرنا المتجوّل في هذه الصبيحة. فقد أوجز موسيقيوها، على نحو رائع، رسالة المنظمة إلى العالم بمعزوفاتهم التي أطربونا بها هذا الصباح، وإن هذا لهو العمل الصحي الفعال الذي عرفه الرعيل المؤسس لمنظمتنا تعريفاً صحيحاً بأنه "أساسي لسعادة جميع الشعوب ولانسجام علاقاتها ولأمنها".

وتمنحنا جمعية الصحة هذه فرصة فريدة لضمان الاستناد فيما نضطلع به من عمل إلى معلومات جيدة وللاستفادة بطريقة جيدة مما لدينا من معارف. فالعمل الصحي يعلمنا بدقة متناهية أن العمل بلا معرفة هو مضيعة للجهد كما أن المعرفة بلا عمل هي مضيعة للموارد.

ومن أشمل أساليب التعبير في الآونة الأخيرة عن إرادة الحكومات في جميع أنحاء العالم هو الأهداف الإنمائية للألفية، وهي تجعل الصحة محورها الرئيسي. ومازالت ترجمة تلك الأهداف إلى واقع ملموس أمراً بعيد المنال، ومازال مستوى التقدم المحرز نحو تحقيقها لا يبعث على الاطمئنان. وما لم ننجح في إحداث التغييرات الرئيسية التي نعمل من أجلها في المستقبل المنظور فإن الغايات الخاصة بتخفيض معدل وفيات الأطفال لن تتحقق قبل عام 2015. وهذه حقيقة بسيطة واضحة. وعلى الرغم من أن معدلات التغطية فيما يتعلق ببعض التدخلات الصحية قد ارتفعت حسب الخطط التي وضعت لها فإننا لم نشهد حتى الآن التحسن الضروري في المؤشرات الصحية. وقد ارتفعت معدلات الوفاة في بعض المناطق بالفعل نتيجة للفقر المدقع والأوبئة. إننا لا تنقصنا الدارية التقنية والعملية لتحقيق ما هو ضروري للصحة في العالم ولكننا لم نجد حتى الآن الوسائل الكفيلة بتطبيقها على نطاق واسع بالقدر الكافي.

ويعد أكثر الاتجاهات السائدة تشجيعاً حتى الآن هو زيادة التمويل الخاص بالتنمية الصحية. وعلى الرغم من أنه مازال يشكل جزءاً صغيراً فحسب من التمويل المطلوب فإنه سجّل زيادة هائلة. ويعني ذلك أننا بدأنا، على الأقل، التغلب على إحدى أكبر العقبات التي تعترض سبيل التقدم نحو بلوغ غايات الألفية، ألا وهي نقص الموارد. ويكثف ذلك الحاجة إلى تحقيق أفضل استفادة ممكنة من الوسائل المتاحة لنا.

إنكم ستعمدون، في وقت مبكر من هذا الأسبوع إلى مناقشة ميزانيتنا البرمجية المقترحة للفترة 2006-2007. والغرض من هذه الميزانية هو تعزيز الاتجاه الإيجابي السائد عن طريق تحسين النتائج في البلدان. ولهذه الغاية تظهر الميزانية زيادة في مجالات الإنذار بحدوث الأوبئة والاستجابة لمقتضياتها، وصحة الأم والطفل، والأمراض غير السارية، ومكافحة التبغ، والاستجابة لمقتضيات حالات الطوارئ. وهي تجسد التزامنا بزيادة الكفاءة في عملنا من خلال الميزنة القائمة على تحقيق النتائج، وزيادة المسؤولية في تقديم خدمات الرعاية الصحية.

ويُعتبر التفاوض وسيلة قوية تكفل تحويل المعرفة إلى عمل. وتُعد الاتفاقية الإطارية بشأن مكافحة التبغ نموذجاً مضيئاً يدل على ما يمكن تحقيقه عندما يوحد الحوار البناء جهود العديد من الشركاء. وقد دخلت الاتفاقية الآن حيز النفاذ ويبلغ عدد أطرافها المتعاقدة 64 طرفاً. والهدف الذي ننشده في هذا الصدد هو أن يصبح أكبر عدد ممكن من الدول الأعضاء أطرافاً متعاقدة من أجل تعظيم أثر الاتفاقية وتحقيق إمكاناتها فيما يتعلق بإنقاذ أرواح البشر.

