المديرة العامة

يوم الصحة العالمي: نقاش بشأن الأمن الصحي الدولي

الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

سنغافورة
2 نيسان/أبريل 2007

إنّ أيّ كائن غريب يغزو إقليماً ما يتمتع بالسيادة ويفلت من نُظم الإنذار ويفتك بحياة المدنيين ويعطّل الاقتصاد هو خطر يتهدّد الأمن بكل المقاييس. والأمراض الجديدة ليست كلّها من النوع الذي يفتك فتكاً ذريعاً بالناس وليست كلّها معدية أو قادرة على الانتشار على الصعيد الدولي مسبّبة الذعر والهلع. ولكنّ الأمراض التي تحدث ذلك إنّما هي أخطار دولية تتهدّد الأمن الصحي.

إنّنا نعيش في عالم تنشأ الأخطار الصحية فيه نتيجة سرعة الرحلات الجوية وحجمها، ونتيجة للأساليب التي ننتهجها لإنتاج الأغذية وكيفية استخدامنا أو سوء استخدامنا للمضادات الحيوية ومن الطريقة التي نتّبعها لإدارة البيئة.

وهذه الأنشطة تؤثّر جميعاً في أحد أعظم الأخطار التي تتهدّد الأمن الصحي بشكل مباشر ألا وهي فاشيات الأمراض المستجدة والأمراض التي قد تتحوّل إلى أوبئة.

والفاشيات تشكّل أحداثاً صحية عمومية فريدة من نوعها، ذلك أنّها قادرة على التسلّل عبر الحدود دون أن يشعر بها أحد ودون أن يوقفها أحد. ولا يمكن لوسائل الدفاع التقليدية الموجودة على الحدود الوطنية أن تضمن أيّة حماية ضد جرثومة يحتضنها مسافر غير مشتبه فيه أو حشرة تتخفى في إحدى الشحنات.

لقد باتت جميع الدول عرضة للمخاطر. ومواطن الضعف هذه التي يشكو منها العالم تقتضي تهيئة وسائل دفاعية جماعية وتحمّل مسؤولية مشتركة في تفعيل تلك الوسائل.

إنّ الفاشيات أصبحت تشكّل تهديداً أكبر بكثير ممّا كانت تشكّله قبل ثلاثين عاماً فقط. وذلك لسببين اثنين.

أوّلاً، لقد أدّت التغييرات التي طرأت على كيفية استغلال البشر لكوكب الأرض إلى ظهور أمراض جديدة بأعداد لم يسبق لها مثيل. فقد تم، في الحقبة الممتدة بين عامي 1973 و2003 (وهو عام ظهور المتلازمة الرئوية الحادة الوخيمة)، الكشف عن 39 من العوامل الممرضة الجديدة القادرة على إحداث أمراض بشرية.

وقد نالت أسماء البعض من تلك العوامل شهرة كبيرة ومنها الإيبولا والأيدز والعدوى بفيروسه والكائنان المسؤولان عن متلازمة الصدمة السامة وداء الفيالقة. ومن العوامل الأخرى أشكال جديدة من الكوليرا والتهاب السحايا وفيروس هانتا وفيروس هيندرا وفيروس نيباه والفيروس H5N1 المسبّب لإنفلونزا الطيور.

إنّ هذا الاتجاه لا يبعث على التفاؤل على الإطلاق. فهو اتجاه لم يسبق له مثيل في التاريخ ولا شكّ في أنّه سيستمر.

ثانياً، لقد أسهمت الظروف الفريدة من نوعها التي طبعت القرن الحادي والعشرين في تضخيم الطاقة الاستشرائية والمدمّرة للفاشيات. لقد أصبحنا كثيري الحركة. فقد بات بوسع الطائرات نقل نحو مليارين من المسافرين سنوياً. وقد تعلّمنا من تجربة المتلازمة الرئوية الحادة الوخيمة (سارس) كيف يمكن لمرض جديد الانتشار على طول مسارات النقل الجوي الدولي.

إنّ الأسواق المالية أصبحت مترابطة ترابطاً لا فكاك منه. كما أنّ الشركات التجارية باتت تستمد مواردها من جميع أرجاء العالم وتنتهج مبدأ الإنتاج في الوقت المناسب. وتلك الاتجاهات تعني أنّ بإمكان الاختلال الناجم عن فاشية في إحدى مناطق العالم الانتشار عبر النُظم المالية والتجارية العالمية. ولا يخفى عن أحد، أخيراً، أنّ ترابطنا الإلكتروني يسهم في بثّ الخوف والهلع إلى أبعد مكان بسرعة فائقة.

وبسبب تلك العوامل باتت جميع الدول عرضة للخطر- ليس بسبب اجتياح العوامل الممرضة لأراضيها فحسب، وإنّما أيضاً بسبب الصدمات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الفاشيات في مناطق أخرى. بل أنّ بعض الخبراء ذهب بعيداً ليقول إنّه لم يعد ثمة وجود للفاشية "الموضعية". فسيكون هناك دوماً عواقب دولية جرّاء حدوث أيّ مرض فتاك أو مريع أو أيّ مرض ينتشر بسرعة فائقة.

