المديرة العامة

كلمة أمام اللجنة الإقليمية لأفريقيا

الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

اللجنة الإقليمية لأفريقيا، الدورة السابعة والخمسون
برازافيل، جمهورية الكونغو

27 آب/أغسطس 2007

سعادة السيد مفوبا، رئيس وزراء جمهورية الكونغو، معالي الوزير راوول، جمهورية الكونغون، معالي الوزير تيدروس ييزوس، رئيس الدورة السادسة والخمسين للجنة الإقليمية، معالي الدكتور سامبو، ممثّل الاتحاد الأفريقي، معالي الوزراء، سعادات ممثّلي السلك الدبلوماسي، المندوبون الموقرون، الزملاء من أسرة الأمم المتحدة، السيدات والسادة،

في شهر نيسان/أبريل من هذا العام اعتمد وزراء الصحة التابعون لبلدان هذه القارة، في الاجتماع الذي عقدوه بقيادة الاتحاد الأفريقي، أوّل استراتيجية صحية للإقليم الأفريقي كافة.

إنّني أرحّب بهذه الاستراتيجية وأمنحها دعمي التام.

إنّها استراتيجية ذات رؤية مستقبلية تمتد إلى عام 2015، وهو العام الذي يكتسي دلالة كبرى وينطوي على عهود كثيرة وردت في إعلان الألفية والمرامي الإنمائية ذات الصلة.

إنّها استراتيجية شاملة تضمن التماسك والوحدة للقيادات الصحية في أفريقيا.

وعلى الرغم من تنوّع البلدان الأفريقية واختلاف ثقافاتها، فإنّ هذه الاستراتيجية تقرّ بوجود مشاكل واحتياجات مشتركة وتقرّ أيضاً بالمنافع التي يمكن جنيها باتباع نهج مشترك.

والأهمّ من ذلك هو أنّ الاستراتيجية توجه رسالة قوية إلى الوكالات المنفذة وشركاء التنمية وهي أنّ الدعم الخارجي من الأمور اللازمة والمستحبة، ولكنّ أفريقيا تنهض بأعبائها فعلاً.

وما سمعته تكراراً هو أنّ القادة الأفارقة يعرفون جيداً المشاكل الصحية التي تعانيها شعوبهم.

إنّكم تعرفون الحلول أيضاً، وتلك الحلول يجري وضعها في عدد متزايد من الخطط والاستراتيجيات الصحية الوطنية.

إنّكم تعملون على تهيئة الظروف المناسبة للتنمية الصحية.

والتزامكم ينبع من إدراك تام للعقاب القائمة في أفريقيا والتي يرتبط الكثير منها بعوامل تاريخية وجغرافية ومناخية وإيكولوجية تسهم في انتشار العوامل الممرضة ونواقلها.

إنّكم تعرفون كذلك العقبات التي تنشأ خارج الحدود الأفريقية.

دعوني أذكر القليل منها فقط. إنّ المعونة الدولية لا تعطي دوماً نتائج فعالة، كما أنّ العهود لا تُوفى في بعض الأحيان.

وهناك العديد من المبادرات الجيدة التي تُترك عندما تتغيّر مصالح الجهات المانحة. وقد أصبحت أفريقيا مغمورة ببقايا مشاريع التنمية التي باءت بالفشل.

وقد يكون التمويل من العمليات التي لا يمكن التنبؤ بها أو التي تدوم فترة قصيرة، ممّا يصعّب إطلاق خطط على المدى الطويل أو يجعل ذلك من الأمور التي يتعذّر فعلها.

والمعروف أنّ تكاليف الصفقات باتت مرتفعة، شأنها شأن طلبات إبلاغ الشركاء المتعدّدين. كما أنّ المناطق الصحية أصبحت مكتظة بالناس.

ويتم الأخذ بنُظم موازية لتوصيل طائفة محدودة من التدخلات في الوقت الذي بات فيه توفير خدمات الرعاية الأساسية الشاملة يمثّل أشدّ الاحتياجات.

وقد تُترك النُهج الوقائية على الهامش.