وفي هذا النجاح الذي تحقق في التوصل إلى الاتفاق والتحرك دون إبطاء من أجل التصديق دليل على أن التفاوض بأناة وصبر يمكن أن يؤتي ثماره. وسنبحث، غداً، حصيلة المناقشات التي يمكن أن تكون لها أيضاً آثار أبعد مدىً بالنسبة إلى الصحة في العالم. وقد حظيت اللوائح الصحية الدولية المنقحة باهتمام مكثف خلال الأشهر القليلة الماضية، مثلما سيشهده كثير من الحاضرين هنا خلال الليالي والأيام القليلة المتبقية. وستكون الموافقة على هذه اللوائح حدثاً تاريخياً في مجال الصحة العمومية. ولكن أهمية هذا الحدث لن تُدرك إدراكاً تاماً إلا عندما توضع اللوائح في موضعها المناسب وتجري ملاحظتها ويتم تنفيذها.

وسيقتضي التنفيذ توافر قدرات وطنية بالغة القوة فيما يتعلق باكتشاف فاشيات الأمراض وما إلى ذلك من الأحداث والتحقق منها والاستجابة لمقتضياتها. وسيكون بلوغ هذه الغاية مسعىً رئيسياً في المستقبل القريب.

واكتسب التنسيق العالمي أصلاً قيماً بوجود المركز الاستراتيجي للعمليات الصحية الذي أنشئ وبدأ أعماله في العام الماضي. وأصبح بمثابة المركز العصبي الذي يجمع اللوجيستيات والمعلومات الصحية اللازمة للاستجابة لمقتضيات طوارئ الصحة العمومية. وهناك الآن، إلى جانب المقر الرئيسي والأقاليم والبلدان، أكثر من 60 مكتباً تضمهم شبكة الطوارئ. وهو يوفر بيئة للاتصال السريع بين الدول الأعضاء والشركاء التقنيين. وبعد كارثة التسونامي في آسيا استغلته وحدتنا المعنية بالعمل الصحي إبان الأزمات أقصى استغلال في تنسيق الاستجابات. وهو في الوقت الحاضر يمكّن العاملين الصحيين المحليين والوطنيين والدوليين من احتواء فاشيات ماربورغ النزفية في أنغولا.

وفي تايلند سألني الصحفيون في مؤتمر التسونامي في مطلع هذا الشهر عن اهتمام منظمة الصحة العالمية بالمخاطر الصحية في الأيام الأولى من تلك الكارثة المدمرة. وقد أصدرنا إنذارات قوية بشأن احتمال حدوث الكوليرا وسوء التغذية والأوبئة بسبب تردي الأوضاع الصحية، والسؤال الآن هو ما إذا كانت تلك الإنذارات كاذبة. فكانت إجابتي كالتالي: إنها بالتأكيد ليست كذلك. فقد قمنا مع شركائنا باتخاذ إجراءات سريعة لضمان مأمونية المياه وكفاية التغذية وموثوقية ترصد الأمراض. وهذا هو الذي حال دون استفحال الكارثة. واشتركت كل أنواع التنظيم في هذا الجهد التعاوني غير المسبوق – من حكومات وقطاعات غير حكومية وقطاعات خاصة. وأتاح لنا ذلك إثباتاً لما يمكننا القيام به ونحن نرحب به.

وكان العمل في تلك الحالة فعالاً لأنه استند إلى المعارف. كما سلط المشاركون في المؤتمر الضوء على مجالات كثيرة لم يكن العمل فيها فعالاً بل وكان ضاراً بسبب نقص المعارف والتنسيق. فمن الواضح في حالات الطوارئ بوجه خاص أن العمل بلا معرفة عمل ضائع تماماً كالمعرفة بلا عمل. فنحن نعمل مع شركائنا لتحسين التوازن في الأزمات في المستقبل.

