المديرة العامة

تأثير الأزمات العالمية على الصحة: المال والمناخ والجراثيم

الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

الكلمة الملقاة في المنتدى الثالث والعشرين بشأن القضايا العالمية

السيدات والسادة أعضاء البرلمان، السيدات والسادة أعضاء المؤسسات العلمية، ممثّلو دوائر الصناعة والمجتمع المدني، زملائي في مجال الصحة العمومية، السيدات والسادة،

إنّ العالم بات يتخبّط في الفوضى، ونحن نتحمّل مسؤولية قسط كبير منها. والأحداث من قبيل الأزمة المالية وتغيّر المناخ ليست من انحرافات السوق أو انحرافات الطبيعة. كما أنّها ليست من الأحداث التي يتعذّر تحاشيها في دورة التاريخ البشري غير المستقرة.

بل أنّ تلك الانحرافات من المؤشرات على القصور الشامل للنُظم الدولية التي تحكم طريقة التفاعل بين الدول وسكانها. وهي مؤشرات على الفشل في أوقات لم يسبق لها مثيل من حيث الترابط السائد بين المجتمعات وأسواق رأس المال والاقتصادات والتجارة.

وخلاصة القول أنّ تلك الانحرافات أتت نتيجة السياسات الخرقاء. لقد تسبّبنا في وقوع هذه الفوضى، والأخطاء التي ارتكبناها باتت شديدة الإعداء.

والمُلاحظ، كما يقول لنا خبراء الاقتصاد، أنّ الأزمة المالية الراهنة غير مسبوقة لأنّها تأتي في أوقات يزداد فيها الترابط بشدة. وقد انتقلت آثارها بسرعة من بلد إلى آخر ومن قطاع اقتصادي إلى قطاعات أخرى.

وقدرة أخطائنا على الإعداء لا تبدي أيّة رحمة ولا تستثني أيّة جهة بدوافع الإنصاف. فحتى البلدان التي تمكّنت من إدارة اقتصاداتها بشكل جيّد ولم تقتن أيّة أصول سامّة ولم تخض في استثمارات مالية محفوفة بالمخاطر ستعاني من عواقب الأزمة. وبالمثل، فإنّ البلدان التي أسهمت بأقلّ نسبة في انبعاثات غازات الدفيئة ستكون أوّل من يتعرّض لآثار تغيّر المناخ وأشدّها تعرّضاً لتلك الظاهرة.

والجدير بالذكر أنّ الأزمة المالية وتغيّر المناخ لا يمثّلان المؤشرّين الوحيدين على السياسات الخرقاء ونُظم الإدارة الفاشلة. ذلك أنّ الفوارق المُسجّلة في الحصائل الصحية، داخل البلدان وفيما بينها، بلغت مستوى لم يسبق له مثيل في التاريخ. فقد أصبح الفرق في متوسط العمر المأمول بين أغنى البلدان وأشدّها فقراً يتجاوز 40 عاماً. كما أنّ المبالغ التي تُخصّص للصحة كل عام باتت تتراوح بين أقلّ من 20 دولاراً أمريكياً وأكثر من 6000 دولار أمريكي للفرد الواحد.

ولم يحدث قط، قبل يومنا هذا، أن امتلك الطب ترسانة متطورة من الأدوات والتكنولوجيات مثل التي نراها مسخّرة في شفاء الأمراض وإطالة العمر. بيد أنّه لا يمرّ عام واحد إلاّ ويشهد وفاة نحو 10 ملايين من صغار الأطفال والحوامل بسبب أمراض يمكن توقيها إلى حد كبير.

إنّ ثمة خللاً ما.