ويتم تفويت الفرص لتحقيق الكفاءة التشغيلية. وهناك أمراض مترابطة يتم تدبيرها في إطار مبادرات منفصلة. كما تتولى مبادرات عدة تدبير مرض واحد، وتستخدم لهذا الغرض استراتيجيات وأدوية مختلفة.

وقد شهدت قدرة النظام الصحي على التصدي للأمراض تضاؤلاً في الوقت الذي يتزايد فيه عبء تلك الأمراض. والعاملون الصحية الذين استفادوا من التدريب في بلدانكم يُوظفون الآن في بلدان أخرى.

ولم يعد عدد أولئك العاملين كافياً لسدّ أدنى الاحتياجات الأساسية من الرعاية الصحية.

والنُظم الصحية في تدهور الآن عقب العجز الذي تراكم طيلة عقود بسبب عدم الاستثمار في البنى التحتية الأساسية.

وهناك حاجة ماسّة إلى تحسين الأدوية وتوفير اللقاحات الجديدة لعلاج بعض الأمراض التي تصيب القارة الأفريقية بشكل مفرط، غير أنّ حوافز البحث والتطوير موجهة نحو أسواق يمكنها دفع تكاليف تلك الأدوية واللقاحات.

وعندما يُنظر إلى تلك المشاكل جميعاً، فإنّ من غير المفاجئ أن يتضاءل عدد البلدان الأفريقية التي هي على الطريق إلى بلوغ المرامي الإنمائية لألفية. وعلى الرغم من هذه الصورة البائسة، فإنّ القيادات الصحية الأفريقية مقتنعة بإمكانية تذليل هذه العقبات. وهذا الوضع ليس قدراً محتوماً، فمن الممكن تغييره، كما قلتم.

ونحن نشاهد مؤشرات على النجاح سأعود إليه فيما بعد.

إنّني أتفق تماماً معكم. فمن الممكن تذليل العقبات التي تقف في طريق التنمية الصحية في أفريقيا، بل لا بد من تذليلها. ويجب القيام بذلك في أسرع وقت ممكن.

إنّ أفريقيا تتحمّل الوزر الأثقل فيما يخص الأمراض والبؤس والوفيات المبكّرة. وكثير من تلك المعاناة لا داعي لها.

وثمة تدخلات فعالة وميسورة التكلفة لتوقي أو علاج معظم أسباب اعتلال الصحة التي تحدق بأفريقيا.

إنّ هذا يمثّل أعظم ظلم اجتماعي وواجباً أخلاقياً يقتضي اتخاذ إجراءات عاجلة.

السيد الرئيس،

إنّنا في أوقات تكتسي دلالة كبرى بالنسبة لأفريقيا. فقد شارفنا الآن من منتصف المدة التي تفصل بيننا وبين عام 2015.

وتمثّل المرامي الإنمائية للألفية أكثر الالتزامات التي تعهّد بها المجتمع الدولي طموحاً على الإطلاق. فتلك المرامي تعالج أسباب الفقر في جذورها وتقرّ بتفاعل تلك الأسباب.

وتقرّ تلك المرامي بأنّ الفقر والصحة وثيقا الصحة ببعضهما البعض ويؤثّر كل منهما في الآخر.

إنّ الفقر يسهم في اعتلال الصحة، واعتلال الصحة يرمي بالناس في هاوية الفقر. غير أنّ تحسين الصحة يمكّنهم من الخروج من تلك الهاوية وإنفاق دخل أسرهم على أشياء أخرى غير المرض.

والأهمّ من ذلك هو أنّ تلك المرامي تدعم الصحة بوصفها الدافع الرئيسي لعجلة التقدم الاقتصادي والاجتماعي، فقد تم رفع الدور الذي تؤديه الصحة بشكل لم يسبق له مثيل.

والصحة لم تعد تمثّل مجرّد قطاع يستهلك الموارد، بل قطاعاً يعود بمكاسب اقتصادية.

وهذا التغيير في طريقة التفكير يتجلى، بشكل مطرد، في النُهج الدولية إزاء الصحة والتنمية.

