إسهام الرعاية الصحية الأوّلية في المرامي الإنمائية للألفية
الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية
أصحاب المعالي وزراء الصحة والخارجية، المندوبون الموقرون، السيدات والسادة،
دعوني، أوّلاً وقبل كل شيء، أشكر حكومة الأرجنتين ووزارتها للشؤون الصحية على تنظيم هذا المؤتمر.
إنّ المواضيع التي سيتم النظر فيها تتعلّق بأكثر قضايا الصحة العمومية إلحاحاً اليوم.
فكيف يمكننا تسخير الصحة بأفضل الطرق لدفع عجلة التنمية البشرية، على النحو المبيّن في المرامي الإنمائية للألفية؟
من الواضح أنّه لا بد لنا، إذا أردنا تحسين الصحة لاستخدامها كإحدى استراتيجيات الحد من الفقر، من بلوغ الفئات الفقيرة. ولا بد لنا من القيام بذلك بتوفير رعاية صحية مناسبة وعالية الجودة.
ما الدور الذي يمكن للرعاية الصحية الأوّلية تأديته في هذا الصدد؟
وما هي احتمالات بلوغنا المرامي الإنمائية للألفية ذات الصلة؟
وكيف يمكننا، على وجه التحديد، تذليل العقبات الكبرى، مثل هشاشة النُظم الصحية ونقص العاملين الصحيين ومشكلة تمويل خدمات الرعاية الصحية المقدمة للفئات الفقيرة؟
لقد عكفتم على بحث هذه القضايا طيلة الأيام الثلاثة الماضية، وأنا أتطلع إلى معرفة الاستنتاجات التي خلصتم إليها.
ولقد دعيت، عندما تقلّدت مهام منصبي في مطلع هذا العام، إلى التركيز مجدداً على الرعاية الصحية الأوّلية بوصفها أحد نُهج تعزيز النُظم الصحية.
ومن الواضح أنّ ثمة صلة جد وثيقة بين التجارب والتوصيات الصادرة عن هذا المؤتمر وأوضاع الصحة العمومية اليوم، وذلك داخل البلدان وفيما يخص العمل الذي تضطلع به منظمة الصحة العالمية.
وما يطبع هذا المؤتمر، إلى جانب وثاقة صلة القضايا المعالجة فيه بالصحة العمومية، هو موعده الذي جاء في وقت جد مناسب.
فقد شارفنا الآن من منتصف المدة التي تفصل بيننا وبين عام 2015، وهو العام الذي يكتسي دلالة كبرى وينطوي على عهود كثيرة وردت في إعلان الألفية والمرامي الإنمائية ذات الصلة.
وتمثّل تلك المرامي أكثر الالتزامات التي تعهّد بها المجتمع الدولي طموحاً على الإطلاق.
وسيمكّن بلوغ تلك المرامي من إحداث أكبر تغيير يشهده تاريخ البشرية في حياة الفئات الفقيرة وآفاقها المستقبلية.
وإذا تمكّن المجتمع الدولي من بلوغ تلك المرامي سيتسنى لنا تذليل العقبات القديمة التي تعترض طريق التنمية البشرية والتي طالما ظنّ الكثيرون أنّه لا يمكن تجاوزها، وتلك العقبات هي الفقر والجهل والأمراض وتردّي البيئة وحالات الوفاة المبكّرة الناجمة عن أسباب يمكن توقيها.
هذه هي إمكاناتنا ونحن نتطلّع إلى المستقبل، وهذه فرصة غير مسبوقة أيضاً لبناء عالم أفضل في القرن الحادي والعشرين.
وإذا عدنا إلى الماضي قليلاً لاحظنا أنّنا نقترب من الذكرى الثلاثين لمجموعة أخرى من الالتزامات ألا وهي الالتزامات الواردة في إعلان ألما-آتا.
وقد دعا ذلك الإعلان إلى تعزيز الرعاية الصحية الأوّلية بوصفها الوسيلة التي تمكّن من بلوغ جميع سكان العالم مستوى صحياً مقبولاً. وكانت هذه الفكرة من صميم الحركة الداعية إلى توفير الصحة للجميع.
كما مكّن مبدأ توفير الصحة للجميع، فضلاً عن ندائه المتحمّس الداعي إلى ضمان الإنصاف والعدالة الاجتماعية، من الخوض في معركة سياسية على جبهات ثلاث على الأقل.