لقد أخفقنا، جماعياً، في إعطاء بعد أخلاقي للنُظم التي تحكم العلاقات الدولية. ذلك أنّ القيم والمخاوف المجتمعية لا تحدّد، إلاّ نادراً، طريقة عمل تلك النُظم الدولية. فإذا كان الربح هو دافع بعض قطاعات الأعمال، مثل دوائر الصناعة الصيدلانية، فكيف يمكننا الانتظار منها الاستثمار في أنشطة البحث والتطوير لعلاج أمراض الفقراء، الذين لا يملكون أيّة قدرة شرائية؟

لقد تم، في عدد كبير من الحالات، السعي إلى تحقيق النمو الاقتصادي بالعمل على بلوغ غاية أحادية النهج، مثل تغيير أحوال الجميع أو إنهاء مشاكل الجميع أو توفير العلاج للجميع. وكان يظنّ الكثيرون أنّ من شأن النمو الاقتصادي القضاء على الفقر وتحسين الصحة. ولكنّ ذلك لم يحدث.

وقد تم اعتناق العولمة كالموجة الصاعدة الكفيلة برفع جميع السفن. ولكنّ ذلك لم يحدث. بل أنّ الثروة أتت في شكل أمواج ترفع السُفن الكبرى وتغرق الكثير من السُفن الصغرى.

وظنّ البعض أنّ زيادة كفاءة الأسواق سيسهم في تعزيز الإنصاف في المجال الصحي. ولكنّ ذلك لم يحدث.

وقد تم إبراز مبدأ تحرير التجارة كوسيلة مضمونة لتحقيق الازدهار في البلدان النامية. ولكنّ تحرير التجارة تسبّب في خفض الإيرادات المتأتية من التعريفات الجمركية بشكل حاد ولم يأت بأيّ مورد بديل لتمويل الخدمات العامة، بما في ذلك الرعاية الصحية. وقد شكّل ذلك كارثة في مجالي الصحة والحماية الاجتماعية في العديد من البلدان حيث تتركّز العمالة في القطاع غير الرسمي وحيث تتسم القاعدة الضريبية بضآلتها.

كما تم إبراز الرسوم المفروضة على المستفيدين من خدمات الرعاية الصحية كوسيلة لاستعادة التكاليف وردع نوايا الانتفاع من تلك الخدمات واستهلاكها بشكل مفرط. ولكنّ ذلك لم يحدث. بل أنّ تلك الرسوم كانت بمثابة عقوبة فُرضت على الفقراء.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنّ النفقات الصحية تدفع بنحو 100 مليون نسمة كل عام إلى النزول دون مستوى خط الفقر. ويعكس ذلك الرقم واقعاً مرّاً في الوقت الذي يلتزم فيه المجتمع الدولي بالحدّ من وطأة الفقر. ومرارة الواقع إنّما تزداد إبّان الأزمات المالية الحادة.

السيدات والسادة،

إنّنا لا نزال في بداية الأزمة التي يقول الخبراء أنّها قد تكون أشدّ أزمة مالية وانكماش اقتصادي يشهدهما العالم منذ الأزمة الكبرى التي حدثت في عام 1929.

وقد أصدر البنك الدولي، الأسبوع الماضي، تقييماً للآثار التي تخلّفها الأزمة حالياً على البلدان النامية. وذلك التقييم كان أسوأ بكثير من التقييم الذي أُجري قبل شهرين فقط، وأعطى تنبؤات أتعس. والمُلاحظ أنّ سكان البلدان الغنية يفقدون مناصبهم وبيوتهم وما ادّخروه من أموال، وذلك أمر مأساوي فعلاً. أمّا سكان البلدان النامية فسيفقدون أرواحهم.

إنّنا نخوض أيضاً أكثر الحملات طموحاً في التاريخ من أجل الحدّ من وطأة الفقر وتقليص الثغرات الكبيرة القائمة بين الناس من حيث الحصائل الصحية. ولا أحد يرغب في وقف هذا الزخم.