وفي الخامس من أيلول/سبتمبر سنرى مثالا بارزاً على هذا التغيير في طريقة التفكير.

فستشنّ المملكة المتحدة، بالتعاون مع النرويج وألمانيا وكندا ومنظمة الصحة العالمية وسائر الوكالات الرئيسية الساعية إلى تحسين الصحة، مبادرة جديدة تنطوي على مجموعة جديدة من الالتزامات.

والغرض من تلك المبادرة هو ضمان تسخير الموارد بمزيد من الفعالية من أجل تحسين الحصائل الصحية، والعمل على معالجة الكثير من المشاكل التي ذكرتها من قبل والتي تنشأ عندما لا يمكن التنبؤ بالمعونة وتنسيقها وتثبيتها في مكان معيّن.

وتحترم المبادرة الحاجة إلى تمويل مرن على المدى الطويل، كما تحترم الحاجة إلى دعم الخطط التي ترعاها البلدان. وسيتم إدراج عدة بلدان أفريقية في جولة التنفيذ الأولى. دعوني أستشهد بأحد المبادئ التوجيهية: "لا يمكن الحد من الظلم المدمّر المتصل بالفقر العالمي على نحو أفضل من العمل على تحسين صحة الشعوب."

فماذا يعني ذلك كله بالنسبة لصحة الشعوب الأفريقية؟

أوّلا، إنّ الفقر مدمّر فعلاً، وهو أمر لا يمكن قبوله أيضاً.

والمعروف أنّ المرامي الإنمائية للألفية تقوم على روح التضامن ومبدأ العدل الأخلاقي.

وكما جاء في إعلان الألفية: "من حق الذين يعانون، أو الذين هم أقل المستفيدين، أن يحصلوا على العون من أكبر المستفيدين."

وقد مكّنت روح التضامن هذه، هي والالتزام بضمان العدل، من وضع احتياجات أفريقيا الصحية في صميم البرنامج الإنمائي.

والجدير بالذكر أنّ بلوغ المرامي الإنمائية للألفية سيعود على أفريقيا بمنافع تفوق بمراحل ما ستجنيه جميع مناطق العالم الأخرى من منافع.

والنتيجة الثانية هي اضطرار المجتمع الدولي، بسبب ما ساوره من قلق حيال تباطؤ التقدم المحرز، في أفريقيا بوجه خاص، إلى إلقاء نظرة جدية إلى الأسباب الكامنة وراء ذلك التباطؤ.

وفي السنوات العشر الأخيرة فقط شهدت أوضاع الصحية العمومية تغيّراً ملحوظاً.

فهذه هي المرّة الأولى التي حصلنا فيها على التزام سياسي وأموال من مصادر جديدة وتدخلات قوية واستراتيجيات أثبتت فعاليتها في تنفيذ تلك التدخلات.

وبالنظر إلى هذا القسط من الدعم الذي نستفيد منه يمكننا، أخيراً، تحديد الأمور التي تسهم في تباطئنا. و النُظم الصحية هي المجال الذي ما زلنا نتعثّر فيه.

إنّنا غير قادرين على توصيل التدخلات الأساسية بالقدر الكافي إلى أولئك الذين هم في أمسّ الحاجة إليها.

والمعروف أنّ جزءاً من المشكلة مردّه عدم الاستثمار، طيلة عقود كاملة، في البنى التحتية للصحة العمومية في جميع مناطق العام تقريباً.

غير أنّنا نواجه معضلة أخرى. فقد شاهدنا، في السنوات العشر الماضية، نمواً ضخماً في عدد الشراكات والمبادرات التي تعكف على تنفيذ البرامج في البلدان.

وتلك المبادرات تركّز على توفير حصائل صحية محدّدة وذلك لعلاج مرض واحد في كثير من الأحيان.

والقدرة على بلوغ الحصائل الصحية يعتمد على مدى وفاء النظام الصحي بالغرض. غير أنّ تعزيز النُظم الصحية لا يُعد، إلاّ في حالات نادرة، أحد الأغراض الأساسية التي تنشدها تلك المبادرات.