فقد سعي ذلك المبدأ، أوّلاً، إلى إدراج الصحة في البرنامج السياسي للتنمية وذلك من أجل تعزيز أهميتها وتحسين مكانتها.
وسعي ذلك المبدأ، ثانياً، إلى توسيع النهج المُتبع إزاء الصحة والابتعاد عن النموذج الطبي الضيّق القائم على الرعاية العلاجية، وذلك من خلال الاعتراف بأهمية الوقاية.
واعترف ذلك المبدأ أيضاً بأنّ للصحة محدّدات ينتمي بعضها إلى قطاعات أخرى غير المجال الصحي.
ويعني ذلك أنّه ينبغي إقامة تعاون بين العديد من القطاعات الحكومية وإيلاء الاهتمام اللازم لآثارها على الصحة.
وفي ذلك الوقت كانت قطاعات مختلفة تعمل بشكل منفصل ومشتّت وفق سلم هرمي يضع الصحة، عادة، في أدنى المرتبات تقريباً.
وبيّن إعلان ألما-آتا، على جبهة سياسية ثالثة، أنّ تحسين صحة السكان من الأمور التي ينبغي أن ترافق وتدعم عملية تحسين الإنتاجية الاقتصادية والاجتماعية، وتتلقى الدعم اللازم منها.
ومن ثمّ أصبح يُنظر إلى الصحة على أنّها أكثر بمراحل من مجرّد واجب سياسي شاق وهاوية سحيقة تبتلع الأموال العامة.
كانت هذه، إذاً، بعض من المعارك السياسية المحيطة بحركة أُطلق عليها اسم العدالة الاجتماعية ومن أجل مصلحة البشرية برمّتها.
السيدات والسادة،
دعوني أسترجع لكم بعضاً من روح تلك الحركة بهذا التصريح المقتطف من الخطبة التي ألقاها أحد أولئك الذين سبقوني في هذا المنصب، وهو الدكتور هالفدان ماهلر، أمام جمعية الصحة العالمية في عام 1979.
وكانت تلك الدورة أوّل دورة تعقدها جمعية الصحة العالمية بعد اعتماد إعلان ألما-آتا.
قال الدكتور ماهلر: "إذا كان الإنسان قد بلغ من الذكاء والبراعة ما مكّنه من بلوغ القمر واستكشاف الكواكب، فلا شكّ في أنّنا قادرون على إيجاد السبيل إلى بلوغ المرامي التي حدّدناها."
وأضاف قائلاً: "لا بد لنا، قبل كل شيء، أن لا نحيد عن هدفنا وأن نتحلى بعزم قوي لتذليل العقبات التي تعترض طريقنا وتكرار المحاولات والتعلّم من أخطائنا وعدم الاستسلام للإحباط عندما تكون وتيرة التقدم أقلّ ممّا نود."
وكما لاحظ الدكتور ماهلر كان التقدم المحرز في تحسين صحة الفقراء وردم الفجوات الكبرى القائمة في مجال الحصائل الصحية أبطأ ممّا كنا نود.
غير أنّ مبدأ توفير الصحة للجميع مهّد الطريق أمام مرام أكثر طموحاً تم اعتمادها في مطلع هذا القرن. لقد تكلّلت المعارك السياسية الثلاث بالنجاح، وذلك النجاح يتجسّد في المرامي الإنمائية للألفية.
فتلك المرامي تعمد، أوّلاً، إلى وضع الصحة، بشكل صارم، في صميم البرنامج الإنمائي.
وتعمد، ثانياً، إلى جعل التعاون بين القطاعات شرطاً مسبقاً لإحراز النجاح. فهي تعالج الأسباب الرئيسية التي تقف وراء الفقر وتقرّ بالتفاعل الموجود بين تلك الأسباب.
وبتحسين الصحة لاستخدامها كإحدى استراتيجيات الحد من الفقر تسعى المرامي، ثالثاً، إلى نقل القطاع الصحي من مجرّد قطاع يستهلك الموارد إلى قطاع يعود بمكاسب اقتصادية.
ومن ثمّ يمكن النظر إلى المرامي الإنمائية للألفية على أنّها إرث آخر لحركة توفير الصحة للجميع والإعلان الذي أطلق تلك الحركة.
والاستمرارية واضحة وضوح الشمس. فكلتا الوثيقتين تنطوي على رؤى ومرام طموحة. وكلتاهما تدعو إلى تحديد قيم بشرية أساسية.
