المديرة العامة

الكلمة الملقاة أمام اللجنة الإقليمية لشرق المتوسط

الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

الدورة الرابعة والخمسون للجنة الإقليمية لشرق المتوسط
20 تشرين الأول/أكتوبر 2007

السيد الرئيس،
أصحاب المعالي،
أيها الزملاء،

هذه هي اللجنة الإقليمية السادسة التي أحضرها، ولما تمرّ على تسلُّمي مقاليد منصبي سوى عشرة أشهر أو تكاد.

وقد شدّ انتباهي لدى زياراتي للبلدان والمباحثات التي أجريتها مع السادة وزراء الصحة، أن المشاكل الصحية المطروحة تمثِّل قاسماً مشتـركاً بين جميع البلدان.

والقائمون على أمور الصحة العمومية في شتى بقاع الأرض إنما هم يخوضون، أساساً، المعركة ذاتها على جبهات ثلاث.

فنحن أولاً نجاهد ونحارب عالم الجراثيم والمكروبات الذي يواصل تطوُّره.

ونحن ثانياً نسعى جاهدين إلى تغيـير السلوكيات البشرية.

ونحن ثالثاً نـناضل لاستقطاب الانتباه والموارد.

لا جديد في ذلك بالطبع، غير أن الأحداث التي طرأت في العقد الماضي وحده جعلت من ضروب النضال هذه أمراً أكثر تعقيداً وأقصى تحدِّياً.

ومن المعلوم أن الصحة في جميع أنحاء العالم، تـتقَوْلب بفعل قوى من هذا القبيل. وبعض هذه القوى يؤدِّي إلى بروز تهديدات جديدة أو يزيد من تَفَاقُم المشكلات الراهنة.

وبعضُها يؤدِّي إلى اتِّساع الفجوة في الحصائل الصحية سواء في داخل البلد الواحد أو بين بلد وآخر.

ولا يشكّك أحد في الصلة الوثيقة التي تـربط بين مستويات الدخل وبين الصحة.

وكلُّنا على علم بطبيعة المشكلة: العولمة تؤدِّي إلى توليد الثـروة، وهذا أمر جيد. ولكن ليس في العولمة أية قواعد تضمن العدالة في توزيع تلك الثـروة.

بل إنني لأعتقد أن العالم لم يشهد قط اختلال توازنه، في ما يتعلق بالأمور الصحية، كما يشهد الآن. فالفارق في متوسط العمر المأمول يمكن أن يصل إلى أربعين عاماً بين أفقر البلدان وأكثرها حظاً من الثروة.

ولم يحدث قط، قبل يومنا هذا، أن أمتلك الطب ترسانة متطورة من الأدوات والتكنولوجيات مثل التي نراها مسخّرة في شفاء الأمراض وإطالة العمر.

ولكن هناك، كل عام، أكثر من عشرة ملايـين من صغار الأطفال ومن النساء الحوامل، يقضون نحبهم بفعل حالات مرضية يمكن توقِّيها إلى حدّ كبير.

وفي بحبوحة العيش الذي نهنأ به جميعاً لا يجوز أن يصعب على امرأة حامل أن تبقى حية ترزق، أو رضيع أن يظل على قيد الحياة.

وكما نعلم جميعاً، فإن عالمنا لن يصبح مكاناً صالحاً لتحقيق التنميـة البشريـة من تلقاء نفسـه. وفي اعتقادي أنـه لا يوجد هناك أي قطاع آخر أفضل مكانة من القطاع الصحي للتوكيد على تحقيق المزيد من الإنصاف والعدالة الاجتماعية.

والحجة التي نسوقها في هذا الصدد تأتي في عبارات سهلة يسيرة. فلا يجوز أن يُحرم أي إنسان من الاستفادة من التدخلات المنقذة للحياة أو المعزِّزة للصحة لأسباب مجحفة ظالمة، حتى ولو كانت من منشأ اقتصادي أو اجتماعي.

ذلك أن الظلم والـحَيْف، في المجال الصحي، إنما يمثلان، حقاً، مسألة حياة أو موت.

سيادة الدكتور الجزائري،

هذا أحد الأسباب التي تجعل مني مؤيِّدةً ومُناصِرةً بقوَّة للمبادرة التي اتَّخذها هذا الإقليم لتلبية الاحتياجات التنموية الأساسية.