وهذه هي العقبة التي تحول دون استكمال ما نراه ونرحّب به من التزام وتمويل وزخم. فعدم كفاية نُظم التوصيل والعاملين الصحيين من الأمور التي باتت تسدّ الطريق أمام إحراز التقدم في هذا المجال.

دعوني أستطرد قليلاً في خلاصتي هذه.

فأنا لا أظنّ أنّنا سنتمكّن من بلوغ المرامي الإنمائية للألفية إلاّ إذا عدنا إلى قيم الرعاية الصحية الأوّلية ومبادئها ونُهجها.

السيد الرئيس،

إنّ نقص التقدم في أفريقيا لا يقتضي، كما لاحظ بعض قادة العالم في الآونة الأخيرة، إصدار نداء من أجل اتخاذ إجراءات عاجلة فحسب، بل هو يمثّل طارئة إنمائية.

إنّني متفقة تماماً معكم. فهذا النقص يمثّل فعلاً حالة طارئة.

لقد حان الوقت لنا جميعاً، باعتبارنا الجهات المنوطة بدور قيادي في مجال الصحة، لبذل جهود دؤوبة ليلاً ونهاراً.

إنّ بناء النُظم الصحية وتدريب العاملين يستغرق بعض الوقت. لكن يجب علينا إيجاد السُبل المناسبة للمضي قدماً على الرغم من هذه المشاكل.

إنّنا لا نملك متسّعاً من الوقت للبدء من الأساس. فلا يمكننا تحمّل البدايات الخاطئة أو الفشل أو التبديد.

لا بد لنا من استخدام التدخلات القائمة لبلوغ أقصى قدر من الميزة الاستراتيجية والاستمرار، في الوقت ذاته، في إجراء البحوث لاكتشاف وسائل جديدة.

لا بد لنا من إيجاد السُبل المناسبة لتحاشي المشاكل الناجمة عن نُظم التوصيل الهشّة ونقص العاملين والسعي،في الوقت ذاته، إلى إدخال تحسينات مستدامة. وذلك يعني أيضاً، في أفريقيا، استخدام الطب التقليدي (الشعبي) وممارسيه بطرق أكثر فعالية ومنهجية.

ولا بد لنا من الاستمرار في تعزيز أنشطة الوقاية والعلاج والرعاية فيما يخص الأيدز والعدوى بفيروسه والسل والملاريا.

ولا بد لنا، في الوقت ذاته، من البحث عن سُبل إدراج تلك الأنشطة في الخدمات الصحية العامة وجعلها تتماشى مع مبادئ الرعاية الصحية الأوّلية.

والأهمّ من ذلك كله هو أنّه لا بد لنا من اغتنام كل الفرص المتاحة لتحسين كفاءتنا التشغيلية. ودعوني أقترح بعض الاستراتيجيات للقيام بذلك.

أوّلاً، التدبير العلاجي المتكامل للأمراض المترابطة. من الأمثلة الجيدة على ذلك استراتيجية منظمة الصحة العالمية للتدبير العلاجي المتكامل لأمراض الطفولة، كما ورد في الاستراتيجية الصحية الأفريقية.

ويقرّ هذا النهج بأنّ معظم وفيات الأطفال ناجمة عن مجموعة من الأسباب التي يمكن توقيها بمجموعة من التدخلات العالية المردود.

ويعالج هذا النهج تلك الأسباب، بما في ذلك سوء التغذية، بطريقة متكاملة وباستخدام بروتوكولات علاجية موحدة. وهو يمكّن من إيتاء خدمات من المعدل الأوّل في مجال الرعاية السريرية في إطار صحي عمومي ووفق مبادئ الرعاية الصحية الأوّلية.

وهذا مثال ثان. لقد أطلقت منظمة الصحة العالمية، العام الماضي، استراتيجية متكاملة للتدبير العلاجي لعدة من أمراض المناطق المدارية المهملة، التي تصيب بشكل مفرط أشدّ الفئات فقراً في أفريقيا.

