المديرة العامة

خطاب موجه لموظفي منظمة الصحة العالمية

الدكتورة مارغريت تشان، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية

جنيف
4 كانون الثاني/يناير 2007

السادة والسيدات الزملاء هنا في جنيف وفي جميع أصقاع العالم.

هذا هو أول يوم أقضيه في أداء مهمتي كمدير عام. ولي عظيم الشرف أن أتّبع التقليد السائد والمتمثل في التحدث إلى الموظفين في بداية تقلدي لواجباتي الرسمية.

لقد اعتاد معظم أولئك الذين سبقوني على تسلّم مقاليد هذا المنصب في تموز/ يوليو. وأعتقد أنني أوّل مدير عام يتسلّم تلك المقاليد ويتوجّه في اليوم ذاته بتمنياته للموظفين بعام جديد سعيد. فعسى أن تكون هذه السنة سنة سعيدة تنعمون فيها أنتم وذووكم بموفور الصحة والعافية.

ويجب عليّ أولاً أن أعرب عن عظيم تقديري للدكتور آندرس نوردستروم الذي تسلّم المشعل بشكل فجئي عقب فاجعة موت الدكتور جونغ – ووك لي وتمكّن من تسيير الأمور بطريقة سلسلة. فقد قاد منظمتنا خلال اجتماع الدول الصناعية الكبرى الثماني واللجان الإقليمية وإعداد عدة وثائق أساسية تتعلق بالسياسة العامة وخلال الانتخابات. كما أشرف على الأعمال التحضيرية لدورة المجلس التنفيذي القادمة. وبالنظر إلى هذا الالتزام الأساسي فإن من دواعي سروري أن أعلن لكم أنني سأتولى بمعية آندرس تقديم تقرير عن هذه الأمور في مرحلة لاحقة من هذا الشهر.

كما أود أن أعرب عن تقديري لمنظمة الصحة العالمية، لكم أنتم الموظفون العاملون فيها ولجميع من سبقوني. ولقد بدأت عملي وأنا أشعر بالافتخار، الافتخار بسمعتكم وبما اشتهرتم به من تميّز تقني والافتخار بقيمة عملنا ووقعه، والافتخار بكفاءة أدائنا.

إن العالم ينتظر منا الكثير. وقد مكننا استنادنا إلى ركن ركين من أن نكون أكثر جرأة من حيث طموحاتنا وأكثر صرامة في الأسلوب الذي نتولى به تقييم ما نتركه من أثر.

وإنني لأعتقد أن هذا الزمن الذي نعيشه هو زمن لابد أن نكون فيه من المتفائلين وأن نستبشر فيه خيراً لأجل الصحة. لماذا أقول هذا؟ أقوله لأن عملنا لم يحظ قط بهذه الحفاوة الشديدة على الأجندة السياسية. وكما أن الأموال التي توفرها المؤسسات ووكالات التمويل والحكومات المانحة بلغت أرقاماً قياسية غير مسبوقة. ولا جدال في أن ما لم تتم تلبيته من احتياجات لايزال ضخماً غير أن الصحة لم تشهد قط مثل هذه الوفرة المالية كما لم تتوافر لدينا قط هذه المجموعة الهائلة من الأدوات الفعالة التي لا تنتظر قبل وضعها على المحك العملي إلا الإرادة السياسية المخلصة.

وإليكم أحد الأمثلة في هذا الصدد. لقد كنت في الشهر الماضي في زيارة إلى واشنطن العاصمة لحضور قمة البيت الأبيض المعنية بالملاريا. وهناك شاهدت بأم عيني حماساً متجدداً لمكافحة مرض موغل في القدم. فالملاريا لم تعد خطراً محلياً يتهدد الصحة في معظم البلدان الموسرة إلا أن هذه البلدان ملتزمة بمساعدة غيرها، وبضرورة توفير التدخلات الأساسية، مثل الناموسيات والأدوية والمبيدات الحشرية لأولئك الذين هم في أمس الحاجة إليها. ذلك لأن هذا المرض يسبب، خارج البلدان الغنية، أعداداً هائلة من الوفيات التي يمكن تجنبها كما يقضي على حيوية شرائح سكانية لا تحصى ولا تُعد. وإنني لأرى في هذا الالتزام المتجدد بمكافحة الملاريا، وكذلك الالتزام بالتصدي للعديد من المشكلات الصحية الأخرى، إشارة إلى وجود تكافل عالمي عندما يتعلق الأمر بالصحة. كما أنني أرى في هذا الالتزام اعترافاً بالترابط الوثيق بين الصحة والفقر، تماماً كما أرى فيه الاعتراف بترابط الصحة والعافية بآفاق التنمية.