فما هذه المبادرة إلا استـراتيجية للتخفيف من وطأة الفقر، وثيقة الارتباط بقِيَم الرعاية الصحية الأولية ومبادئها وأساليبها.

ولقد بيَّنت التجارب التي خاضها هذا الإقليم منذ عام 1988 كيف أن بإمكان المبادرات المجتمعية، مدعومةً بالأساليب المتعدِّدة القطاعات، أن تـتعاطى مع المحدِّدات الصحية الأساسية على جبهات متعدِّدة.

بل ثـَمَّةَ من البيّنات ما يُثبت أن المؤشرات الصحية في ما يخص الأُسَر والمجتمعات، سرعان ما تـتحسَّن عندما تُـتاح للمرأة فرصة تفجير طاقاتها.

وذروني أقتبسْ بعض الأسطر من دراسة صدرت حديثاً ونُشرت في العام الماضي في المجلة الطبية البريطانية British Medical Journal، وقد كتبها أحد العاملين في هذا المكتب الإقليمي.

(( إن المرأة كثيراً ما تكون مفتاحاً لتحسين صحة السكان، وهذا يصدق تماماً على إقليم شرق المتوسط. ذلك أن المشاريع التي من شأنها تمكين المرأة وتلبية الاحتياجات الأساسية، تحدث تغيـيراً واضحاً في المجتمعات الفقيرة )).

ولا يسعني إلا أن أشاطر هذا الرأي. فلقد شاهدت بنفسي نتائج ذلك أثناء زيارة قمت بها في مطلع هذا العام إلى أفغانستان وباكستان.

وقد شجَّعني أيَّما تشجيع أن أعلم أن تلك البرامج يستفيد منها الآن قرابة الثلاثة ملايين نسمة في ما يزيد على مئتَيْن وخمسين من المجتمعات المحلية.

وثـَمَّةَ بيِّنات مستفيضة على أن السياسات الصحية التي تسعى إلى تعزيز استفادة الجميع على قدم المساواة من الخدمات ومن الحصائل الصحية التي تحقِّق العدل والإنصاف تؤتي أكُلَها اقتصادياً واجتماعياً.

إن الصحة هي قاعدة الازدهار والرخاء. وإن السياسات الصحية الـمُحابـِيَة للفقراء تُسهم في توطيد الاستقرار، ووجود إقليم مستقرّ يعمّه الازدهار والرخاء يخدم مصلحة جميع البلدان.

حضرات السيدات والسادة،

دعونا نتفحَّصْ مليّاً هذه الأوجُه الثلاثة من ضروب النضال، والعوامل التي أدَّت إلى تعقُّد التحدِّيات التي تواجهها الصحة العمومية.

إن التغيُّرات التي طرأت على طريقة استعمار البشرية لهذا الكوكب، قد أخلَّت بالتوازُن الدقيق في عالم الجراثيم. ونتيجة لذلك بدأت تظهر على الساحة أمراض جديدة على نحو لم يشهد له التاريخ مثيلاً من قبل.

أضِفْ إلى ذلك أمراضاً قديمة تنبعث من مرقدها أو تنتقل إلى قارات جديدة، كما حصل لحمى الوادي المتصدِّع في هذا الإقليم.

ولقد لقَّنتنا المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (السارس) جملةً من الدروس، ومنها أن الظروف الفريدة التي تسود القرن الحادي والعشرين قد ضاعَفَتْ من قوة الغزو والتي تـتمتَّع بها الأمراض الجديدة وزادت من آثارها الـمُحْدثة للاضطراب. كما ضاعفت من تكاليفها الاقتصادية.

لقد أصبحت كل مدينة فيها مطار دولي عرضة للخطر.

ولقد عاش العالم طوال أربع سنوات مهدّداً بجائحة الإنفلونزا. وشهد هذا الإقليم تكرُّر فاشيات إنفلونزا الطيور الناجمة عن الفيروس H5N1 في الدواجن إلى جانب حدوث بعض الحالات البشرية.

وعلى الرغم من الجهود البطولية المبذولة في عدة قارات، فإننا لم نتمكن من التخلُّص من هذا الفيروس في مجتمعات الطيور.

وإذا كنّا لا ندري إن كانت جائحة الإنفلونزا القادمة ستنجم عن الفيروس H5N1 أو عن فيروس آخر، فإننا نعلم علم اليقين أن جوائح الإنفلونزا إنما هي أحداث تـتكرَّر. ولا يجوز لنا أن نؤخذ على حين غرَّة.