ولدينا الآن، بدلاً من مجموعة من آحاد البرامج المنفصلة عن بعضها البعض، استراتيجية موحدة ومتكاملة تمكّن من تيسير عملية توزيع الأدوية والحد من الازدواجية وتخفيض بعض من الطلبات على النُظم الصحية والعاملين الصحيين.

ثانياً، التدبير العلاجي لآحاد الأمراض وفق نهج موحد. إنّنا نعلم حالات الفوضى والتبديد التي تظهر عندما تسعى جهات شريكة متعدّدة إلى معالجة المرض نفسه باستخدام نُهج وأدوية متعدّدة.

والاستراتيجية التقنية الواضحة، والمسندة بالبيّنات، هي أكثر السُبل إقناعاً لتوحيد الشركاء في نهج متسق.

وقد تم الاضطلاع بذلك في إطار مبدأ "العناصر الثلاثة" فيما يخص الأيدز والعدوى بفيروسه وفي إطار استراتيجية المعالجة القصيرة الأمد تحت الإشراف المباشر فيما يخص السل.

ويتم الاضطلاع بذلك، أخيراً، فيما يخص الملاريا.

وفي مطلع العام الماضي أصدرت منظمة الصحة العالمية إرشادات سياسية واضحة بشأن استخدام المعالجات التوليفية التي تحتوي على مادة الارتيميسينين، وألحّت على دوائر الصناعة بضرورة سحب المعالجات الأحادية الدواء من السوق.

كما أعطت المنظمة إذنها باستخدام مادة الدي دي تي لأغراض الرشّ الثمالي داخل المباني.

وقد أنهت المنظمة، قبل عشرة أيام فقط، نقاشاً حول أفضل السُبل لتوزيع الناموسيات المعالجة بمبيدات الحشرات . وخلصت إلى ضرورة إتاحة الناموسيات المديدة المفعول بالمجان أو بسعر مدعوم للغاية. وينبغي أن يكون المرمى المنشود توسيع نطاق التغطية السكانية بتلك الناموسيات.

ثالثاً، تشغيل نُظم التوصيل القائمة على نحو يمكّن من مكافحة المزيد من الأمراض. إنّ برامج التمنيع هي أفضل البرامج التي تمكّن، عادة، من توصيل التدخلات إلى الفئات السكانية التي يصعب الوصول إليها. ومن العقلانية أن يتم استخدام تلك البرامج لتوصيل تدخلات إضافية.

وقد اضطلعت أفريقيا بدور رائد في الحملات الرامية إلى الحد من معدلات وفيات الحصبة. وقد انخفضت تلك الوفيات، في مجموع القارة، بنسبة 75% في غضون ستة أعوام، ممّا يتجاوز المرمى المحدّد في هذا المجال.

ويمثّل هذا الإنجاز حالياً قيمة مضافة ويسهم في مضاعفة المنافع الصحية. وتسهم حملات مكافحة الحصبة في أفريقيا، حالياً، في توزيع الناموسيات وأقراص طرد الديدان ومكمّلات الفيتامين A ولقاح شلل الأطفال ولقاح الكزاز للحوامل.

رابعاً، عدم إغفال مبادئ الرعاية الصحية الأوّلية. لقد تعلّمنا من الخبرات التي اكتسبناها طيلة ثلاثين سنة أنّ هذا النوع من الرعاية هو أفضل سبيل إلى توفير الرعاية المستدامة والعادلة والمقبولة.

ومن أحسن الأمثلة على ذلك استراتيجية العلاج المجتمعي التي وُضعت لضمان توصيل الإيفيرماكتين بطريقة مستدامة.

وتقوم المجتمعات المحلية، بفضل هذا النهج، بتوصيل الناموسيات ومكمّلات الفيتامين A والأدوية، فضلاً عن الإيفيرماكتين، لعلاج الملاريا في البيوت.

وتبيّن إحدى التجارب الجارية في أوغندا أنّ معدلات التغطية ارتفعت بنسبة تتراوح بين ضعفين وأربعة أضعاف.