إننا نشهد التطبيق العملي لمبدأ التكافل العالمي من أجل الصحة في شكل مبادرات أخرى عديدة. وهذا ما يبعثنا على التفاؤل. ومن الأمثلة الواضحة في هذا الصدد التهديد المحدق بالأمن الدولي نتيجة لحدوث فاشيات الأمراض. فخطر حدوث جائحة من جوائح الأنفلونزا مازال يلوح في الأُفق ولم ينحسر. وإنني لأتطلع إلى قدوم شهر حزيران/ يونيو من هذا العام وهو موعد دخول اللوائح الصحية الدولية حيز النفاذ. ومن شأن تطبيق هذه اللوائح أن يعزز الآليات الفعالة الموجودة بالفعل والخاصة بالإنذار بحدوث الفاشيات والاستجابة لمقتضياتها.

وتقوم أمراض المناطق المدارية المهملة شاهداً آخر على تكافلنا. فهذه الأمراض لا تنتقل على الصعيد الدولي ولا تهدد صحة أو اقتصادات البلدان الموسرة ولا تظهر أخبارها على صفحات الجرائد بالمانشيت العريض ولكنها تسبب معاناة هائلة وتصيب ملايين البشر بالعجز وتجعل منهم رهائن للعوز والفاقة. وقد بدأ العالم يولي اهتمامه بهذه الأمراض كما بدأ يحرز بعض التقدم بطرق غير مسبوقة برسم أهداف طموحة ووضع أسس تدخلات ممتازة وتعاظم الأدلة على جني منافع عديدة في المجال الصحي. وما هذا الاهتمام بالأمراض التي طالما لاقت الإهمال سوى علامة إيجابية على أن الصحة هي مسؤولية تتاقسمها الأسرة الدولية.

إن الأهمية الجوهرية التي تكتسيها الصحة تنعكس بوضوح في المرامي الإنمائية للألفية. وهذا مثال آخر على التكافل الدولي. وإننا ندرك التحديات الناجمة عن ذلك بالنسبة إلى منظمة الصحة العالمية وشركائها كما أننا نعلم أن العمل الذي نقوم به يتجاوز بمراحل مجرد بلوغ هذه المرامي.

ومن المفارقات أن أحد أكبر التحديات التي نواجهها يتمثل في إدارة كل هذا الاهتمام الجارف بالصحة بطرق تضمن إدخال تحسينات دائمة مع عدم إثقال كاهل البلدان المتلقية. ولقد أصبح مشهد الصحة العمومية حلبة معقدة تتزاحم فيها شتى الإجراءات. وفي خضّم هذا التفاؤل والنشاط أرى أن أكبر المسؤوليات المنوطة بمنظمة الصحة العالمية يتمثل في نهوضها بدور تنسيقي. ونحن بحاجة، بوصفنا المنظمة الرائدة المعترف بها في مجال الصحة العمومية، إلى ضمان تلبية المبادرات الصحية، التي ماانفك عددها يزداد، للاحتياجات الصحية الشاملة تمشياً مع أولويات البلدان وأولويات سكانها.

إن المبادرات المخصصة لأمراض محددة لها مكانها في هذه الصورة وأود أن أشدد على هذه النقطة. إلا أن من الأساسي انتهاج أسلوب الرعاية الصحية الأولية وذلك لضمان تكامل الأنشطة بشكل أفضل. إن ما نحتاجه هو رؤية تفاعل أوثق بين البرامج من أجل جني منافع صحية متعددة. وليس هناك ربح واضح إذا ما أحرز بلد ما تقدماً فيما يتعلق ببلوغ بعض الأهداف الخاصة بمكافحة أمراض محددة ولكنه يُمنى بالإخفاق بشأن كثير من المؤشرات الأساسية الأخرى في مجال الصحة. وإننا لنشاهد الآن اتجاهاً نرحب به يتمثل في قيام مبادرات مثل المبادرات الخاصة بالحصبة، وإيتاء مضمومة من التدخلات المعززة للصحة بما فيها الناموسيات المعالجة بالمبيدات الحشرية، وأقراص التخلص من الديدان، واستكمال الأغذية بالفيتامين "ألف"، ولقاح شلل الأطفال بالإضافة إلى التطعيم ضد الحصبة.