وعلى العموم فإن الاستجابة السريعة والفعالة لكارثة التسونامي كانت بفضل الجهود المتميزة التي بذلها الزملاء في البلدان المتضررة وفي أماكن أخرى من هذا العالم. وحين تنجح جهود الوقاية فالمرجح ألا يلاحظها أحد ولذا فإنني أغتنم هذه المناسبة للاعتراف بالجهود الجبارة التي بذلها العاملون الكُثر في ميدان الصحة والإغاثة، الذين وصلوا الليل بالنهار لأسابيع طويلة للحد من الآثار المدمرة لتلك الكارثة.

ولا غنى للصحة العمومية عن القدرة على الاستجابة السريعة للتهديدات الصحية بعمل جيد التنسيق في هذا القرن الحادي والعشرين. وهذه القدرة تتنامى سريعاً. وقد بدأت المنظمة العمل في شبكة الإنذار بحدوث الفاشيات والاستجابة لمقتضياتها منذ خمس سنوات. واستطاعت الشبكة التي تضم المؤسسات التقنية في الدول الأعضاء، والمراكز المتعاونة مع المنظمة أن تستجيب لأكثر من فاشيات 50 مرضاً رئيسياً. والشبكة تضم الآن 130 مؤسسة، مع مؤسسات متزايدة من البلدان النامية. وتشمل الطلبات الكثيرة منها ما يتعلق بأنفلونزا الطيور والإيبولا وحمى ماربورغ والتهاب السحايا والتهاب عضل القلب والطاعون. كما تشارك الشبكة في إقامة نُظم الإنذار المبكر التي وضعت في أعقاب كارثة التسونامي.

ويتوقف نجاح جهودنا العالمية للحفاظ على الأمن وزيادته على توافر معلومات موثوقة وواضحة لكل من يحتاجها. وعلينا أن نكون قادرين على أن نرى بوضوح ودقة الاحتياجات الصحية التي تواجهنا والوسائل المتاحة لنا لتلبيتها.

وتقدم شبكة القياسات الصحية دعماً ذا قيمة عظيمة في هذا الجهد. فهذه الشبكة شراكة جديدة الغرض منها تعزيز النظم الوطنية للمعلومات الصحية، وهي تتلقى دعماً سخيّاً من مؤسسة بيل وميليندا غيتس وتستضيفها منظمة الصحة العالمية. ويتضح التقدم المحرز في هذا العام في هذه المهمة الإعلامية الأساسية لكل أنشطتنا، بإصدار منشور جديد عنوانه "إحصائيات الصحة العالمية". فهو يتيح معلومات عن 50 مؤشراً صحياً على الصعيدين الوطني والإقليمي والصعيد العالمي.

والاتصالات الواضحة، والتفاهم والاتفاق المتبادلان، من الأمور الضرورية أيضاً في كل مجالات مكافحة الأمراض. وحيثما يكون سبب الإجراءات غير معلوم فإن الإجراءات يُرجح فشلها. وقد اتضح هذا للأسف في المراحل الأولى من مكافحة حمى ماربورغ في أنغولا، حين خشي القرويون من العاملين الصحيين أكثر من خشيتهم من المرض الذي جاؤوا من أجل مكافحته. فلم يعد علينا فقط أن نستخدم ونزيد الخبرات المتاحة بل وأن نجعل غرضها وقيمتها مفهومة للجميع.

ولقد ظل البحث دائماً أولوية عالية بل ويقال إنه الآن ذو أهمية لعملنا أكثر من ذي قبل. وأصبحت الحاجة إلى الجديد من وسائل التشخيص واللقاحات والعلاجات، حاجة ملحة شأنها شأن الحاجة إلى أساليب جديدة لنشر التكنولوجيات الموجودة بالفعل. وقد شدد مؤتمر القمة الوزاري المعني بالبحوث الصحية في المكسيك، في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام المنصرم على هذه الحاجة. فقد طالب بوضع سياسة للبحوث تكون جزءاً أساسياً من الجهود الرامية إلى تعزيز النظم الصحية الوطنية.