والجانب الإيجابي في هذا الصدد هو أنّ شفافية عالمنا الإلكتروني باتت تحول دون رغبة البلدان في إخفاء الفاشيات التي تحدث فيها. فهناك دائماً من يسرّب الأخبار ويبثّها. فقد كانت التقارير الإعلامية العام الماضي أوّل إنذار فيما يخص أكثر من 52% من الفاشيات التي تحقّقت منظمة الصحة العالمية من صحتها - في ذلك العالم فقط - والبالغ عددها 197 فاشية.

وفي حزيران/يونيو من هذا العام ستدخل اللوائح الصحية الدولية المنقحة حيّز النفاذ. وهذه هي المرّة الأولى التي تحصل فيها منظمة الصحة العالمية على إذن بالتدخل، استناداً إلى تقارير إعلامية، لتطلب من أيّ دولة متضرّرة التحقّق من فاشية وتعرض التعاون عليها. وإذا رفضت الدولة المعنية ذلك العرض يمكن للمنظمة إنذار العالم بحدوث طارئة تثير قلقاً دولياً وذلك باستخدام معلومات غير البلاغات الحكومية الرسمية. وتلك خطوة كبرى لتعزيز أمننا الجماعي.

إنّ أفضل دفاع ضد الأمراض المستجدة والأمراض التي قد تتحوّل إلى أوبئة لا يكمن في نصب الحواجز التي لا تفي بالغرض في الحدود والمطارات والموانئ، بل يكمن في إدارة المخاطر على نحو استباقي، ممّا يقتضي الكشف عن الفاشيات في مراحل مبكّرة ووقفها في المنبع - أي قبل أن تتمكّن من الانتشار لتصبح خطراً دولياً. ونحن الآن في موقع جيد لاتخاذ إجراءات على هذا النحو الوقائي.

لقد ذكرتُ الدور الذي تؤديه التغييرات التي طرأت على طريقة استغلال البشر لكوكب الأرض. وتساعدنا بعض من تلك التغييرات على فهم مختلف أبعاد الأمن الصحي. إنّ التطوّر المستمر يمثّل آلية البقاء التي ينتهجها عالم الجراثيم. والجراثيم التي يمكنها التنسّخ مليون مرّة في اليوم تمتلك الإمكانات اللازمة لانتهاز أيّة فرصة نمنحها إياها للتكيّف والغزو والإفلات من قبضتنا.

والفرص متعددّة. فما فتئت الضغوط الناجمة عن النمو السكاني تدفع بالناس إلى مناطق لم تكن مأهولة من قبل، ممّا يسبّب اختلالاً في التوازن الدقيق بين الجراثيم ومستودعاتها الطبيعية. ويسهم ذلك في تهيئة تربة خصبة للأمراض الجديدة.

ويتسبّب النمو السكاني أيضاً في تقريب الناس من الحيوانات الداجنة، ممّا يخلق ضغوطاً تطوّرية على العوامل الممرضة وفرصاً أمامها كي تجتاز الحاجز القائم بين الأنواع. فقد ظهرت حوالي 75% من مجموع العوامل الممرضة المستجدة القادرة على إصابة البشر في شكل أمراض تصيب الحيوانات في بادئ الأمر.

وقد شجّع التوسّع العمراني الحشرات النواقل على التكيّف مع أماكن تكاثرها. حيث تعلّمت كيف تعيش في أكوام النفايات والقاذورات الحضرية. كما يسهم التكدّس في ظلّ ظروف لا تحترم مبادئ النظافة في تهيئة تربة خصبة لاستفحال أوبئة الأمراض المعروفة، مثل الحمى الصفراء وحمى الضنك.

ويسهم تدهور البيئة وتغيّر الأنماط المناخية في استشراء الأمراض المعروفة في أماكن وفترات زمنية غير متوقّعة لتتسبّب في حالات مرضية بأعداد غير مسبوقة.

كما يتسبّب إنتاج الأغذية بشكل مكثّف، بما في ذلك استخدام المضادات الحيوية لدى الحيوانات، في ظهور ضغوط إضافية على عالم الجراثيم، ممّا يؤدي إلى حدوث طفرات وحالات تكيّف منها مقاومة تلك الجراثيم للأدوية.

ويتسبّب سوء استخدام مضادات الجراثيم لدى البشر في إخفاق الأدوية الأساسية بسرعة تفوق بكثير سرعة استحداث الأدوية البديلة لها. وإذا استمر هذا الاتجاه فيمكننا البدء في تخيّل عالم لن تصبح فيه المضادات الحيوية الأساسية ناجعة كما كانت من قبل. ويجب ألاّ يغيب عن أذهاننا أنّ السلالات الفيروسية والجرثومية المقاومة للأدوية قادرة أيضاً على التنقّل بين الدول بسهولة.

ويركّز يوم الصحة العالمي، المكرّس هذا العام لمسألة الأمن الصحي الدولي، الاهتمام على هذه الأخطار المعقدة والمتداخلة التي تتهدّد أمننا الجماعي.

لقد باتت الأخطار الناجمة عن الأمراض المستجدة والأمراض التي قد تتحوّل إلى أوبئة تتهدّد جميع بلدان هذا العالم الذي أصبح يعجّ بالحركة وأصبحت أجزاؤه متداخلة ومترابطة. وتلك الأخطار إنّما تؤكّد حاجتنا إلى تحمّل مسؤولية مشتركة واتخاذ إجراءات جماعية من أجل التصدي لمواطن الضعف التي يشكو منها العالم وذلك في قطاعات تتجاوز المجال الصحي.

شارك