إن عملنا يتمثل في وضع برنامج العمل الصحي الدولي وإعداده بطريقة يرى فيه جميع شركائنا، وهم كُثر، أمراً منطقياً للغاية. ونحن مخولون، بموجب دستورنا، حق العمل بوصفنا سلطة التوجيه والتنسيق في المجال الصحي. هذه هي مسؤوليتنا، ويجب علينا أن نفي بتلك المسؤولية بطريقة تعترف بالمساهمة الجبارة التي يقدمها شركاؤنا الكثيرون.

إنني أرى أن من عناصر ما نقوم به من عمل أيضاًٍ تقييم ما لأنشطتنا من آثار. ومما تعلمته من تجاربي السابقة هو أن ما يمكن قياسه يمكن إنجازه.

حضرات الزملاء،

كما سبق أن قُلت فإنني سأسهب في إيضاح رؤيتي لمنظمة الصحة العالمية عندما تنعقد جمعية الصحة في أيار/ مايو. أما الآن فإنني سأوضح بعضاً من الالتزامات التي أخذتها على عاتقي، بادئ الأمر، وسأبين الخطوط العريضة لبعض الخطط المرسومة لهذا العام.

إنني ملتزمة بتكامل الرعاية الصحية الأولية كاستراتيجية تحتذى لتعزيز النظم الصحية. ومن ضمن كل التزاماتي الأولية فإن هذا الالتزام قد أدى، أكثر من غيره، إلى أكبر قدر من النقاش سواء داخل المنظمة أو خارجها. وكما تعلمون فإننا قد جعلنا من نهج الرعاية الصحية الأولية محوراً يتركز حوله المزيد من التشاور.

وفي سياق التنمية الأعم فإن باستطاعتنا أن نرى أهمية نظام القيم الذي ينضوي تحت هذا النهج ألا وهو التركيز على العدالة والإنصاف واستفادة الجميع من الفرص المتاحة تبعاً للاحتياجات وتقديم خدمات رعاية شاملة وميسورة التكلفة ومسؤولية المجتمعات المحلية في هذا الصدد والاستدامة. وبترابط الصحة الآن ارتباطاً مباشراً بالحد من وطأة الفقر، ومع التزامنا ببلوغ المرامي الإنمائية للألفية فإن باستطاعتنا أن نرى الأهمية الجوهرية لهذه القيم في جدول الأعمال الإنمائي الدولي اليوم.

لقد قلت إنني أود أن يُحكم على طريقتي في تسيير الأمور من خلال ما لعملنا من أثر على صحة فئتين اثنتين من الفئات السكانية وهما النساء والناس في أفريقيا. وهذان الالتزامان لا يعنيان بالضرورة إنشاء دائرتين جديدتين أو برامج خاصة أو إعادة تخصيص أموال. إن هذا الالتزام يتعلق بالأداء وبمدى ملاءمة ما نقوم به من عمل والأثر المترتب عليه بالنسبة إلى من هم في أمس الحاجة إلى الخدمة.

إن لمنظمة الصحة العالمية تاريخاً حافلاً بالالتزام بخدمة أولئك الذين هم في أشد الحاجة إليها بمن فيهم أشد الفئات استضعافاً. والنساء فئة ضعيفة بسبب العمل الذي يقمن به وبسبب دورهن كمقدمات للرعاية والمخاطر المحدقة بهن خلال فترة الحمل والولادة، ولتدني مركزهن في بعض المجتمعات، إلا أنهن أيضاً من أدوات التغيير.

ولقد سمعت من يقول إننا لا نحتاج إلى "بناء القدرات" بقدر حاجتنا إلى "إطلاق العنان للقدرات". وهذه المقولة مثلجة للصدر وإنني لأثني عليها ذلك أن الأفراد والأسر والجماعات لها من القوة ما إذا تم تسخيره وتوجيهه ليأتين بالعجب العجاب وليغيرن معالم المجتمعات التي نعرفها.