ولكنّ بين الحاجة وحسن النيّة يظهر الواقع الملموس. وماذا سيحصل في حال انهيار المصارف بسبب خطط الإنقاذ المالي؟ وماذا سيحدث إذا لم تكن الأموال متوافرة لمواصلة البرامج الصحية المحلية أو تمويل عمليات التنمية الصحية في الخارج؟ وماذا سيحدث، على المستوى الفردي، إذا أصبح الناس غير قادرين على تحمّل تكاليف الاعتناء بصحتهم؟

وتؤدي مبادئ إعلان الألفية والمرامي ذات الصلة، إلى حد ما، دور الاستراتيجية التصحيحية. ذلك أنّها تسعى إلى ضمان شمولية العولمة وإنصافها بشكل تام، وضمان تقاسم فوائدها على نحو أكثر عدلاً.

ويرمي كل من الإعلان والمرامي الواردة فيه إلى إضفاء درجة من التوازن على هذا العالم الذي انقلبت موازينه وذلك فيما يخص الفرص ومستويات الدخل والأحوال الصحية. والمبدأ الأخلاقي الذي يكمن وراء ذلك واضح كل الوضوح وهو أنّ الذين يعانون المشاكل أو لا يستفيدون من الخدمات إلاّ بنسبة قليلة يستحقون المساعدة من أولئك الذين يستفيدون بالقسط الأوفر منها.

وبعبارة أخرى، فإنّ المرامي الإنمائية للألفية ترمي إلى تعويض الفوارق الناجمة عن النُظم الدولية التي تسهم في استحداث أشكال التقدم والمزايا، ولكنّها لا تمتلك أيّة قواعد تكفل توزيع تلك المنافع بشكل عادل.

ومن المُلاحظ، كما جاء بوضوح في التقرير الذي صدر عن البنك الدولي الأسبوع الماضي، أنّ الظروف المالية التي تواجهها البلدان النامية قد تدهورت بشدة وأنّ إمكانية إيتاء الخدمات الاجتماعية الأساسية باتت مُهدّدة وأنّ الآثار المترتبة على ذلك ستكون طويلة الأجل.

كما أنّ احتمال بلوغ المرامي الإنمائية للألفية، والاستفادة من استراتيجيتها التصحيحية، أصبح معرّضاً للخطر. وماذا لو قضت الأزمة المالية على أكبر فرصة سانحة أمامنا على الإطلاق لتحويل هذا العالم بشكل يضمن المزيد من العدالة الاجتماعية؟

إنّ العالم بات في حاجة ماسّة إلى استراتيجية تصحيحية. ذلك أنّ ما نراه حالياً من فوارق هائلة فيما يخص مستويات الدخل، وفرص الحصول على الخدمات، والحصائل الصحية، إنّما هو من مؤشّرات الانهيار الاجتماعي. والعالم المختل التوازن بشكل كبير فيما يخص المسائل الصحية لا ينعم بالاستقرار ولا بالأمن.

ودعوني أشرح لكم بعض النقاط بوضوح. أنا لست ضدّ التجارة الحرّة ولست من مناصري مبدأ الحماية الجمركية. وأنا أدرك تماماً الروابط القائمة بين تعزيز الازدهار الاقتصادي، على صعيد الأسرة والصعيد الوطني، وبين تحسين الصحة.

ولكن من واجبي أن أقول إنّ السوق لا يمكنها تسوية المشاكل الاجتماعية.

ويجب أن يتجاوز نظر السياسات التي تحكم النُظم الدولية الرابطة بيننا جميعاً بشكل وثيق الهدف الشخصي المتمثّل في تحقيق المكاسب المالية والفوائد التجارية والنمو الاقتصادي. ولا بد لها أن توضع على المحكّ الحقيقي.

ما مدى تأثيرها في الفقر والبؤس واعتلال الصحة والوفاة المبكّرة؟ وهل تسهم في ضمان المزيد من العدل في توزيع المنافع المتأتية من التقدم الاجتماعي الاقتصادي؟ أم أنّها تترك هذا العالم يتخبّط في مشاكل متزايدة نتيجة انعدام التوازن، ولاسيما في المجال الصحي؟

ومن رأيي أنّ الحصول على خدمات الرعاية الصحية بشكل عادل، وتعزيز الإنصاف فيما يخص الحصائل الصحية، من الأمور الأساسية لسير الاقتصاد بصورة جيدة. ومن رأيي أيضاً أنّه ينبغي النظر إلى تحقيق الإنصاف بين الناس فيما يتعلق بالحصائل الصحية كأحد التدابير الأساسية التي تمكّننا، نحن المجتمعات المتقدمة، من إحراز تقدم في الوقت الراهن.