والملاحظ أنّ المجتمعات المحلية قادرة، عندما تُمنح الدعم المناسب، من الإمساك بزمام صحتها وتحقيق نتائج رائعة ومستدامة.

وهناك مثال آخر في هذا الشأن. فقد أخذت الحملة الرامية إلى التخلّص من العمى النهري، منذ بدايتها، شكل أكبر البرامج العمودية التي يمكن تصوّرها: مروحيات ترشّ مبيدات الحشرات من السماء.

أمّا الآن فإنّ ذلك البرنامج يسعى، توخياً للاستدامة، إلى الامتثال لمبادئ الرعاية الصحية الأوّلية.

استراتيجية خامسة وثيقة الصلة بتلك المبادئ: تمكين المرأة من إبراز إمكاناتها البشرية وتوجيه حياتها على النحو الذي تشتهيه. ويمكن القيام بذلك من خلال خطط الائتمان الصغري والتعليم والتدريب المهني والتشريع وغير ذلك من النُهج.

وهناك بيّنات وافرة تثبت لنا أنّ المرأة لا ترغب إلاّ في حياة صحية لها ولأسرتها.

والنساء لا يشكّلن، كما قلت سابقاً، مجرّد فئة مستضعفة ومجرّد مصدر للرعاية المجانية.

بل هنّ عوامل تسهم في إحداث التغير ومورداً هاماً من موارد التنمية المستدامة.

وأخيراً، استخدام الصكوك الدولية لتعزيز الحماية الجماعية من الأخطار الصحية التي لا تحترم أيّة حدود.

وتشمل تلك الأخطار تسويق منتجات التبغ وتوزيعها وانتشار الأمراض المستجدة والأمراض التي يمكنها التحوّل إلى أوبئة على الصعيد الدولي.

وقد أصبحت الاتفاقية الإطارية بشأن مكافحة التبغ إحدى المعاهدات التي انضمّ إليها أكبر عدد من الدول في تاريخ الأمم المتحدة. وهي تمثّل أنجع طب وقائي على النطاق العالمي.

وقد دخلت اللوائح الصحية الدولية، التي حظيت بتعزيز قوي، حيّز النفاذ في حزيران/يونيو من هذا العام.

وانتقلت اللوائح المنقحة من التركيز على حواجز غير فعالة على الحدود الوطنية إلى انتهاج استراتيجية تسعى إلى تقييم المخاطر بشكل استباقي.

وترمي هذه الاستراتيجية إلى الكشف عن الحدث في مراحل مبكّرة ووقفه في المنشأ، وذلك قبل أن يتمكّن من التحوّل إلى خطر دولي.

وأود، في هذا الصدد، أن أثني على الحكومة الأوغندية ومكتبي منظمة الصحة العالمية القطري والإقليمي لتمكّنها من تدبير فاشية حمى ماربورغ النزفية التي ظهرت في الشهر الماضي بطريقة بارعة.

وبادرت تلك الحكومة، عند ظهور أوّل شكوك بخصوص المرض، إلى شنّ عملية استجابة عاجلة على جبهات عدة.

وتم نشر أفرقة للاستجابة السريعة وتنظيم المعدات اللازمة وإنشاء أجنحة العزل.

وتمكّنت السلطات من الحيلولة دون سراية المرض على نطاق أوسع. وانتهت إلى التصريح بأنّ ها تغلّبت على الفاشية في وقت قياسي، وذلك بفضل اقتفاء أثر المخالطين وفحصهم بطرق فعالة.

ولم تُمنح الفاشية أيّة فرصة لتتحوّل إلى خطر وطني أو دولي.

السيد الرئيس،

إنّ المعركة القائمة بين المكروبات وأثويائها من البشر معركة مستمرة. وليس أمامنا إلاً القليل من الفرص لتحقيق نصر مبين ضدّ تلك المكروبات.

إنّ علينا القيام ببعض الأعمال التي لم ننته منها بعد. وأنا أشير، تحديداً، إلى استئصال شلل الأطفال.