إن سعينا الجاهد إلى تغيـير السلوكيات البشرية قد أصبح أيضاً أمراً محفوفاً بالمزيد من المصاعب. ذلك أن وسائل الاتصال العالمية من قنوات تلفزيونية تبثُّها الأقمار الاصطناعية وشبكة الإنتـرنت، تسهم في تغيـير أنماط الحياة، وهذه تؤدي بدورها إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة.

ثم إن التحضُّر قد أصبح اتجاهاً عالمياً، مَثَلُه في ذلك مَثَلُ انتقال العمال من الزراعة إلى قطاع الخدمات. وقد أخذ الناس يُخْلِدون باطِّراد إلى حياة الخمول وقلة النشاط البدني.

ولقد تركت العولمة أثرها على إمدادات الغذاء، وكذلك على قنوات توزيعه. فالأغذية العاليةُ الطاقةِ رخيصة السعر مقبولة وهي تـتوافر باطِّراد وخاصةً في المدن والحضر. وتحظى بحملات إعلانية مكثَّفة.

وقد كان لكل هذه الاتجاهات نتائج مشؤومة على الصحة.

فالأمراض المزمنة التي طالما اعتبرت قرينة للبلدان الـمُتْرَفَة، قد غيرت محطّ رحالها. وهي تفرض الآن أفدح أعبائها على البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل.

ولهذا الإقليم الحقُّ كلُّ الحق في أن تساوره المخاوف.

على أن لدينا، ونحن نسعى جاهدين إلى استقطاب الانتباه والموارد، من الأسباب الوجيهة ما يدعونا إلى التفاؤل. فقد حظيت الصحة في العقد الماضي، بعناية لم يسبق لها مثيل بوصفها من استـراتيجيات تقليص الفقر، ومن المجالات التي تؤتي فيها الدبلوماسية الخارجية ثمارها.

ولايزال عدد آليات التمويل المبتكرة في ازدياد مستمر، وقُلْ مثل ذلك في حجم الموارد المتولِّدة عنها.

غير أنـَّنا في هذا المضمار، أيضاً، نشهد المزيد من التعقُّد. ذلك أن تزايد عدد الشراكات قد أدَّى إلى ظهور بعض المشاكل. فالشراكات يمكن أن تفرض طلبات هائلة على البلدان المتلقِّية. وقد يكون هناك مجال لازدواج الجهود المبذولة.

وقد لا تنسجم المشاريع المطروحة مع أولويات البلدان وقدراتها. وبإمكان المبادرات التي تركِّز على أمراض دون غيرها أن تشغل العاملين وتدفعهم إلى العُدول عن توفير الرعاية الشاملة.

ثم إن تكاليف المعاملات مرتفعة، وحدود المسؤولية والمساءلة يكتنفها عدم الوضوح. وبإمكان المعونة أن تكون مجزأة ويصعب التكهن بها، بل قد تكون خاضعة لتقلُّب الأهواء، تـتغيَّر بتغيُّر مصالح الجهات المانحة.

حضرات السيدات والسادة،

يزداد اكتساب الصحة أبعاداً دولية، شيئاً فشيئاً.

فقد أصبحت البلدان، أكثر فأكثر، عرضة للأخطار المشتـركة ذاتها التي لا يمكن لأي بلد أن يتصدَّى لها بمفرده.

كما أن حفظ الصحة العمومية يستفيد، بدوره أكثر فأكثر، من الصكوك والالتـزامات الدولية. ولاسيّما عندما تعزِّز هذه الأخيرة مزيداً من العدالة في إتاحة الرعاية الأساسية أو تحمي المجموعات السكانية من الأخطار التي تهدِّد العالم.

أما داخل البلدان فإن منشأ الأسباب الدفينة وراء اعتلال الصحة أصبح شيئاً فشيئاً خارج إطار مسؤولية القطاع الصحي المباشرة. وذلك يتطلَّب تضافر عمل العديد من القطاعات مع إيلاء الأولوية للمشاغل والهواجس الصحية.

ولاريبَ عندي في أن أيّاً من الحاضرين في هذه القاعة، يشكّك في ضرورة إعطاء الأولوية للقضايا الصحية على أعلى مستويات السلطة.