إن أثر ما نقوم به من عمل على صحة الناس في أفريقيا لهو مقياس أساسي لأدائنا. وفي هذا الصدد كم كان سروري عظيماً عندما رأيت صدور أول تقرير عن الصحة في الإقليم الأفريقي في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام المنصرم. وفي هذه الأوقات التي يشعر فيها الناس بالتفاؤل فإن هذا التقرير يذكرنا بالتحديات الضخمة التي نواجهها علّنا نثوب إلى رشدنا.

وإذا كانت المشكلات غير جديدة فإنها زادت وضوحاً واكتست المزيد من طابع الاستعجال، حيث بدا وكأن الصحة أصبحت مفتاح التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وهذه المشكلات لا يقتصر وجودها على القارة الأفريقية بل إننا نجدها حيثما كان هناك أناسٌ محرومون.

دعونا نلق نظرة على ثلاثة من التحديات الواضحة المعالم. أولها، كما جاء في أحد الاستنتاجات التي خلص إليها التقرير الأفريقي، أن محدودية التنمية الصحية إنما تُعزى، إلى حد كبير، إلى الأمراض المعدية ولاسيما ثلاثة منها هي: الأيدز والعدوى بفيروسه والسل والملاريا. فهذه هي أشد الأمراض فتكاً في معظم أرجاء العالم وخاصة في أفريقيا.

وثاني تلك التحديات، كما أشار إليه التقرير، يتمثل في العبء الإضافي الذي تنطوي عليه الأمراض المزمنة. وإننا لنشهد تزايد معدلات الإصابة بهذه الأمراض في جميع أنحاء العالم. إلا أن المضاعفات الناجمة عنها في أفريقيا، مثل السكتة الدماغية وهبوط القلب والكلى وبعض أنواع السرطان تحدث بين أناس في مقتبل العمر وتصيب أعداداً كبيرة من السكان.

وأخيراً يذكر التقرير، في استنتاج ثالث خلص إليه، ضعف النظم الصحية الوطنية على أنه أكبر مشكلة تواجهها الصحة العمومية في القارة الأفريقية. وإنني لأتفق تماماً مع هذا الرأي وأود أن أضيف أن مسألة تعزيز النظم الصحية تُعد أكبر التحديات التي تواجهها المنظمة ككل.

ولهذا فإن العمل الذي نقوم به لتنشيط نهج الرعاية الصحية الأولية له من الأهمية ما له. ويجب علينا، إذ نقوم بذلك، ألا ننسى المشكلات الجديدة الناشئة عن الأمراض المزمنة. والنظم الصحية كثيراً ما تستطيع التصدي لطوارئ الأمراض المعدية التي تقع بين الفينة والأخرى إلا أنها أقل قدرة على التصدي للمشكلات التي تمثلها الأمراض المزمنة. وعلى الرغم من أن الوضع جد خطير في أفريقيا فإن هذه الاستنتاجات تنسحب أيضاً على الفئات السكانية المحرومة وعلى جيوب الفقر الموجودة في جميع أنحاء العالم سواء في إقليم الأمريكتين أو إقليم شرق المتوسط، أو الإقليم الأوروبي أو إقليم جنوب شرق آسيا أو إقليم غرب المحيط الهادئ.

وخلال السفريات التي قمت بها والمحادثات التي أجريتها خلال الأسابيع القليلة الماضية ازددت اقتناعاً كذلك بأنني ورثت قيادة منظمة قوية. وكنت أعتقد في سابق الأيام، كفرد يعمل من خارج المنظمة في هونغ كونغ، أن منظمة الصحة العالمية من أكثر وكالات الأمم المتحدة كفاءة وفعالية. وفي العام الماضي وُصفت المنظمة بأنها وكالة تابعة للأمم المتحدة "تستحق ما يُنفق عليها من أموال"، في سياق مقالة افتتاحية نشرت في إحدى الجرائد الرئيسية المعنية بالمال والأعمال وكان ذلك في سياق موضوع خاص بأنفلونزا الطيور. وعلينا أن نناضل من أجل الحفاظ على هذه السمعة الطيبة فيما يتعلق بالكفاءة والفعالية.