فلم يسبق لنا أن نقترب بهذا الشكل من بلوغ الهدف المتعلّق باستئصال شلل الأطفال. ولم يعد هذا المرض يتوطن إلاّ نيجيريا في القارة الأفريقية. وقد أبلغ هذا البلد، حتى 21 آب/أغسطس، عن حدوث 159 حالة في هذا العام، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي حيث بلغ عدد الحالات 687 حالة.

غير أنّ الفاشيات وحالات الوفود المتفرّقة لا تزال تصيب أربعة بلدان أفريقية أخرى. والجدير بالذكر أنّ الفيروس الوافد ظلّ سارياً لأكثر من عام واحد في بعض الحالات.

ويجب مواصلة الحملات في هذه المناطق التي عاد الوباء إليها حتى يتم وقف جميع الفاشيات. وعملية استئصال المرض تقتضي هذه المثابرة المطلقة.

لقد أعربت عن التزامي الشخصي بإنهاء المهمة. وأعرب عن شكري للدكتور سامبو على دعمه التام لهذا المسعى.

وأرحّب أيضاً بالعروض الرامية إلى إقامة تعاون مع أقاليم أخرى غير أقاليم منظمة الصحة العالمية. فسنتمكّن، سوياً، من الاضطلاع بالمهمة.

السيدات والسادة،

لقد جعلت من صحة الأفارقة إحدى أولوياتي. ذلك أنّ الحصائل الصحية في أفريقيا هي قياس لمجمل فعالية الأنشطة التي تقوم بها منظمة الصحة العالمية.

وقد شرحت بعض العقبات وبيّنت بعض السُبل لتعزيز الكفاءة التشغيلية.

وأود الآن أن أستشهد ببعض الأمثلة على القيادات الأفريقية في سياق الأوضاع المعقدة التي تعيشها الصحة العمومية اليوم.

لقد شُرع، في عام 2000، في إجراء تقييم دقيق متعدّد البلدان لاستراتيجية التدبير العلاجي المتكامل لأمراض الأطفال، وذلك بدعم من مؤسسة بيل وميليندا غيتس.

وعندما أُتيحت النتائج الخاصة بتنزانيا قامت وزارة الصحة باعتماد الاستراتيجية لتنفيذها في جميع أرجاء البلد.

إنّها استراتيجية شاملة تقوم على نهج يشمل جميع النُظم الصحية. فهي تستوجب بذل جهود كثيرة ودفع أموال باهظة، ولكنّها تعود بنتائج.

وهذا المثال يثبت لنا أنّ الحكومات الأفريقية قادرة على الاضطلاع بمشاريع صحية طموحة وتوسيع نطاقها عندما تقنعها البيّنات بآثارها العالية المردود. ولا يسعني إلاّ تأييد هذا الالتزام.

وهذا مثال آخر على القيادات الأفريقية. إنّ السياسة التي تتبعها منظمة الصحة العالمية بشأن توزيع الناموسيات تقوم على البيّنات التي تم استنباطها في كينيا، حيث مكّنت إحدى الحملات المرصودة بدقة، في الآونة الأخيرة، من تخفيض وفيات الملاريا بنسبة 44%.

و الدعم المالي الذي مكّن من القيام بذلك قدم من مصادر خارجية. وتولت منظمة الصحة العالمية توفير الدعم التقني واللوجيستي.

غير أنّ وزارة الصحة هي التي تولت تصميم تلك الاستراتيجية. والرئيس الكيني هو الذي أبدى الالتزام في هذا الصدد وتولى، شخصياً، إطلاق الحملة.

ومكّن هذا الدور القيادي، فضلاً عن تخفيض وفيات الملاريا بنسبة النصف تقريباً، من إعطاء نتائج غيّرت السياسية الدولية. فقد أصبح هذا الدور نموذجاً ينبغي تكراره في شتى المناطق الأفريقية.

دعونا نتخيّل الآثار التي ستحدثها هذه الاستراتيجية في الأعوام المقبلة.