وهذا العالم لن يصبح، من تلقاء نفسه، جنة من جنان الصحة. والقرارات الاقتصادية التي تُتخذ داخل البلدان لن تعمد، بصورة تلقائية، إلى حماية الفقراء أو ضمان فرص حصول جميع الناس على خدمات الرعاية الصحية.

ولن تعمد العولمة إلى تنظيم نفسها على نحو يضمن المزيد من العدل في توزيع المنافع. كما لن تعمد الشركات، بشكل تلقائي، إلى مراعاة الهموم والهواجس الاجتماعية في سعيها إلى تحقيق الربح. ولن تؤدي اتفاقات التجارة الدولية، تلقائياً، إلى ضمان الأمن الغذائي أو الأمن الوظيفي أو الأمن الصحي أو ضمان فرص الحصول على الأدوية بأسعار معقولة.

وتلك الحصائل تقتضي جميعاً اتخاذ قرارات سياسية متروية.

إنّ الصحة لم تُُؤخذ في الحسبان عندما صيغت السياسات التي أدّت إلى حدوث الأزمة المالية أو تغير المناخ. ولكنّ القطاع الصحي بات يتحمّل وزر الآثار الناجمة عنها.

السيدات والسادة،

إنّ القلق بدأ يساور البلدان من جميع مستويات التنمية حيال تأثير الأزمة المالية على الصحة.

وقد بدأ الخوف ينتاب المسؤولين من احتمال تدني الأحوال الصحية في بلدانهم مع ارتفاع معدلات البطالة وفشل شبكات السلامة التي تضمن الحماية الاجتماعية ونضوب المدخرات وصناديق المعاشات التقاعدية وانخفاض الإنفاق على الصحة.

وهم متخوفون أيضاً من الأمراض النفسية وحالات القلق واحتمال ارتفاع معدلات تعاطي التبغ والكحول والمواد الضارّة من جراء ذلك. وقد شاهدنا حدوث تلك الظاهرة في الماضي.

كما أنّهم متخوفون من الأوضاع التغذوية، وذلك الخوف له ما يبرّره فعلاً. فالتغيّرات التي طرأت مؤخراً على الإمدادات الغذائية العالمية تجعل هذا الانكماش الاقتصادي مختلفاً من حيث تزايد الأخطار المحدقة بالصحة من جرّاء سوء التغذية. وقد أصبح الإنتاج الغذائي يشهد تطوّراً صناعياً كبيراً، كما باتت شبكات توزيع الأغذية وتسويقها عالمية الأبعاد.

وفي أوقات الأزمة تصبح الأغذية المجهزة، التي تحتوي على كميات كبيرة من الدهون والسكر وكميات قليلة من العناصر المغذية الأساسية، أرخص سُبل ملء البطن الفارغة. وتلك الأغذية تسهم في الإصابة بالسمنة والأمراض المزمنة المرتبطة بالنظام الغذائي، كما أنّها تفتقر إلى العناصر المغذية الأساسية التي يحتاجها الأطفال.

وهناك أخطار أخرى تحدق بالصحة وتحملنا على استباق الأمور. والمُلاحظ، في أوقات الأزمة الاقتصادية، ميل الناس إلى التخلّي عن الرعاية التي يوفرها القطاع الخاص والاستفادة، بشكل أكبر، من الخدمات التي يموّلها القطاع العام. وهذا الاتجاه يأتي في وقت يعاني فيه النظام الصحي العام في كثير من البلدان، أصلاً، من إجهاد كبير ونقص في التمويل.