وفي أعقاب سلسلة من الاجتماعات الخاصة ببناء التوافق في الآراء، صرنا الآن على استعداد للسير قدماً في وضع سجل دولي للتجارب السريرية. وهذا سيفيد كثيراً في تعزيز عملية البحوث وقدرتها على كسب ثقة الجميع.

وبآمال كبيرة لها ما يبرّرها أنشأنا اللجنة المعنية بالمحددات الاجتماعية للصحة، في سنتياغو، شيلي، في آذار/ مارس. ويسهم كبار الأطباء الممارسين من أقاليمنا الستة جميعها في هذا المجهود بقدراتهم الفائقة. ومهمتهم العاجلة هي ابتكار مبادرات تجعل النظم الصحية تعمل بفعالية وإنصاف. وهم يؤدون هذه المهمة في سياق تحديد ومواجهة الأسباب الرئيسية وراء اعتلال الصحة في القرن الحادي والعشرين.

وفي غضون ذلك ستكون لجنة الملكية الفكرية بصدد استخلاص نتائجها وتجميعها وعرضها على جمعية الصحة بعد عام واحد من الآن. وسيقود عملها إلى أساليب تعاون أكثر فاعلية بشأن الأدوية واللقاحات الضرورية لاتقاء الأمراض ومكافحتها.

والشراكة هي العلامة المميزة لكل أنشطتنا الرئيسية. ويتجلى هذا بوجه خاص في هذا العام في تركيزنا في التقرير الخاص بالصحة في العالم ويوم الصحة العالمي على صحة الأم والوليد والطفل. ويجب أن تشارك كل المنظمات المعنية بهذه المجالات الصحية بجهودها. بل إن مجالات الرعاية ذاتها من أجل الأم والوليد والطفل يجب أن تتضافر. فهناك أناس كثيرون من بلدان ومنظمات كثيرة يبذلون جهدهم لجعل هذا العام، 2005، علامة على نقلة حاسمة نحو الهبوط بمعدلات وفيات الأمومة والأطفال.

وشريكنا الرئيسي في هذا الجهد هو اليونيسيف. فمن علامات التضامن بين وكالتينا أنني أقدم لكم المديرة التنفيذية الجديدة لليونيسيف، آن فينيمان. وقد بدأت عملها منذ أسبوعين. وقد طلبت إليها المجيء وإلقاء كلمة قصيرة أمامنا اليوم عن خططها من أجل اليونيسيف ومهمتنا المشتركة. فإذا أذنتم لي سيدتي الرئيسة، فإنني أدعوها لإلقاء كلمتها الآن.

آن فينيمان تتحدث.

يستأنف المدير العام خطابه.

شكراً لكم، إن التعاون بين منظمتينا ظلّ يشكل مقوّماً من مقومات القوة الكبيرة بالنسبة إلى عملنا منذ البداية. واعتقادي أنه سيصبح تعاوناً أكبر على صعيد المهام المشتركة التي تنتظر الإنجاز.

إن التضامن الخلاق بين جميع من هم بصدد النضال من أجل توفير الصحة هو السبيل الرئيسي لبلوغ أهدافنا وهو واحد من الأهداف الإنمائية الثمانية للألفية. والطرائق الفعّالة للجمع بين ما لنا من خبرات وموارد هي أوكد الحاجات بالنسبة إلينا الآن، وأقوى أساس للأمل. وبالتعاون مع شركائنا في مكافحة أهم الأمراض المعدية، واستئصال شلل الأطفال واتقاء ومعالجة الأمراض المزمنة يغدو الهدف الذي حددته المنظمة والمتمثل في تأمين الحصول على الرعاية الصحية الفعالة على نطاق عالمي هدفاً ممكن البلوغ.

وخير دليل على ذلك حملتنا الحالية الرامية إلى تأمين العلاج لثلاثة ملايين نسمة يتعايشون مع الأيدز والعدوى بفيروسه بحلول أواخر هذا العام. وهذه الحملة جهد يبذل على نطاق عالمي تشترك فيه عدة مئات من المنظمات الشريكة وهو يكتسب زخماً متزايداً. وقد تخطّى معلماً من المعالم المحددة لكانون الأول/ ديسمبر الأخير وهو توفير العلاج لسبعمائة ألف شخص والتقرير المرحلي المقبل بهذا الشأن سيقدم في حزيران/ يونيو.