وثـَمَّة مشكلة أخرى تبرز في هذا المضمار. فإيلاء المزيد من العناية للصحة يعني المزيد من التمحيص وإنعام النظر. واجتلابُ المزيد من الموارد يقتـرن بتوقّع تحقيق النتائج.

وإنـَّنا لنجد أنفسنا في منتصف الطريق التي تفصلنا عن عام 2015 وهو العام الذي خلع عليه إعلان الألفية ومراميه أهمية كبرى.

وهنا تبرز الحقيقة المؤلمة. فمن بين جميع المرامي التي تم تحديدها، تبدو المرامي المتعلقة بالصحة أبعد منالاً.

فالمرامي التي حُددت من أجل تقليص وفيات الأمومة والطفولة هي التي تطرح، على الصعيد العالمي، أعظم التحدِّيات. ولا عجب في هذا نظراً لكثرة محدِّدات تلك الوفيات في قطاعات عديدة.

إن قرابة 99 في المئة من الوفيات تقع في بلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل. ولتقليص تلك الوفيات يجب التصدِّي للمحدِّدات الاجتماعية.

ولتقليص عدد تلك الوفيات تصبح الحاجة إلى وجود نظام صحي يعمل على ما يرام ويصل إلى الفقراء ضرورة مطلقة.

حضرات السيدات والسادة،

دعونا نستعرضْ، من هذا المنظور الدولي، بعضاً من المشكلات التي يواجهها هذا الإقليم، ونستعرضْ على الأخص بعض البنود المعروضة على هذه اللجنة.

إنـَّنا لنرى، في خضمّ كل هذا التعقيد، بعض الفرص المتاحة أمامنا لتبسيط الأمور.

إن أمراض المناطق المدارية المنسيَّة، وهي تقتـرن اقتـراناً شديداً بالفقر المدقع، كثيراً ما تـتراكَب جغرافيَّاً مما يتيح الفرص من أجل انتهاج أساليب متكاملة.

والغالبية العظمى من وفيات صغار الأطفال، تكاد تنحصر في أربعة أمراض، كلُّها تـتفاقم من جرَّاء سوء التغذية. وهذا ما يتيح أمامنا، مرة أخرى، فرصة نغتنمها لانتهاج أسلوب متكامل.

والسبب في معظم الأمراض المزمنة ينحصر في عدد محدود من عوامل الاختطار التي تشكل قاسماً بينها وهي تـرتبط بالسلوكيات البشرية. وذلك ما يتيح أمامنا فرصاً لاتِّباع سياسات وقائية شاملة.

وكما يتضح من الوثائق المعروضة على هذه اللجنة فإن السياسة الصحية الإقليمية تستفيد من كل فرصة من هذه الفرص السانحة من أجل تحسين الكفاءة التشغيلية.

فالورقة التقنية حول أمراض المناطق المدارية المنسيَّة توضِّح هذا الأمر. وتشير إلى أن تحقيق التكامل بين التدخلات الخاصة بمكافحة عدة أمراض متشابكة هو أمر يمكن بلوغه من الناحية التقنية، وهو يحقِّق الكفاءة التشغيلية، كما أنه أمر مجزٍ من الناحية الاقتصادية.

وهذه الأمراض تؤثـِّر في المعدمين وهم في العادة ينزوون في أماكن نائية، وليس لهم صوت سياسي مسموع إلا في القليل النادر. وأَوَدُّ أن أثني على البلدان التي تنتمي إلى هذا الإقليم لتصدِّيها لهذه الأمراض بهذا القدر من الالتـزام.

ولقد قطعت أشواط طويلة، وخاصةً في مضمار التخلُّص من داء الفيلاريات اللمفية في بعض البلدان وفي ما يتعلق بتزويد أطفال المدارس بأقراص مكافحة العدوى بالديدان.

وبالنظر إلى ضخامة أعداد الناس المتأثـِّرين، فإن الجهود المبذولة من أجل التخلُّص من هذه الأمراض أو مكافحتها تمثِّل إحدى استـراتيجيات تقليص المرض على نطاق واسع.

وقد تبنَّى هذا الإقليم، على جبهة أخرى، استـراتيجيةَ التدبير المتكامل لأمراض الطفولة بوصفها من مستلزمات الرعاية الصحية الأولية المقدَّمة للأطفال. ويمرّ حوالي 17 بلداً بمراحل مختلفة على طريق تنفيذ هذه الاستـراتيجية.