وفي كثير من البلدان المنخفضة الدخل يتخذ أكثر من 60% من الإنفاق الصحي شكل نفقات يدفعها المرضى مباشرة من جيوبهم. ويزيد التدهور الاقتصادي من مخاطر نزوع الناس إلى إهمال الرعاية الصحية وإهمال مبادئ الوقاية على حد سواء. ومن الأمور المثيرة للقلق بوجه خاص تراجع خدمات الرعاية الوقائية في الوقت الذي نشهد فيه زيادة نسبة التشيّخ وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة على الصعيد العالمي.

ونحن نعلم أيضاً أنّ النساء وصغار الأطفال من أوّل الفئات تضرّراً من تدهور الظروف المالية ونقص الأغذية. والمعروف أنّ النساء يمثّلن آخر فئة تتعافى عندما تتحسّن الأوضاع.

وقد بدأ الخوف ينتاب المسؤولين من احتمال تعذّر الحفاظ على المستويات الراهنة فيما يخص التمويل من أجل تحسين الصحة على الصعيد الدولي. والتقييم الصادر عن البنك الدولي الأسبوع الماضي يبرّر تلك المخاوف تماماً. والعواقب ستكون مريعة لا محالة.

وهناك أكثر من ثلاثة ملايين من المصابين بالأيدز والعدوى بفيروسه في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل يتلقون حالياً المعالجة بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية التي تسهم في إطالة الأعمار. وقد ساعدت تلك الأدوية على بعث الحياة في نفوسهم من جديد، ممّا مكّن من إنعاش الأسر والمجتمعات المحليّة مجدّداً. والجميع يعلم أنّ ذلك العلاج يدوم مدى الحياة. فهل تسمح لنا مبادئنا الأخلاقية بخفض الإنفاق في هذا المجال ؟

وبإمكان العواقب المريعة أن تكون معدية أيضاً. ذلك أنّ توقف عمليات الإمداد بالأدوية، ولاسيما الأدوية اللازمة لعلاج الأيدز والعدوى بفيروسه والملاريا، من الأمور التي تسهم في وقوع عدد هائل من الوفيات التي يمكن توقيها. كما يؤدي توقف تلك العمليات إلى تطوّر ظاهرة مقاومة الأمراض للأدوية.

ويمكن لأشكال الأمراض المقاومة للأدوية الانتشار بسرعة على الصعيد الدولي. ونلاحظ ذلك، الآن، مع زيادة انتشار السل المقاوم للأدوية المتعدّدة، بل وحتى زيادة انتشار السل الشديد المقاومة للأدوية الذي يثير القلق بصورة أكبر. ذلك أنّه يتعذّر تقريباً علاج هذا الشكل من السل، الذي يناهز معدل إماتة حالاته 100%.

وقد تعيدنا زيادة انتشار هذا الشكل من السل إلى عصور ما قبل استحداث المضادات الحيوية. فهل يمكن للعالم، فعلاً، مواجهة خطر بهذه الدرجة؟

وتسهم عمليات ترصد الأمراض المستجدة في ضمان الأمن على الصعيد العالمي. وإذا قلّت أنشطة الترصد الأساسية والقدرات المختبرية، فهل يمكن للسلطات الصحية التفطّن لما يمكن أن يظهر في المستقبل من أوبئة المتلازمة الرئوية الحادة الوخيمة (سارس) أو الكشف عن فيروس جائح في الوقت المناسب لإنذار العالم والتخفيف من الضرر؟

ونحن نعلم أنّ المساعدة الخارجية لأغراض الصحة قد ارتفعت بنسبة تجاوزت الضعف منذ بداية هذا القرن. وعلى الرغم من هذا الاتجاه، فإنّ نصف بلدان العالم تقريباً لا يملك القدرة اللازمة لتمويل أدنى "مستلزمات البقاء على قيد الحياة" المندرجة ضمن الخدمات الصحية الأساسية.

إنّ تخفيض المساعدة المالية الخارجية سيؤدي، لا محالة، إلى إزهاق الأرواح.