وقد ورثت أيضاً تركة من الالتزامات الهامة. ويأتي في صدارة هذه الالتزامات العمل على استئصال شلل الأطفال. ويعني الأمر، بكل بساطة، أن جهودنا في هذا الصدد يجب أن تكلل بالنجاح. ولا يتعلق الأمر فقط بتحقيق أحد المرامي المنشودة. فالأمر يتعلق بتقديم هدية دائمة لكل جيل من الأطفال الذين سيولدون في المستقبل. ونحن نبدأ هذا العام بأدوات واستراتيجيات لديها قدرة مضاعفة على أداء المهمة مقارنة بالقدرة التي تهيأت لنا في الماضي. ونحن أيضاً في حاجة إلى دفقة جديدة من الاقتناع والالتزام، بدءاً بالزعماء السياسيين والدوائر المانحة.

السادة الزملاء،

هناك أمران يحدثان دائماً مع تغيير القيادة. أولاً، يتم تسليط الضوء على منظمة الصحة العالمية، وثانياً، يصبح ما نقوم به محل متابعة وثيقة.

وليس تسليط الضوء على المنظمة أمراً سيئاً؛ وإنما هو مناسبة لتقييم الأمور. ولكن لماذا تُعتبر منظمة الصحة العالمية منظمة هامة؟ ولماذا هي جديرة بأن تكون لها قيادة جيدة؟ وإذا ما أقمنا حكمنا على القصص الإخبارية والمقالات الافتتاحية المنشورة في الآونة الأخيرة يتبين أن للعمل الذي نقوم به معاً أهمية جوهرية. وقد استنتج كذلك كثير من المراقبين أننا نستحق المزيد من الأموال. أليس هذا خبراً ساراً، وخصوصاً في سنة ميزانية؟

أما المتابعة الوثيقة فهي مسألة أخرى. فأنا أعلم أنني محط الأنظار الآن. وأدرك أن عليّ أن أمارس القيادة بإعطاء القدوة الحسنة. ويجب أن يكون سلوكي كموظفة مدنية دولية لا تشوبه أية شائبة. وهذا أمر آمله وأود أن يأمله جميع الموظفين. ولأضرب لكم مثلين على فحوى ذلك. أولاً، لن أتسامح مع أي تحرش ولا أي شكل آخر من أشكال سوء السلوك. وسوف أتصدى لأي سلوك من هذا القبيل بسرعة وعدالة.

ثانياً، لن أتسامح مع أي استغلال لعلاقتنا بالدول الأعضاء. وأذكِّركم في هذا الصدد بأنه لا يجوز استغلال حسن نية البلدان في محاولة التأثير على المنظمة لتحقيق مكاسب شخصية ولا في تحقيق مكاسب لأي برنامج كان. إن ثقة البلدان فينا أساسها هو التزامنا بالنزاهة والموضوعية.

والآن أود أن أتطرق إلى أكثر الأمور التي تشغلكم. فهل أنا بصدد الإعلان عن تغيير جذري اليوم؟ لا، إنني سأفي بوعدي. نعم للإصلاح، لا للانقلاب.

إن أي مدير عام يكون أمامه عادة ستة شهور للاستعداد لتولي المنصب. ولم يكن أمامي إلا ستة أسابيع فحسب. ومن ثم فقد عمدت إلى فترة انتقالية من ثلاث مراحل تستمر حتى نهاية هذا العام. وتبدأ المرحلة الأولى، أي مرحلة الاستماع والتحضير، حتى آخر كانون الثاني/ يناير. وتمتد المرحلة الثانية، أي مرحلة التغيير من شباط/ فبراير إلى تموز/ يوليو. أما المرحلة النهائية، أي مرحلة التوطيد، فستمتد من آب/ أغسطس إلى نهاية العام.

وأنا خلال هذه المرحلة الأولى، أي مرحلة التحضير، أستمع وأتعلم وأجمع المعلومات والآراء التي أحتاج إليها كأساس لما أتخذه من قرارات. وقد تحدثت في عدة مناسبات مع كل مدير من المديرين الإقليميين. وعقد الفريق الذي أنشأته للفترة الانتقالية مؤتمرات بالفيديو مع كل مكتب من المكاتب الإقليمية. وأعقد، من جانبي، اجتماعات شخصية مع جميع المديرين في المقر الرئيسي. وقد عُقد معظم هذه الاجتماعات.