ولقد بيَّنت عملية التقيـيم الصارم، التي أجريت في الإقليم بكل وضوح، حدوثَ تحسُّن في جودة الخدمات الصحية المقدَّمة للأطفال عند انتهاج هذا الأسلوب وتنفيذه.

وللبيِّنات قوة استـراتيجية وإقناعية عظمى، ولاسيَّما عندما يتعلق الأمر بنقل مبادرة ما لتكون ذات أبعاد وطنية.

وهناك ثلاثة بلدان هي جمهورية إيران الإسلامية ومصر وجيبوتي بدأت تقتـرب من تحقيق التغطية الوطنية بالاستعانة بعاملين مدرَّبين في إيتاء مجموعات من التدخلات.

والإقليم يملك أسساً متينة في ما يخصّ نطاق هذه الاستـراتيجية للتصدِّي لمسألة بُقيا الوِلدان والنمو والتطوُّر الصحيـَّين.

وهناك ورقة مطروحة عليكم حول وفيات الوِلْدان وهي تـتعاطى بحقٍّ مع احتياجات الأمهات الصحية.

وتُعَدُّ المعدلات الإقليمية في مجال الإرضاع الـحَصْري من الثدي منخفضة بشكل لا يمكن قبوله. كما أن أكثر من 40 في المئة من النساء الحوامل يعانين من فقر الدم. ولا يـتم أكثر من نصف الولادات بحضور عاملين حاذقين متمرسين.

ولقد خطت بلدان كثيرة في هذا الإقليم خطوات عملاقة نحو تحسين إلمام الإناث بالقراءة والكتابة. وهناك حاجة مماثلة إلى تحسين محو أمية الإناث في المجال الصحي.

إن النساء في حاجة إلى تغذية أفضل، وإلى وجود عاملين مدرَّبين محنّكين يسهرون على توليدهن، وفي حاجة أيضاً إلى من يوفِّر لهن الرعاية السريرية الطارئة لهن ولأطفالهن.

غير أنهن يحتجن أيضاً إلى من يزودهن بمعلومات أفضل عن الأشياء التي بإمكانهن تحقيقها، وهي كثيرة، سواء كان ذلك ضمن أسرهن أو المجتمعات التي ينتمين إليها لحماية أنفسهن وحماية أطفالهن.

وهذا ما يعود بي إلى حماستي للجهود التي يبذلها هذا الإقليم لتلبية الاحتياجات التنموية الأساسية.

وعلى جبهة ثالثة تشهد عدة بلدان في هذا الإقليم زيادة هائلة في عدد الأمراض المزمنة، بما في ذلك السكَّري وسائر الحالات المرضية المرتبطة بالسِّمنة.

وهناك ورقة مطروحة عليكم حول تسويق الأغذية للأطفال والمراهقين. وهي تلفت الانتباه إلى أبعاد هذه المشكلة ومدى تعقُّدها، والحاجة الماسة إلى اتخاذ تدابير وقائية قوية على أرفع المستويات السياسية.

والوثيقة واضحة. فالصحة العمومية لها دَوْر قيادي لابد لها أن تؤدِّيه عند الدعوة إلى اتخاذ إجراءات وقائية شاملة. ويجب أن تكون الصحة العمومية من الغايات الواضحة لدى تحديد سياسات تسويق الأغذية.

ولما كانت البلدان تعاني من زيادة في عدد الأمراض المزمنة، فإن من الأهمية بمكان أيضاً إيجاد السُبُل الكفيلة بجعل الناس أكثر قدرة على الحصول على الأدوية الأساسية بأسعار أيسر.

وهناك أيضاً ورقة ممتازة أخرى تبيِّن الخطوط العريضة للخيارات المتاحة في ما يتعلق بشراء الأدوية المأمونة والناجعة، والتي لا ترهق الناس بتكلفتها.

حضرات السيدات والسادة،

لا يمكننا الخوض في الأوضاع الصحية في هذا الإقليم دون النظر في مجموعة أخرى من العوامل التي تشكل تحدِّيات أمام الصحة العمومية. وإنني لأشير هنا إلى الكوارث الطبيعية والقلاقل الأهلية وحالات الطوارئ المعقدة.