وإن مشروع التحديد المسبق للأهلية الذي وضعته المنظمة يوفّر دعماً حيوياً مهمّاً للجهد الرامي إلى إتاحة الأدوية وأساليب التشخيص اللازمة. ونحن نعمل مع شركائنا على زيادة قدرته وطاقته.

وإن الإسراع بتحسين نسبة الاستفادة لهو بصدد توفير الرعاية للأسر والأفراد الذين انقطع لديهم الأمل في الحصول عليها. وإن الهدف المتمثل في مبادرة "3 قبل 5" خطوة أولى صوب حصول الجميع على الأدوية. ويجري حالياً التخطيط للخطوات المقبلة، لعام 2006 وما بعده. والوقاية الفعالة لا غنى عنها في سبيل التخلص من وباء الأيدز والعدوى بفيروسه وتوفير العلاج جزء لا يتجزّأ من هذا الجهد الأوسع. وقد كثفت المنظمة وبرنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الأيدز جهودهما المشتركة المتصلة بالبحث والتطوير المتعلقين بالعمل على إيجاد لقاح.

وهذه الأنشطة تتخلل أيضاً جدول أعمال الصحة العمومية الأوسع الرامي إلى تعزيز النظم الصحية وتوسيع نطاق خدمات الرعاية والوقاية المتعلقة بالأمراض المزمنة.

وقد تواصل تحقيق التقدم صوب الأهداف المحددة لمكافحة السلّ عالمياً. وقد بلغ معدل نجاح العلاج 82٪ ولكن كشف الحالات لايزال يشكو التأخير بمعدل 45٪. والحاجة على أشدها في أفريقيا حيث يساعد وباء الأيدز والعدوى بفيروسه على ظهور مرض السلّ من جديد. وعلينا الوصول إلى عدد متزايد من المرضى ومعالجتهم. وهذا يعني اعتماد سياسات المنظمة المتعلقة بالسلّ ذي الصلة بالأيدز والعدوى بفيروسه والمرض المقاوم للأدوية، وتعزيز جودة الخدمات. وإن مكافحة السل لتقتضي منا أن نتحلّى جميعاً بالعزم والمثابرة.

ومازالت الملاريا تفتك بما ينوف عن مليون نسمة كل عام. وتتسبب في سقوط العديد من الملايين الآخرين في براثن الفقر. ونقص الاستثمار في ميدان مكافحة الملاريا قد سارع مقاومة المرض للأدوية وحرم جماهير غفيرة من الحماية الصحيحة من هذا المرض. ومعروف عن توليفة العلاجات القائمة على أساس الأرتيميسينين الجديدة، والناموسيات المعالجة بالمبيدات الحشرية الطويلة المفعول أنها فعّالة جداً. وتدعو الحاجة إلى بذل جهد مكثف لتمويل هذه وغيرها من الموارد القائمة، وإتاحتها واستخدامها على النطاق اللازم. ونحن بصدد إعداد مبادرة استراتيجية هامة لتحقيق هذه الغاية.

ووراء كل مجال تضعف فيه النظم الصحية الوطنية أو العالمية نقص في الموظفين المدربين تدريباً ملائماً. إذ إن المعرفة التي يملكها العمال الصحيّون تغدو هي السند في العمل على إنقاذ الأرواح. وسوف يكرس التقرير الخاص بالصحة في العالم لعام 2006 للموارد البشرية الصحية وسوف تكون هذه الموارد موضوعاً ليوم الصحة العالمي. وتشترك في الإعداد لذلك مجموعة عريضة من الفئات المعنية. وسوف يؤذن التقرير بانطلاق عقد الموارد البشرية الصحية، ويحدد توجهات التصدي لهذا التحدي الكبير عالمياً.