وهناك، على الصعيد العالمي، نحو مليار نسمة ممّن هم فعلاً على حافة الهاوية. ولا يجب فعل الكثير لدفعهم في أعماقها. وقد يحدث ذلك بسبب الأزمة المالية. وقد يحدث ذلك أيضاً بسبب تغير المناخ.

السيدات والسادة،

إنّ البيّنات العلمية المتوافرة تؤكّد، بشكل دامغ، أنّ المناخ آخذ في التغير وأنّ آثار ذلك التغير باتت محسوسة بالفعل.

وسوف يحدث احترار كوكب الأرض بصورة تدريجية، ولكنّ الآثار الناجمة عن زيادة حدوث الأحوال الجوية المتطرفة، مثل الأعاصير الشديدة وموجات الحرارة ونوبات الجفاف والفيضانات، وعن زيادة وخامتها ستكون فجائية وذات وقع شديد. ومن شأن كلتا النزعتين أن تؤثر على بعض من أهمّ المحددات الأساسية للصحة، أي الهواء والغذاء والماء.

وأدرك تماماً أنّني أتحدث إلى حضور في بلد كان، دوماً، في طليعة الحماية البيئية واستحداث التكنولوجيات المتطورة وتطبيقها. و دعوني، في هذا الصدد، أعرب عن خالص احترامي لحكومة ألمانيا وشعبها.

كما أعرب عن شكري لهذا البلد على الدعم القوي الذي يقدمه في سبيل التنمية الصحية ولتمكين منظمة الصحة العالمية من القيام بعملها، بما في ذلك الدعم المقدم من ما يزخر به بلدكم من علماء وأخصائيين في مجال الوبائيات ومختبرات ومعاهد بحثية شهيرة.

وقد تم، بدرجة عالية من اليقين، تحديد عدة من العواقب الصحية التي سنشهدها ومنها زيادة حالات سوء التغذية، شأنها شأن عدد الوفيات الناجمة عن أمراض الإسهال. وستتسبّب زيادة الأعاصير والفيضانات في وقوع المزيد من الوفيات والإصابات، كما يُتوقع تزايد حدوث فاشيات الكوليرا.

وستؤدي موجات الحرارة، وبخاصة في المدن الكبرى، إلى وقوع المزيد من الوفيات، لاسيما بين المسنين. ويمكن أن يسهم تغير المناخ في تغيير التوزيع الجغرافي لنواقل الأمراض، بما في ذلك الحشرات التي تنقل الملاريا وحمى الضنك.

وقد أصبحت جميع تلك المشاكل ضخمة فعلاً، كما أنّها باتت تتركّز في العالم النامي إلى حد كبير، وبات من الصعب التحكّم فيها.

وعلى الرغم من أنّ تغيّر المناخ يمثّل، في حد ذاته، ظاهرة عالمية فإنّ عواقبه لن تكون موزّعة بالتساوي. ويتفق العلماء على أن البلدان النامية ستكون أوّل المتضرّرين وأشدّهم تضرّراً.

وتشير أحدث الإسقاطات إلى أنّ أفريقيا ستتضرّر أشدّ الضرر وقد يكون ذلك في عام 2020. ومن المتوقع، في غضون عشرة أعوام من الآن، أن تشهد بعض البلدان الأفريقية انخفاضاً في المحاصيل الزراعية بنسبة 50%، وأن يزداد الإجهاد المائي ليلحق أضراراً بنحو 250 مليون نسمة من سكان أفريقيا.

وأدعكم تتخيّلون ما لذلك من أثر على الأمن الغذائي وسوء التغذية. وما له من أثر على المعونة الغذائية. ففي كثير من البلدان الأفريقية لا تزال الزراعة تمثّل أهم الأنشطة الاقتصادية بالنسبة لنحو 70% من السكان. كما أنّ 90% من الفقراء الأفارقة يعتمدون على زراعة الكفاف لسدّ أدنى احتياجاتهم، دون تحقيق أيّ فائض ولا أيّة قدرة على التكيّف وامتصاص الصدمات.

