المديرة العامة

توقي حالات السل المقاوم للأدوية وتدبيرها العلاجي من المقتضيات الصحية العالمية

الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

ملاحظات افتتاحية في الاجتماع الوزاري للبلدان المُثقلة بعبء السل المقاوم للأدوية المتعدّدة/السل الشديد المقاومة للأدوية

السيد الرئيس، فخامة الرئيس سمبايو، سعادة نائب رئيس الوزراء لي كيكيانغ، معالي الوزراء، زملائي وشركائي في الصحة العمومية، السيدات والسادة،

دعوني، أوّلاً، أعرب عن شكري لوزارة الصحة في جمهورية الصين الشعبية ومؤسسة بيل وميليندا غيتس على تعاونهما مع منظمة الصحة العالمية من أجل إتاحة جميع الإمكانيات لعقد هذا الاجتماع.

ولا بد لنا، في هذه الأوقات التي تطبعها الأزمة المالية وظاهرة الانكماش الاقتصادي، من النظر بدقة كبيرة في مجالات الصحة العمومية التي يمكننا تكبّد خسائر فادحة فيها على جناح سرعة نتيجة أيّ تراجع فيما نبذله حالياً من جهود. ومن أوّل الأمثلة على ذلك مكافحة السل.

وتبرز مسألة السل أيضاً الحاجة إلى وضع سياسات صحية وإنمائية شاملة ترمي إلى خدمة مصالح الفقراء والتصدي للمحدّدات الاجتماعية الكامنة وراء اعتلال الصحة. وسأركّز على المشكلات والعواقب التي تتجاوز البرامج الوطنية لمكافحة السل.

وتمثّل مكافحة السل على الصعيد العالمي، إذا ما نظرنا إليها من زاوية واحدة، إحدى التجارب الناجحة المشجعة. ففي أواخر ثمانينات القرن الماضي ظهر السل مجدّداً بضراوة نتيجة عوامل عدة أهمّمها وباء الأيدز والعدوى بفيروسه. وفي عام 1993 أعلنت منظمة الصحة العالمية أنّ السل بات من الطوارئ الصحية العمومية على الصعيد العالمي. وقد استجاب العالم بإبداء ما يجب من التزام وتمكّن من استحداث علاج موحد يفي بالغرض ووضع استراتيجية عالمية شاملة ومحدّدة التكاليف وإقامة شراكة فعالة لتنفيذها بشكل منسق.

وقد جلبت الاستجابة الدولية أيضاً آليات رائدة لتأمين توافر الأدوية المضادة للسل بكميات كافية ونوعية مضمونة وأسعار معقولة. ونتيجة لذلك ولعدة عوامل أخرى ارتفعت معدلات حالات السل الجديدة لتبلغ ذروتها في عام 2004، ثمّ بدأت تنخفض بوتيرة بطيئة لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وقد تمكّن السل، إذا نظرنا إليه من زاوية أخرى، من وضع العالم مجدّداً في مهبّ الريح. ومردّ ذلك ظهور السل المقاوم للأدوية وانتشاره. والوضع مريع فعلاً، ومن المرجّح أن يتفاقم بسرعة فائقة.

وفي العالم الماضي أورد تقرير منظمة الصحة العالمية بشأن ظاهرة مقاومة السل للأدوية أكبر المستويات المُسجلة على الإطلاق في حالات السل المقاوم للأدوية المتعدّدة لدى عامة الناس. أمّا التقديرات الواردة في تقرير عام 2009 الصادر عن المنظمة في هذا الشأن فقد أشارت إلى أنّ عام 2007 شهد وقوع أكثر من نصف مليون حالة جديدة من السل المقاوم للأدوية المتعدّدة.

ومن الأمور المروّعة بشكل أكبر أنّ أكثر من نصف تلك الحالات أبدت مقاومة حيال الأدوية المتعدّدة منذ البداية، وليس كنتيجة مباشرة لعلاج متدني النوعية. هذا هو جرس الإنذار الحقيقي. وهو يعني أنّ السلالات المقاومة تدور الآن بين عامة الناس وتنتشر على نطاق واسع، وبصمت في غالب الأحيان، في ظلّ رقعة من العدوى ما فتئت تتسع.

وهذه هي إشارة الإنذار الحقيقية: إذا لم يواجه السل المقاوم للأدوية المتعدّدة بقوة، فإنّه سيحلّ محلّ أهمّ السلالات الحسّاسة للأدوية والتي تتسبّب حالياً في حدوث 95% من حالات السل في جميع أنحاء العالم.

ومن الأمور التي لا تبعث على التفاؤل إطلاقاً ظهور السل الشديد المقاومة للأدوية، الذي تم الإبلاغ عنه في 55 بلداً. وحجم المشكلة لا يزال مجهولاً في معظم البلدان المنخفضة الدخل، ولاسيما في أفريقيا، بسبب صعوبة تشخيص ذلك النوع من السل. ولكنّ ثمة حقيقة نعرفها حق المعرفة وهي أنّ بإمكان هذا الشكل من المرض، إذا لم يُكشف عنه، إعادتنا إلى عصور ما قبل استحداث المضادات الحيوية.

وعليه فإنّ توقي حالات السل المقاوم للأدوية وتدبيرها العلاجي من المقتضيات الصحية العالمية.

ونحن بحاجة إلى اجتماع وزاري بشأن السل المقاوم للأدوية المتعدّدة والسل الشديد المقاومة للأدوية لأنّ أخطاراً بهذه الدرجة تتطلّب وعياً والتزاماً سياسيين على مستوى عال. ولا بد من مواجهتهما باتخاذ قرارات سياسية تخدم مصالح الفقراء.