ومثل هذه الأحداث بإمكانها أن تَحُدَّ من المسيرة الإنمائية، وأن تعطل الخدمات الأساسية وأن تعمل على تركيز الجهود المبذولة على الاستجابات للطوارئ، كما أن الأزمات التي يتطاول زمنها يمكنها أن تصيب المكاسب التنموية التي تم تحقيقها طوال عقود من الزمن والعمل الشاق بنكسات ونكسات.

ومنظمة الصحة العالمية تظل دائماً واعيةً للأوضاع الصحية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفي الجولان السوري المحتل.

وتظل منظمة الصحة العالمية متوفِّزة في ما يتعلق بالبيانات التي تشير إلى تدهور الحالة الصحية هناك، كما تواصل تقديم الدعم لإيتاء الخدمات الصحية باستمرار.

ولقد لفت التقرير الذي قدَّمته الأمانة إلى جمعية الصحة هذا العام الانتباه إلى عدة مشاغل صحية محدَّدة خلال عام عسير.

فالعراق يعاني من تفشِّي حالات الكوليرا بأعداد كبيرة مع دلائل على انتشار المرض بحالات محدودة إلى بلد مجاور واحد على الأقل. ومن حُسْن الطالع أن اتخاذ وزارة الصحة بدعم من منظمة الصحة العالمية لإجراءات طارئة عاجلة قد أبقى عدد الحالات المميتة عند مستوى منخفض.

والهواجس الأمنية في بعض المجالات تعرّض للخطر نجاح المبادرات الصحة العالمية. فهذا الإقليم يؤوي بلدَيْن من البلدان الأربعة التي لايزال شلل الأطفال يتوطَّنها.

ولقد توصَّل الصومال، وأنا ألقي هذه الكلمة، إلى التحرُّر من ربقة سراية شلل الأطفال مُدَّةً تزيد على ستة أشهر. ويُعدّ هذا الأمر إنجازاً مهماً. فهذا الإقليم هو الآن أول الأقاليم التي وضعت حداً لكل الفاشيات التي أعقبت انتشار الفيروس على الصعيد الدولي في الفتـرة الممتدة بين عامَيْ 2003 و2006.

وهذا يقوم دليلاً على عِظَم التـزام الدول الأعضاء في ظل قيادة المدير الإقليمي.

وأكبر التحدِّيات التي يواجهها هذا الإقليم يتمثَّل في الوصول إلى الأطفال الذين يسكنون المنطقة الوعرة المضطربة على طول الحدود الباكستانية الأفغانية التي لايزال الفيروس يتوطَّنها.

وفي الشهر الماضي أعلن مجلس شورى طالبان عن المشاركة التامة للمناطق التي تخضع لسيطرة الطالبان في حملات التطعيم ضد شلل الأطفال.

وقد مكّن هذا الأمر من شمول حملة مكافحة شلل الأطفال التي نُظِّمت في شهر أيلول/سبتمبر لقرابة 000 100 طفل مـمَّن فاتتهم فرص التطعيم طوال ما يزيد على العامَيْن.

وأَوَدُّ أيضاً أن أعرب عن شكري لهذا الإقليم ولمديره للدعم التقني المقدَّم لنيجيريا، مستعيناً بكبار علماء الدين في مكافحة الشائعات التي رُوّجت حول مأمونية التطعيم. وعليه فإنني أشكر الدكتور الجزائري على ما تفضَّل به من دعم.

ولا مراء في أن النـزاعات واضطراب الأوضاع وعدم استقرارها، من الأمور التي تحول دون بلوغ المرمى الدولي الثاني ألا وهو استئصال مرض الدودة الغينية.

وقد استأثر جنوب السودان، خلال عام 2006، بنسبة 82 في المئة من مجموع حالات مرض الدودة الغينية المتبقِّيَة. والخبراء متفقون على أن النجاح في استئصال هذا المرض لن يتأتـَّى حتى يستـتبَّ السلام في جنوب السودان.

ويمتد نطاق العواقب الصحية الناجمة عن القلاقل الأهلية في جنوب السودان بالطبع إلى أوسع مما يُلْحِقُه مرض واحد.

ولقد استجابت منظمة الصحة العالمية في هذا الصدد بتقديم دعم ضخم ومتواصل من قِبَل هذا المكتب الإقليمي والموظفين العاملين في المكتب القطري والمكاتب الفرعية.

وهذا الدعم يرمي إلى الحيلولة دون أن يتطوَّر وضع هو مأساوي فعلاً ليسبِّـب المزيد من البؤس الإنساني.