وتقضي النساء والفتيات، في بعض المناطق من آسيا حالياً، ست ساعات إلى تسع ساعات في جمع المياه كل يوم. وكيف سيكون هذا العبء إذا تفاقمت مشكلة نقص المياه، كما يحدث الآن؟

وعلينا النظر أيضاً فيما تعنيه هذه التغيرات بالنسبة للمجتمع الدولي. فالمزيد من الكوارث والفيضانات والمجاعة يعني المزيد من الطلبات على المساعدة الإنسانية. وستأتي تلك الطلبات في وقت تعاني فيه معظم البلدان، أصلاً، من تغير المناخ.

وسوف يضطر المجتمع الدولي أيضاً إلى التعامل مع عدد متزايد من اللاجئين بسبب البيئة. فإذا تعرّضت الأرض للجفاف أو الملوحة وغُمرت المناطق الساحلية والأراضي الواطئة بالمياه، يصبح من المتعذر على هؤلاء العودة إلى ديارهم. وهكذا، يصبح اللاجئون لأسباب بيئية موجة جديدة من المستوطنين، وربّما يزيدون طينة التوترات الدولية بلّة.

ومن شأن أيّ إجراء يمكننا اتخاذه الآن بغية الحد من الأعباء القائمة الإسهام في زيادة القدرات الوطنية والدولية على التكيّف مع حالات الإجهاد الجديدة التي ترافق تغير المناخ. وذلك يعطينا حجة قوية أخرى للثبوت على طريقنا صوب بلوغ المرامي الإنمائية للألفية المتعلقة بالصحة.

لقد كان الدب القطبي، حتى الآن، المؤشر على تغير المناخ. ولا بد لنا من استخدام كل ما تزخر به الأدبيات من آليات سليمة من الناحيتين العلمية والسياسية لإقناع القادة بأنّ البشرية هي فعلاً أهمّ الأنواع المعرّضة لأخطار تغير المناخ.

وهل يمكن للقطاع الصحي إعطاء وجه بشري للمشكلات الأخرى التي نشاهدها في هذه الفوضى العارمة التي تسود العالم؟ وهل يوجد العالم في مكانة لإعطاء بعد أخلاقي وإدراج نظام قيم في السياسات التي تحكم أنظمتنا السياسية؟

يمكنني، بحكم المهام التي تنطوي عليها وظيفتي في الوقت الراهن، الردّ بالإيجاب دون أيّ ريب. ولكنّني أملك بعض الحجج القاطعة لدعم وجهة نظري.

السيدات والسادة،

دعوني أنتقل إلى قضية ثالثة ألا وهي الأزمات العالمية التي تظهر بسبب عالم المكروبات الآخذ في التغيّر بشكل مطّرد. وهذه القضية تختلف عن الأزمة المالية وتغير المناخ.

إنّها مختلفة لأنّ القطاع الصحي يحتل مركزاً رائداً في الوقت الحالي. فهو يصوغ السياسات ويقوم على تسيير الشؤون الصحية من خلال اللوائح الصحية الدولية. ولا يتعيّن علينا الدخول في منافسة مع المصالح الاقتصادية. ذلك أنّ الموازين قد انقلبت فعلاً.

وتشكّل الأمراض المستجدة والأمراض التي يمكنها أن تتحوّل إلى أوبئة أخطاراً تتهدّد أمن المجتمع الدولي لأنّها قادرة، تحديداً، على إحداث تدهور اقتصادي واجتماعي هائل.

ومن النادر جداً أن يستأثر قطاع الصحة العمومية بما نسمع عنه كل أسبوع تقريباً من خطط الإنقاذ المالي المقدرة بمليارات الدولارات. غير أنّ آخر التقديرات الصادرة عن البنك الدولي تشير إلى أنّ من شأن جائحة الإنفلونزا القادمة أن تكلّف الاقتصاد العالمي، بسهولة، ثلاثة آلاف مليار دولار أمريكي.

ويقول لنا قادة العالم إنّ الأزمة المالية شديدة الوخامة ولا يمكن التنبؤ بها لأنّها الأولى من نوعها في ظلّ الظروف الفريدة التي تطبع القرن الحادي والعشرين.