وأثناء حملتي الانتخابية استمعت إلى آراء عدد من رؤساء الدول ووزارات الصحة والتقيت بالعديد منهم منذ ذلك الحين.

وقد عقدت أيضاً اجتماعات شخصية مع أكبر عدد ممكن من رؤساء المنظمات والمنظمات غير الحكومية الشريكة. فقد اجتمعت حتى الآن مع رؤساء كل من برنامج الأمم المتحدة المشترك لمكافحة الأيدز والصندوق العالمي لمكافحة الأيدز والسل والملاريا والتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع واليونيسيف وصندوق الأمم المتحدة للسكان، فضلاً عن الأمين العام للأمم المتحدة الذي انتهت فترة ولايته والأمين العام المعين حديثاً للأمم المتحدة. وستُعقد قريباً اجتماعات مع وكالات أخرى.

وقد اجتمعت بمسؤولين في مؤسسة بيل وميلندا غيتس، ومؤسسة الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومؤسسة نيبون/ ساساكاوا، ومؤسسة بلومبرغ، ومؤسسة دوريس ديوك، ومؤؤسة روكيفيلر. وأجريت هنا، في جنيف، مناقشات مع سفراء العديد من البلدان.

وإن جميع هذه الوكالات وجميع هؤلاء الناس يكمل عملنا أو يسهله، أو يعبر عن احتياجات السكان الصحية. ومن مهام وظيفتي ضمان تنسيق الأنشطة بين عدد كبير من الأطراف الفاعلة، والعمل الجماعي بطريقة ذات طابع استراتيجي.

وقد تركت لدي هذه الاجتماعات والمحادثات انطباعاً عن السمعة الممتازة التي تتمتع بها منظمة الصحة العالمية. وقد شهدت ما يحظى به عملنا من احترام شديد، كما شهدت ما نحظى به من تقدير بالغ كهيئة تقنية. وإن بإمكاننا أن ننهض بالمنظمة ونجعلها، بالطبع، أقل ترهلاً وأكثر مرونة وأقدر على الاستجابة لطلبات بالغة التعقيد وسريعة التغيّر.

وخلال المرحلة الثانية من الفترة الانتقالية، التي ستبدأ في شباط/ فبراير، سأقوم بتعيين فريق الإدارة العليا التابع لي. ولكنني سأقوم بذلك تدريجياً. وثمة استثناء واحد في هذا الصدد، وهو أنه يلزمني أن أعين بسرعة نائباً لي، أي نائباً للمدير العام، وسأفعل ذلك خلال الأيام القليلة القادمة.

وتتحدد مجموعة المهارات والخبرات التي أحتاج إليها في المستويات العليا بما تخطط هذه المنظمة لإنجازه وبأفضل طريقة لأداء المهام. والأمر نفسه ينطبق على هيكلنا التنظيمي، الذي يحتاج إلى بعض التحسين. فمن الضروري أن يكون هيكلنا هيكلاً منطقياً وأن يشجع العمل المنسق بين البرامج ذات الصلة ببعضها البعض. وسيعظم ذلك الأثر الذي تحدثه أنشطتنا ومواردنا.

وأرى بعض الفرص السانحة للتقريب بين الأنشطة ذات الصلة ببعضها البعض. وأعكف على إنشاء فريق عمل لتنفيذ هذه التغييرات الهيكلية خلال الشهور القادمة. وسيتولى نائب المدير العام رئاسة فريق العمل هذا المعني بإدارة عملية التغيير. وسيضم فريق العمل أعضاءه من المكاتب القطرية والمكاتب الإقليمية والمقر الرئيسي أيضاً.

وأنا مصممة على تعزيز دور المنظمة القيادي بوصفها الهيئة التقنية المعنية بالصحة. ولهذه الغاية يجب أن أكفل أن تكون الإرشادات التي تقدمها إرشادات متساوقة ومستندة إلى أفضل البيّنات المتاحة. ولكي تتخذ سياستنا واستراتيجيتنا المسار الصحيح يلزم أن نحقق الاتساق على نطاق المنظمة. وسوف أجتمع بانتظام مع المديرين الإقليميين من أجل تبادل الآراء ووضع تفاصيل الاستراتيجيات المشتركة، الإدارية والبرمجية على السواء. كما سأعقد اجتماعات أسبوعية مع المديرين العامين المساعدين.