وللحيلولة دون وقوع فاشيات تمت إقامة نظام كفء للإنذار المبكر يوفِّر خدمات التـرصُّد الروتيني لما يزيد على مليونَيْ نسمة، وهو يعمل على ما يرام ويقي من الفاشيات التي قد تستشري في المخيمات.

ونظم الإنذار المبكر هذه تصبح على جانب عظيم من الأهمية ونحن في سبيلنا نحو تنفيذ اللوائح الصحية الدولية المنقَّحة تنفيذاً كاملاً.

حضرات السيدات والسادة،

لِنَعُدْ مرة أخرى إلى الصعيد الدولي. إن للصحة، كما سبق أن ذكرتُ، أبعاداً دولية تـتزايد باطِّراد. ونحن، في كلٍّ من ضروب نضالنا، تعضدنا جملة من الصكوك والالتـزامات الدولية.

وما ذلك إلا تعبيـر عن الضعف الذي ينتابنا كلنا، وعن الإرث الإنساني الذي نـنتمي إليه جميعاً، وعن مسؤوليتنا المشتـركة في الأمور الصحية. وكل عنصر من هذه العناصر إنما هو دعوة إلى اتخاذ إجراءات مشتـركة.

وقد بدأ نفاذ اللوائح الصحية الدولية التي تم تعزيزها بشكل كبير في حزيران/يونيو من هذا العام.

واللوائح المنقَّحة تنأى عن التـركيز، كما كانت تفعل من قبل، على الحواجز السلبية التي تقام على الحدود الوطنية، لتنتهج استـراتيجية تركِّز على التعاطي الاستباقي مع المخاطر المحتملة.

وترمي هذه الاستـراتيجية إلى كشف الأحداث في مرحلة مبكرة ووضع حدٍّ لها عند منشئها قبل أن تـتاح لها الفرصة لتصبح أحداثاً ذات أبعاد دولية.

وهذه الاستـراتيجية تعزِّز أيـَّما تعزيز أمنـنا الجماعي، وتزيد من سلطان هذه اللوائح وترفعه إلى درجات سامقة جديدة.

وعلينا ألا نسمح مرة أخرى بأن يفلت مرضٌ، كالإيدز والعدوى بفيروسه على سبيل المثال، من المراقبة على الرغم من الشبكات المقامة، وعلى الرغم من التدابير المتخذة لاحتوائه في مراحله الأولى.

إنـَّنا، ونحن نكافح من أجل تغيـير السلوكيات البشرية، نمتلك أيضاً وثيقة دولية ذات سلطان كبير.

فقد أصبحت الاتفاقية الإطارية بشأن مكافحة التبغ من أكثر المعاهدات حظوة في تاريخ الأمم المتحدة حيث انضم إليها أكبر عدد من الدول.

وهذه الاتفاقية عنوان على الطب الوقائي المطبَّق على نطاق عالمي في أفضل صوره.

وستـتولَّى اللجنة المعنية بالمحدِّدات الاجتماعية للصحة إصدار تقريرها في العام المقبل. وهي أداة أخرى ستمدنا بأسباب القوة في سعينا إلى تناول العوامل الاجتماعية المعقدة المؤثـِّرة في الصحة.

ولدينا أيضاً، ونحن نـناضل من أجل استقطاب الانتباه والموارد، إعلان الألفية ومراميه. وهي تمثِّل أكبر الالتـزامات التي قطعتها على نفسها الأسرة الدولية طموحاً على الإطلاق.

ولتلك المرامي ثلاثة آثار كبرى على الصحة، على الأقل، على مستوى السياسة العامة.

أولها أنها تعالج الأسباب العميقة للفقر وتعتـرف بأن تلك الأسباب تـتفاعل فيما بينها في قطاعات عديدة. وهي تدعو، كما دعا إعلان ألما-آتا من قبل، إلى انتهاج أسلوب متعدِّد القطاعات.

وثانيها أنها تناصر الصحة بوصفها عاملاً أساسياً يحفز التنمية الاجتماعية الاقتصادية مـمَّا يعلي من شأن الصحة.

فالصحة لم تَعُد تُعْتَبَرُ مجرَّد قطاع مستهلك للموارد بل هي أيضاً قطاع منتج ومربح من الناحية الاقتصادية.

وثالث تلك الآثار أن المرامي، بجعلها الصحة استـراتيجيتها للحدّ من وطأة الفقر، توجّه السياسة الدولية بشكل واضح.