وكانت المتلازمة الرئوية الحادة الوخيمة (سارس)، التي ظهرت في عام 2003، أوّل مرض وخيم جديد يشهده القرن الحادي والعشرون. وقد ظهر ذلك المرض، على غرار الأزمة المالية، في وقت يتسم بزيادة كبيرة في الترابط بين أجزاء العالم.

وكانت متلازمة سارس أوّل مرض ينتقل بسرعة في جميع أنحاء العالم عبر طرق السفر الجوي الدولي. وتعرّضت لمخاطره كل مدينة تملك مطاراً دولياً. وقد تسبّب في غلق بعض المطارات والشركات التجارية والمدارس، فضلاً عن بعض الحدود. كما تسبّب في شلّ الاقتصادات وبعث الخوف والفزع في نفوس الناس.

ولكن لا ينبغي لكم أن تنسوا أنّ الاستجابة لمقتضيات متلازمة سارس كانت جهداً متروياً بُذل من أجل الحيلولة دون استحكام ذلك المرض في هذا العالم بشكل دائم، ودون التحاقه بمجموعة الأمراض الفتاكة من قبيل الأيدز والسل والملاريا.

وكانت تلك المتلازمة من الأمراض المعدية العالمية التي تم وقفها بسرعة. فقد تمكّنت منظمة الصحة العالمية وهيئاتها الشريكة من القضاء على ذلك الداء في بؤرته في غضون أربعة أشهر.

لقد كان القطاع الصحي متأهباً لمواجهة ذلك الوضع. وكانت آليات الترصد والإنذار والاستجابة قائمة وتؤدي عملها على نحو كامل. وبالتالي تمكّنا من التحكّم في المخاطر, ولم تفلت تلك الأزمة من سيطرتنا.

ومنذ بداية الفاشية وضع أبرز علماء العالم المنافسة جانباً للعمل جنباً إلى جنب وعلى مدار الساعة في مختبر افتراضي. وتمكّنوا من الكشف عن الفيروس في غضون شهر واحد.

هذا هو الجانب المشرق للعولمة. إنّه مثال على التعاون والتضامن لمواجهة خطر مشترك.

ونشاهد التضامن الدولي نفسه في دعم الجهود الرامية إلى استئصال شلل الأطفال، بما في ذلك الدعم الإنساني الذي يقدمه الروتاري الدولي والدعم المقدم من عدة حكومات مستنيرة منها ألمانيا.

وتسهم الهواجس الصحية أيضاً في حفز السلوكيات الأخلاقية في القطاع الصناعي، ومن الأمثلة على ذلك عندما بادرت الشركات الصيدلانية إلى خفض أسعار أدوية الأيدز بشكل كبير. كما يمكن لتلك الهواجس إقناع المجتمع الدولي بالموافقة على مكافحة منتجات تسبّب الضرر، مثل التبغ، وذلك رغم ما تدرّه من فوائد اقتصادية.

مازال هناك أمل.

وإن كان علينا إعادة التفكير في طريقة سير هذا العالم ومراجعة بعض من نُظمنا الدولية، فإنّني أرى شخصياً أنّ الصحة تستحق عناية خاصة لتأدية دور قيادي.

إنّنا نستند إلى البيّنات العلمية ولا نستند إلى الفوائد المكتسبة لتوجيه سياساتنا. وبالتالي فإنّنا نستفيد من قوة المنهجية العلمية وموضوعيتها. ولا يخفى على أحد أنّ القطاع الصحي يضع في صميمه حماية المصالح البشرية العليا وهو يستند، للقيام بذلك، إلى بعد أخلاقي قوي ومجموعة متينة من القيم الاجتماعية.

دعونا نواصل بعث الأمل في نفس هذا العالم الذي بات في حاجة ماسّة إليه لمجابهة الأزمات الحادة، ودعونا نواصل إدخال ما يقتضيه الوضع من تعديلات.

وشكراً لكم.

شارك