إن جودة الأداء، أي أن يؤتى العمل أثره المرجو، تقتضي أن تعطي المنظمة إرشادات واضحة ومتساوقة. وتقتضي أيضاً المساءلة السياسية والتقنية على السواء. والمديرون الإقليميون هم مسؤولون يتم انتخابهم. وهم مساءلون سياسياً وتقنياً، في عملهم، أمام البلدان التي تضمها أقاليمهم. أما المديرون العامون المساعدون فيتم تعيينهم على أساس قيادتهم للشؤون التقنية. وهم مساءلون عن التنفيذ التقني للبرامج على نطاق المنظمة.

وكما ذكرت أعلاه، فإن المقياس الحقيقي لمدى فعاليتنا يظل ما نحققه من أثر لدى الناس، في البلدان. وفي هذا الصدد فإن على مكاتبنا القطرية مسؤوليات وأدوار حاسمة يجب أن ينهضوا بها. وخلال الأسابيع الماضية استمعت مراراً وتكراراً لما قيل عن أهمية العمل الذي يتم في المكاتب القطرية، وعن قيمة الخبرة المباشرة لممثلي المنظمة.

وخلال الفترة من 20 إلى 22 آذار/ مارس سأعقد اجتماعاً لكبار الموظفين بغية تجميع المديرين الإقليميين والمديرين العامين المساعدين والمديرين العاملين في المقر الرئيسي والمكاتب الإقليمية، وممثلي المنظمة، ومسؤولي الاتصال العاملين في المكاتب القطرية. وسيتيح لنا هذا الاجتماع الفرصة لكي نناقش رؤيتي الخاصة بالمستقبل مع كبار موظفينا جميعاً، كما سيساعدنا على مواءمة عملنا على نطاق المنظمة.

وفي آذار/ مارس أيضاً سأُحضر إلى جنيف رؤساء كل جمعيات الموظفين لكي يتسنى لي الاستماع إلى آرائهم. وتعتمد قدرتي على إدارة هذه المنظمة على فهم آراء الجميع. وأنا أقدر قيمة التشاور والتواصل. وستكون القاعدة المتبعة هي تبادل المعلومات والمعاملة العادلة لجميع الموظفين.

لقد قلت في البداية إنني أود أن يكون هذا العام عاماً جيداً لجميع الموظفين. وأعتقد أن الصحة نقطة مضيئة وسط عالم يموج بالأخبار المقلقة. وأعتقد أن ذلك سبب آخر يفسر لماذا نشهد هذا النمو في عدد الجهات والمبادرات في مجال الصحة العمومية. وإن العمل الصحي يتيح لنا جميعاً أن نعبر عن إنسانيتنا للبشرية جمعاء.

إن أداء المنظمة يعتمد على موظفيها. ومن موقع مسؤوليتي، كأكبر موظفة إدارية وتقنية، أود أن أدير هذه المنظمة بطريقة تحافظ على سمعتنا فيما يتعلق بالتميز والملاءمة في المجال التقني. وأستطيع أن أساعد على تحديد المسار الصحيح من بين المصالح المتنافسة، وعلى تجنيبنا الخضوع للتأثير السياسي الذي لا داعي له. وبهذه الطريقة أستطيع المساعدة على تحفيزكم، وعلى جعلكم تتمتعون بالعمل لدى المنظمة.

إن التحفيز مسألة شخصية أيضاً. وهذا هو ما خلصت إليه. فأياً كان المكان الذي وُلدتم فيه وأياً كان البلد الذي نشأتم فيه وتلقيتم تعليمكم انظروا في ثقافتكم ومعتقداتكم وأنا واثقة من أنكم ستجدون قيماً نلتزم بها فيما نقوم به من عمل يومي. وهذا هو سر روعة التنوع الثقافي، وقيمنا العالمية، والقيمة الإنسانية في عملنا.

السادة الزملاء،

أزجي لكم الشكر مرة أخرى، وأتمنى لكم ولأسركم التمتع بصحة طيبة في هذا العام الجديد.

شارك