فإذا أردنا، على سبيل المثال، أن تساعد الصحة على تقليص الفقر، فإنـنا لا نستطيع، بحال من الأحوال، أن نسمح لتكاليف الرعاية الصحية أن تزجّ بالأُسَر الـمُعْوِزَة في غيابات الفقر.

ولهذا الأمر آثار في ما يتعلق بتمويل الصحة. وفي هذا الإقليم، كغيره من الأقاليم يمكن أن تكون للزيادة في حجم الأمراض المزمنة ولارتفاع تكاليف الرعاية المستمرة آثار كارثية تقصم ظهور الفقراء والمعوزين.

وإذا أردنا، على سبيل المثال، أيضاً، أن تكون الصحة عنصراً من عناصر استـراتيجية الحدّ من وطأة الفقر فلابُد لنا من الوصول إلى الفقراء.

وهنا تزلّ بنا الأقدام، ذلك أن التدخلات الحالية لا توازيها نُظُم إيتاء الخدمات من حيث القدرة على الوصول إلى أولئك الذين هم في أمسِّ الحاجة إليها، وذلك بالمستوى الكافي وفي الوقت المناسب.

ولذا فإنـني دعوت إلى العودة إلى القِيَم والمبادئ والأساليب التي تقوم عليها الرعاية الصحية الأولية.

ولهذا السبب، أيضاً، أَعُدُّ نفسي من كبار مؤيدي مبادرة هذا الإقليم الخاصة بتلبية الاحتياجات التنموية الأساسية.

حضرات السيدات والسادة،

هناك اتجاه آخر سائد على الصعيد العالمي وله آثار هامة على الصحة، وهو اتجاه قد يكون من أكبر المشكلات وأعظم التحدِّيات طُرّاً.

وأعني بذلك تغيُّر المناخ.

إن العلم يشير بشكل دامغ لا مراء فيه إلى أن تغيُّر المناخ بات حقيقة واقعة وأن آثاره بدأت تظهر بالفعل.

ولو افتـرضنا، جدلاً، أن انبعاثات غازات الدفيئة قد توقفت اليوم، فإن التغيُّرات التي طرأت على المناخ والتي نلمس آثارها بالفعل ستـتواصل سحابة هذا القرن.

وما ينبغي التوكيد عليه الآن هو قدرة جنسنا البشري على التأقلُّم والتكيُّف مع ما أصبح اليوم أمراً محتوماً.

وسيكون احتـرار كوكبنا أمراً تدريجياً، غير أن تزايد تواتـر وشدة الظواهر المناخية المتطرفة كالعواصف العاتية والحرّ الشديد والقحط والفيضانات، سيحدثان بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار، وستكون لهذه الظواهر آثار حادة ملموسة.

وكما سبق لنا أن نافحنا طويلاً كي تـتبوأ الصحة مكاناً عليّاً في جدول أعمال التنمية، فإن علينا الآن أن نكافح من أجل إحلال القضايا الصحية في مركز الصدارة في جدول الأعمال الخاص بالمناخ. ولدينا في هذا من الأسباب الموجبة ما يأطرنا على ذلك أطراً.

فتغيُّر المناخ سيؤثـِّر، بأشكال ضارة كل الضرر، في بعض من المحدِّدات الأساسية للصحة كالغذاء والهواء والماء. وستكون البلدان النامية أول المتضرِّرين بل أشدّهم تَضَرُّراً.

وهناك عدة بلدان في هذا الإقليم تواجه فعلاً شحّاً شديداً في الماء العذب. وربّما فاقمت، تلك التغيُّرات التي يُتوقَّع أن تطرأ على أنماط هطول الأمطار من شحّ المياه فيها.

ويقول لنا العلماء أيضاً إن بعض المناطق، ومنها دلتا النيل وشواطئ الخليج في منطقة شبه الجزيرة العربية، معرَّضة للفيضانات والغمر بفعل ارتفاع مستويات البحر.

وستـتمكَّن تلك البلدان، بفضل إقامة بـِنَى تحتية صحية قوية، من مواجهة الوضع على نحو أفضل.

وهذا، في رأيي واعتقادي، هو سبب آخر من الأسباب الموجبة التي تحتِّم علينا بلوغ المرامي الإنمائية للألفية في الموعد المضروب وعلى النحو الأمثل.

والشكر لكم.

شارك