وكلتاهما تعرب عن الاقتناع بضرورة تغيير العالم، وإمكانية إحداث ذلك التغيير، علماً بأنّه ذلك مسؤولية مشتركة بين جميع الدول.
وكلتا الوثيقتين تعارض المجتمع القائم على مبدأ الاستئساد، حيث لا يُكتب البقاء إلاً للأقوى.
وكلتاهما تركّز على أكثر الفئات استبعاداً واستضعافاً. وتسعى إلى تمكين تلك الفئات من البقاء على قيد الحياة وإبراز إمكاناتها البشرية.
والأهمّ من ذلك كلّه أنّ كلتا الوثيقتين تعالج أساساً مسألة الإنصاف. ولا ينبغي أن يُحرم أيّ شخص من فرص تطوير إمكاناته البشرية لأسباب غير عادلة، بما في ذلك لأسباب اقتصادية أو اجتماعية.
السيدات والسادة،
لقد عدنا إلى نقطة الانطلاق. فأمامنا، مجدداً، مهمة عاجلة ينبغي لنا خوضها من أجل بلوغ مرام طموحة في موعد محدّد.
وها نحن نسعى جاهدين، مجدداً، إلى توفير خدمات الرعاية الصحية الأساسية بشكل منصف وشامل.
وها نحن مجبرون، مجدداً، على إصدار النداء الإنساني نفسه: كيف يمكننا، أخلاقياً، ترك هذه الأعداد الكبيرة من الناس تعاني وتموت جرّاء أسباب يمكن توقيها وعلاجها بسهولة؟ غير أنّ ثمة اختلافاً بين الأوضاع السائدة اليوم وتلك التي كانت سائدة في عام 1978. فنحن نشرع في أعمالنا من مستوى أعلى وعلى أرضية ممهّدة بفضل الكفاح من أجل توفير الصحة للجميع.
ولزملائنا الذين يعملون في مجال الصحة العمومية من الأسباب الوجيهة الكثيرة التي تدعوهم إلى التفاؤل.
فقد أصبح القطاع الصحي يحظى بدعم عدد من الشراكات والمؤسسات والوكالات التي تعكف على تنفيذ برامج في البلدان، وهذا العدد لم يُعهد من قبل.
وقد بات ميدان الصحة يستقطب عدداً من الجهات الفاعلة يفوق جميع ما تستقطبه القطاعات الأخرى.
كما لا يزال عدد آليات التمويل الابتكارية في نمو مستمر، شأنه شأن حجم الموارد التي تتحكّم فيها تلك الآليات.
والمعروف أنّ هناك من الاحتياجات ما سيظلّ دون تلبية، ولكنّ القطاع الصحي لم يحظ قط بهذا القدر من الاهتمام ولم يستفد على الإطلاق بهذا القدر من الثروة.
غير أنّنا لا نزال متأخّرين عن الركب على الرغم من هذا الالتزام والزخم غير المسبوقين.
ونحن نحاول، من جهة، تدارك العجز الذي تراكم طيلة سنوات بسبب عدم الاستثمار بشكل كاف في البنى التحتية للصحة العمومية.
والأهمّ من ذلك أنّنا نكافح من أجل التصدي لتحديات ما فتئت تزداد تعقيداً.
إنّ العالم لم يكن يواجه الأيدز والعدوى بفيروسه في عام 1978. ومنذ ذلك العام عادت كثير من الأمراض، منها السل والملاريا، إلى الظهور بضراوة.
وقد تسبّبت العولمة، فضلاً عن التوسّع العمراني السريع والعشوائي، في ظهور مشاكل جديدة والزيادة من حدة مشاكل أخرى.
وباتت الأمراض الجديدة تظهر الآن بمعدلات غير مسبوقة، أي بمتوسط مرض واحد في العام.
كما تشهد كثير من البلدان النامية تفاقماً في عبء المرض، في الوقت الذي يفقد فيه قطاع الصحة العمومية قدرته على التصدي للأوضاع السائدة.
وقد أسهمت عولمة سوق العمل في هجرة العاملين الصحيين بأعداد كبيرة من البلدان التي استثمرت في تدريبهم.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى ضرورة التعجيل بتوفير 4 ملايين عامل صحي لسدّ الاحتياجات الأساسية من الرعاية الصحية في أكثر من ربع بلدان العالم.