إنّ النتائج الخاصة بالملاريا حظيت باستقبال حار. فقد استأثرت بعناوين الأخبار في عواصم البلدان في شتى أرجاء العالم.

وتلك النتائج تدعم وجهة نظري الشخصية وهي أنّ العالم يريد أخباراً سارة من أفريقيا ويريد لأفريقيا النجاح.

وخلال جمعية الصحة لهذا العام قام كل من منظمة الصحة العالمية والتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع بإطلاق مبادرة جديدة لمكافحة الحمى الصفراء. وسيمكّن الدعم الذي تتيحه تلك المبادرة من تطعيم 48 مليون نسمة خلال الأعوام الخمسة القادمة.

وسنتمكّن، بالتالي، من بناء حاجز مناعي يمكّن، فعلاً، من إزالة مخاطر استفحال فاشيات مدمّرة في المناطق الحضرية. وتمنيع الأطفال بشكل روتيني هو الذي سيمكّن من مواصلة هذا الإنجاز.

وسنركّز أعمالنا، في المقام الأوّل، على البلدان الانثي عشر التي تنوء بأفدح الأعباء في وسط وغرب أفريقيا.

وكان الالتزام السياسي والمالي الذي أبدته فعلاً حكومات تلك البلدان بمكافحة الحمى الصفراء من الأمور الحاسمة في ضمان هذا الدعم الخارجي.

وها نحن نرى، مرّة أخرى، قدرة الالتزام على استقطاب الدعم، وفق شروطكم.

والالتزام بتوفير الصحة يمكن أن يحرّر الطاقة العظيمة للإبداع البشري.

وقد أعطتنا أفريقيا، من خلال تقاليدها الراسخة التي تتسم بالروابط المجتمعية، دليلاً على إمكانية تغيير السلوكيات.

فقد تمكّنت النساء في أوغندا من وضع نهج "المعابر" لتغيير الممارسات التقليدية التي تسهم في انتشار فيروس الأيدز. وأصبح هذا النهج مستخدماً الآن في جميع أرجاء العالم.

وعندما سنبلغ المرمى المتصل بداء الدودة الغينية- وقد أصبحنا على قاب قوسين أو أدنى من بلوغه- فإنّ هذا الداء سيصبح أوّل الأمراض التي تُستأصل بتغيير السلوكيات ليس إلاّ، دون اللجوء إلى لقاح أو دواء.

السيد الرئيس، معالي الوزراء، المندوبون الموقرون، السيدات والسادة،

إنّنا نرى، مراراً وتكراراً، القوى العظمى نفسها الواجب امتلاكها وهي الالتزام السياسي والدور القيادي والقوة المقنعة للبيّنات والطاقة الإبداعية للعزيمة البشرية.

إنّني أشاطركم الرأي أنّ العقبات التي تواجه التنمية الصحية في أفريقيا عقبات ضخمة، ولكن يمكن تذليلها.

إنّ من الممكن تغيير الأوضاع السائدة.

فقد شاهدت، في الشهر القليلة الماضية فقط، تحوّلات كبرى في طريقة تفكير وكالات المعونة الثنائية والوكالات الدولية العاملة في مجال الصحة ووكالات التمويل الرئيسية.

والمثال على ذلك هو بدء الاعتراف بضرورة تعزيز النُظم الصحية وبأهمية دعم التمويل الصحي خدمة للفئات الفقيرة.

ولا ينبغي أن تؤدي تكاليف الرعاية الصحية إلى ارتكاس الأسر المُملقة في حمأة الفقر.

إنّ ما توجهوه من رسائل يُسمع وما تحددوه من اتجاهات استراتيجية يُتبّع.

إنّ القيادات في أفريقيا تقوم بتهيئة الظروف المناسبة للتنمية الصحية، وفق شروطكم.

وأفريقيا تنهض بأعبائها باطراد.

وأنتم تحظون بدعم منظمة الصحة العالمية التام ومكاتبها القطرية ومكتبها الإقليمي يرافقونكم في هذا الوقت الذي تمضي فيه أفريقيا قدماً.

وشكراً لكم.

شارك