وقد قطعت العلميات التحضيرية كذلك شوطاً كبيراً على صعيد برنامج العمل العام للمدة من 2006 إلى 2015، الذي سيعرض على جمعية الصحة السنة القادمة. وسيتناول النهوض بعافية البشر عن طريق الحصول على الرعاية، ومكافحة الأوبئة، وتحسين نوعية العيش. إن أنماط الأمراض تتغيّر ولكن الأمر واضح اليوم وغدا وضوحه عندما خُطّ دستور المنظمة بأن الصحة "عنصر أساسي لسعادة جميع الشعوب ولتناسق العلاقات بينها ولأمنها".

وإن القضاء على شلل الأطفال يتصدر العناوين من جديد لأن هناك أطفالاً يصابون بالشلل في كل من اليمن وإندونيسيا – وقد كان هذان البلدان خاليين من شلل الأطفال طيلة عقود. وهذا يبرز التحدي العاجل الذي نواجهه في سبيل إنجاز هذا العمل. فأطفالنا جميعاً ليسوا في مأمن إلا أن يتم القضاء المبرم على شلل الأطفال في كل مكان. والخطر الكبير لا يكمن في هذه الحالات القليلة المستوردة بل هو يكمن في البلدان التي يمكن للفيروس أن يواصل انتشاره انطلاقاً منها.

بيد أن الأنباء على ذلك الصعيد سارة. فقد استأنفت نيجيريا حملة التمنيع وتمكنت فعلاً من التقليل من عدد الحالات بنسبة 50٪ منذ السنة الماضية. وتتقدم الهند وباكستان على نفس هذا الدرب وهما على وشك الانتهاء من عملية استئصال هذا المرض. وحالات الفشل التي شهدها هذان البلدان تعالج على جناح السرعة. والذي يعرض عملية القضاء على شلل الأطفال الآن للخطر إنما هو نقص التمويل الذي يتوجب علينا أن نتصدى له بسرعة لتأمين الحماية للأطفال في منطقة القرن الأفريقي وفي غيرها من المناطق التي تسودها مخاطر كبيرة.

سيدتي الرئيسة، أود أن أختتم كلمتي باسترعاء النظر لأكبر خطر معروف يتهدد الصحة ويواجهه العالم اليوم ألا وهو أنفلونزا الطيور. لا يمكن التنبؤ بتوقيت ذلك الخطر ولكن المؤكد هو انتشار هذا المرض بسرعة في العالم بأسره حالماً يظهر فيروس هذا الوباء المحتمل. وهذا خطر جسيم على جميع الناس في كل البلدان. وبوسعنا الحصول على فكرة فيما يتعلق بجسامة الخطر بالاستناد إلى وباء الأنفلونزا الأسبانية لعام 1918، الذي أودى بحياة ما بين عشرين وخمسين مليون نسمة.

وفي ذلك الوقت، لم يتوفر لعلماء الصحة العمومية وعلماء الطب إلمام كافٍ بما كان يحدث إلاّ بعد فوات الأوان. ومن حسن الطالع أننا وجدنا ما يكفي من الوقت – ولانزال نملك ما يكفي منه – للاستعداد لمواجهة الوباء العالمي المقبل، لأن الظروف السانحة لظهوره تبيّنت قبل حدوث الفاشية ذاتها. يجب علينا أن نبذل كل ما في وسعنا لنكون على أقصى درجات ذلك الاستعداد. وحين تحدث الظاهرة تكون استجابتنا لمقتضياتها فورية وشاملة وفعالة.

إن الحلول متوفّرة بالنسبة إلى كل المشاكل الصحية الكبرى المطروحة علينا، لكن لابد لنا من أن نضع تلك الحلول موضع التطبيق. ومهمتنا خلال هذا الأسبوع والأسبوع الذي يليه تتمثل في البتّ في الطرق اللازمة للقيام بذلك. والطاقة والعزيمة المتوفرتان في العالم اليوم كافيتان وزيادة لمواجهة التحديات الماثلة، لكن لابد من أن يكون هناك الاطلاع الجيد. والمعرفة والخبرات متاحة ولكن يجب وضعهما موضع التطبيق. فلنستغل الفرصة التاريخية التي تتاح لنا اليوم استغلالاً كاملاً لتلبية هذه الحاجة المزدوجة.

وشكراً لكم.

شارك