وقد غيّرت الأمراض المزمنة، التي طالما ظنّ الكثيرون أنّها مقصورة على المجتمعات الراقية، أماكن انتشارها. فقد أصبحت البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل تنوء بأفدح عبء جرّاء تلك الأمراض.
وأدّت زيادة الأمراض المزمنة إلى فرض عبء فادح إضافي على النُظم الصحية.
كما يمكن أن تكون تكاليف علاج تلك الأمراض مأساوية بالنسبة للأسر المملقة، ممّا يؤدي إلى ارتكاسها في حمأة الفقر.
والجدير بالذكر أنّ الكثير من فقراء العالم البالغ عددهم 3ر1 مليار نسمة لا يستفيدون بعد من التدخلات الصحية الأساسية بسبب هشاشة نُظم تمويل الرعاية الصحية.
والملاحظ أنّ الفجوات القائمة في الحصائل الصحية تزدادا اتساعاً نتيجة هذه الاتجاهات. ومن غير المؤكّد تماماً أنّنا سنتمكّن من بلوغ المرامي الإنمائية للألفية ذات الصلة بالصحة.
السيدات والسادة،
إنّنا نواجه معضلة كبيرة. فقطاع الصحة العمومية يمتلك تدخلات فعالة واستراتيجيات تنفيذية أثبتت فاعليتها ومصادر جديدة يمكنها توفير موارد مالية جمّة.
وقد بلغ التزامنا مستوى غير مسبوق.
بيد أنّنا لا نستطيع بعد إتاحة خدمات الرعاية الصحية المستدامة والمنصفة والشاملة بقدر كاف للفئات التي لا تستفيد منها.
وكما قلت سابقاً، إذا أردنا تحسين الصحة لاستخدامها كإحدى استراتيجيات الحد من الفقر، لا بد لنا من بلوغ الفئات الفقيرة. وهنا تزل بنا الأقدام.
لقد شاهدنا، في السنوات العشر الماضية، نمواً ضخماً في عدد الشراكات والمبادرات التي تعكف على تنفيذ البرامج في البلدان.
وتلك المبادرات تركّز على توفير حصائل صحية محدّدة، علماً بأنّ بلوغ الحصائل الصحية يعتمد على مدى وفاء النظام الصحي بالغرض. غير أنّ تعزيز النُظم الصحية لا يُعد، إلاّ في حالات نادرة، أحد الأغراض الأساسية التي تنشدها تلك المبادرات.
وهذه هي العقبة التي تحول دون استكمال هذا الزخم الذي يأتي في وقت مناسب. فالنُظم الصحية ليست قادرة على توفير التدخلات بالدرجة اللازمة لأولئك الذين هم بحاجة إليها.
وليس هذا هو رأي منظمة الصحة العالمية وحدها.
ففي عام 2005، أصدر ت فرقة عمل تابعة لمشروع الألفية تقييمها بخصوص آفاق تحقيق المرامي المتعلقة بصحة الأم والطفل.
"لقد بات النظام الصحي الذي ينبغي له توفير التدخلات وإتاحتها وضمان استخدامها يواجه أزمة في الوقت الراهن. ولا يمكن إحداث الأثر اللازم لبلوغ المرامي إلاّ بإدخال تغيّر جذري على الطريقة التي تنتهجها الأوساط المعنية بالصحة العالمية والتنمية للتفكير في النُظم الصحية ومعالجتها."
دعونا نلق نظرة على الواقع.
إنّ غياب نُظم التوصيل ونقص العاملين الصحيين يمثّل أكبر العقبات التي تعترض سبيل التغطية العالمية بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية واللازمة لعلاج الأيدز والعدوى بفيروسه.
ولن تنخفض أعداد وفيات الأمومة حتى يتسنى لمزيد من الحوامل الاستفادة من خدمات قابلات حاذقات وخدمات الرعاية التوليدية الطارئة.
كما لن تنخفض وفيات الأطفال الناجمة عن أسباب يمكن توقيها حتى تصل خدمات الرعاية الطارئة إلى الولدان والأطفال الذين يعانون من حالات العدوى التنفسية الحادة. ويعتمد تخفيض معدلات المراضة والوفاة الناجمة عن الملاريا على توفير التدخلات اللازمة للفئات السكانية التي يصعب الوصول إليها.
وعندما تكون أعداد العاملين الصحيين غير كافية تبوء عمليات علاج السل تحت الإشراف المباشر بالفشل، ممّا يسهم في ظهور مقاومة الجراثيم للأدوية، بما في ذلك السل الشديد المقاومة للأدوية.
السيدات والسادة،
عندما أفكّر في هذه المعضلة يتبادر استنتاجان إلى ذهني.
فأنا أرى، أوّلا، أنّ عالمنا ربّما لم يشهد في تاريخه قط هذا القدر من اللاتوازن. فلم يسبق لنا على الإطلاق حيازة هذه الترسانة المعقدة من التكنولوجيات لعلاج الأمراض وتمديد الحياة.
غير أنّ الفجوات القائمة في مجال الحصائل الصحة ما فتئت تزيد اتساعاً. فالفارق في متوسط العمر المأمول قد يبلغ نحو 40 سنة بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة. وهذا أمر لا يمكن قبوله.
وتشير التقديرات إلى أنّ هناك 5ر10 ملايين من الأطفال دون سن الخامسة ممّن يقضون نحبهم كل عام. والجدير بالذكر أنّ من الممكن توقي ما لا يقلّ عن 60% من تلك الوفيات باتخاذ بعض التدابير غير المكّلفة. وهذا ليس من العدل في شيء.
وليس من العدل في شيء أيضاً أنّ أكثر من مليون نسمة لا يزالون يتوفون كل عام بسبب مرض يمكن توقيه بسهولة كالملاريا.
وأنا متأكّدة أنّ الدكتور ماهلر ليس له إلاّ أن يوافقني في هذا الصدد. فبإمكان العالم القادر على إرسال شخص إلى القمر توفير الناموسيات لمزيد من الأطفال.
أمّا الاستنتاج الثاني الذي خلصت إليه فهو يتعلّق مباشرة بموضوع هذا المؤتمر. فأنا لا أظنّ أنّنا سنتمكّن من بلوغ المرامي الإنمائية للألفية إلاّ إذا عدنا إلى قيم الرعاية الصحية الأوّلية ومبادئها ونُهجها.
وها نحن عدنا، ثانية، إلى نقطة الانطلاق.
إنّ التجربة التي اكتسبناها طيلة عقود من الزمن توحي لنا بأنّ الرعاية الصحية الأوّلية هي أفضل السُبل إلى توفير العلاج للجميع، وأفضل الطرق إلى ضمان إدخال التحسينات المستدامة على الحصائل الصحية، وأفضل الوسائل لضمان العدالة في الحصول على خدمات الرعاية الصحية.
وأوّد، بعد هذا القول، أن أثني على منظمة الصحة للبلدان الأمريكية والدول الأعضاء فيها على التزامها الدائم بتوفير خدمات الرعاية الصحية الأوّلية.
السيدات والسادة،
أود أن أقترح أربعة مبادئ يمكننا الاسترشاد بها لدى استكشافنا سُبل توفير خدمات الرعاية الصحية الشاملة والعادلة والنظر في مدى إسهام الرعاية الصحية الأوّلية في ذلك. لا بد لنا، أوّلاً، من الحفاظ على التزامنا وعزمنا والحفاظ، قبل كل شيء، على شعورنا بضرورة التعجيل بالأمور. ويجب، كما قال الدكتور ماهلر قبل 30 عاماً تقريباً، أن يكون عزمنا في أوجه. كما يجب علينا أن نرفض فكرة الانهزام.
وهناك أمر مماثل حدث قبل بضعة أسابيع ذكّرنا بالطابع العاجل الذي تتسم به مهمتنا، وذلك عندما ألقى غوردون براون، رئيس الوزراء الجديد بالمملكة المتحدة، خطبته الأولى أمام الأمم المتحدة.
لقد أعرب السيد براون، في تلك الخطبة، عن المخاوف التي تساوره حيال ضآلة التقدم المحرز في تحقيق المرامي الإنمائية للألفية.
وقال في هذا الصدد "لقد حان الوقت لتسمية الأشياء بأسمائها: طوارئ إنمائية في حاجة إلى إجراءات طارئة."
إنّني أوافقه الرأي تماماً. فهذه حالة طوارئ بالفعل. وقد حان الوقت لنا فعلاً، بمقتضى الدور القيادي المنوط بنا في مجال الصحة، لاتخاذ الإجراءات اللازمة بدون كلل أو ملل وبالعمل ليلاً ونهاراً.
ولا بد لنا، ثانياً، من مساءلة ساسّة بلداننا على العهود التي قطعوها على أنفسهم، سواء أمام الأشخاص الذين انتخبوهم أو في مؤتمرات القمة الدولية. فلا ينبغي خيانة العهود. وإذا أردنا أن يقطع الساسّة العهود المناسبة على أنفسهم ويوفون بها يجب علينا، ثالثاً، توفير البيّنات القاطعة. فالبيّنات تعطي المبرّرات الصحية قوة الإقناع على المستوى السياسي.
إنّ الرعاية الصحية الأوّلية ليست أمراً زهيد الثمن. ولا يجب للحكومات اعتبارها وسيلة غير مكلّفة لتنفيذ مهمتها المتمثّلة في حماية مواطنيها من المخاطر والأخطار المحدقة بالصحة.
نحن في حاجة إلى مجموعة من البيّنات لإظهار التكاليف والمنافع وأفضل الممارسات والتدخلات التي تفي بالغرض في حالات معيّنة وتأثير تلك التدخلات في الحصائل الصحية.
ونحن في حاجة أيضاً إلى إثباتات لتقييم البرامج والتقدم المحرز. وكما قلت سابقاً ما يمكننا قياسه يمكننا فعله.
ولا يجب علينا، أبداُ، التقليل من شأن الإبداع البشري. فهذه الطاقة تواكب العزيمة الماضية على بلوغ المرمى المحدّد.
ومن الأمثلة على ذلك إسهام العزم على بلوغ المرامي الإنمائية للألفية في استحداث آليات تمويل ابتكارية.
وقد شاهدنا، في السنوات القليلة الماضية، إطلاق مشروع "يونيتايد"، وهو مرفق لشراء الأدوية يجلب إيرادات من رسوم تُفرض على تذاكر الرحلات الجوية.
كما شاهدنا إطلاق المرفق الدولي لتمويل أنشطة التمنيع. ويرمي هذا المرفق، استناداً إلى أسلوب يُستخدم في الأسواق المالية، إلى حشد 4 مليارات دولار أمريكي للتمكّن، بحلول عام 2015، من تمويل عمليات تمنيع 500 مليون طفل.
ودعوني أقلها ثانية، إنّ بإمكاننا تحقيق أمور هائلة على نطاق شاسع.
وأرى، في ملاحظتي الأخيرة، أنّه يجب علينا، عندما نتحدّث عن الرعاية الصحية الأوّلية، أن نقرّ أيضاً بالبراعة الهائلة التي تنكشف عن المجتمعات المحلية.
إنّ الطبيعة البشرية تنطوي على بعض العوامل المشتركة التي تتجاوز الفوارق الخاصة بمكان الإقامة والانتماء العرقي والديني والثقافي.
فمن السمات المشتركة بين البشر العطف على الآخرين ومساعدتهم للتخفيف من معاناتهم . ومن السمات المشتركة الأخرى التطلع إلى حياة أفضل.
ونحن نشاهد، يوماً بعد يوم، كيف تتمكّن المجتمعات المحلية، عندما تُمنح الفرص التي تريدها والبرامج التي يمكنها التحكّم فيها، من توجيه حياتها على النحو الذي تشتهيه. فتلك المجتمعات قادرة، إذا ما قُدمت لها يد المساعدة، على إخراج نفسها من حلقة الفقر وتحسين صحتها.
ونحن نلاحظ ذلك في مخططات التمويل الصغري لخدمة النساء. ونلاحظ ذلك أيضاً في البرامج التي يمكن فيها للمجتمعات المحلية النهوض بمهمة الكشف عن الأمراض وتوزيع الأدوية والتي تمكّن من إدخال تحسينات صحية مستدامة.
السيدات والسادة،
إنّ هذا كلّه يدخل ضمن طبيعتنا البشرية التي تجمع بيننا، على النحو المبيّن في إعلان الألفية. إنّها سمات العطف والإلهام والطموح والإبداع المشتركة بيننا.
إنّ الطبيعة البشرية التي تجمع بيننا تدفعنا إلى الاعتناء بالآخرين. وذلك ما يجبرنا على التدخل بشكل عاجل لمواجهة حالات الطوارئ. وذلك ما يجلب لنا مكاسب جمة في مضمار العدالة الاجتماعية.
وشكراً لكم