ونحن بحاجة أيضاً إلى اهتمام سياسي على مستوى عال لأنّ البرامج الوطنية لمكافحة السل لا يمكنها التصدي، بمفردها، لهذين الخطرين الجديدين. فقد أصبحت المشكلة ضخمة وأصبح الخطر عظيماً.

وبعبارة أوضح، لن يمكننا التصدي للسل المقاوم للأدوية في غياب نظام صحي يفي بالغرض. فلا بد لنا من استجابة عابرة للحدود.

والجدير بالذكر أنّ السل المقاوم للأدوية المتعدّدة والسل الشديد المقاومة للأدوية من الأمراض التي ستغتنم كل الفرص للانتشار والتعاظم. وتلك الفرص تأتي، كما نعلم، من مواطن الضعف القائمة في توفير خدمات الرعاية الصحية.

ومكافحة السل بالطرق الأساسية السليمة هي أفضل وسيلة لتوقي السل المقاوم للأدوية. ومواطن النقص الأساسية التي تعاني منها النُظم الصحية تعرقل تلك المكافحة. كما أنّ تدني علاج حالات السل العادية يسهم في تطوّر السلالات المقاومة للأدوية المتعدّدة. ويسهم تدني علاج السل المقاوم للأدوية المتعدّدة، بدوره، في تطوّر السل الشديد المقاومة للأدوية.

ومن المثير للقلق بشكل مماثل أنّ السل المقاوم للأدوية يتسبّب في ظهور طلبات وضغوطات إضافية على بعض من عناصر النظام الصحي التي تعاني من الهشاشة أصلاً. وبعبارة أخرى، فإنّ السل المقاوم للأدوية يسهم، بشكل كبير، في إجهاد وزعزعة القدرات الأساسية اللازمة للوقاية منه في المراحل الأولى.

السيدات والسادة،

إنّ تشخيص السل المقاوم للأدوية المتعدّدة يطرح صعوبة كبرى ويعتمد على مختبرات عالية الجودة مجهّزة بما يلزم من عاملين ومعدات وتسعى، في أفضل الحالات، إلى تأدية وظائفها بتوخي المستوى 3 من الأمن البيولوجي. والمعروف أنّ المختبرات تمثّل عنصر النُظم الصحية الذي يعاني من الإهمال بأكبر درجة. ذلك أنّ القدرات ليست متوافرة، حقاً، في معظم البلدان المُثقلة بعبء السل.

وهناك مستلزمات جديدة لتشخيص السل باتت متوافرة، ولكنّ عملية نقل التكنولوجيا تشهد بعض التباطؤ وثمة مختبرات لا تُعد ولا تُحصى تفتقر إلى ما يلزم من معدات وعاملين لمواكبة تلك الإنجازات التقنية.

وتم استحداث التوليفات ذات الجرعة الثابتة، تحديداً، للحد من مخاطر تطوّر مقاومة حيال الأدوية. وتلك التوليفات تتيح، من الناحية اللوجيستية، سهولة أكبر فيما يخص تخزينها وتوزيعها. أمّا أسعارها فهي تعادل أسعار الأقراص السائبة أو تقلّ عنها سعراً، كما أنّ من الأسهل تمويل العلاج بها. غير أنّ تلك التركيبات الدوائية مازالت لا تُستعمل بالقدر الكافي في جميع البلدان المثقلة بعبء السل تقريباً. فهل سيشهد استعمالها تحسّناً لوأدركت السلطات الصحية تماماً عواقب ذلك التقصير؟

والجدير بالذكر أنّ مقرّرات الخط الثاني العلاجية التي يوصى بها في الوقت الراهن تطرح بعض التعقيد وتدوم فترات طويلة وتقتضي رصداً مكثّفاً للآثار الضائرة وحصائل العلاج. ولا بد من بذل جهود صارمة لضمان امتثال المرضى للعلاج. والكل يعلم أنّنا نعاني، فعلاً، من نقص حاد في العاملين الصحيين.

وقد تكون تكاليف علاج السل المقاوم للأدوية المتعدّدة أكبر من تكاليف علاج السل العادي بنحو 200 مرّة، وذلك عندما يستفيد البلد من الأسعار التساهلية التي تتيحها مبادرة لجنة الضوء الأخضر. وإذا تم إنتاج تلك الأدوية وتداولها في السوق الحرّة، فإنّ الفرق في السعر قد يبلغ ألف مرّة. ويتحمّل المرضى وأسرهم، في كلا الحالتين، نفقات باهظة.

ولا بد من إيجاد سُبل لإتاحة خدمات الرعاية الصحية بدون مقابل. ونحن نعلم أنّ تلك الرعاية تضمن أفضل النتائج، لاسيما في الأماكن التي تشحّ فيها الموارد. كما يجب إشراك المرضى والمجتمعات المحلية وتنظيمات المجتمع المدني، على نحو كامل، في أنشطة الوقاية والعلاج والرعاية.

ولا بد أن تتمكّن نُظم شراء الأدوية من ضمان عدم انقطاع الإمدادات الدوائية. كما يجب أن تسعى نُظم الرقابة التنظيمية إلى ضمان استيفاء تلك الأدوية معايير الجودة الموافق عليها وبيعها بناء على وصفة طبية فقط وضمان وصفها من قبل أطباء معتمدين.

ويجب تحسين عمليات مكافحة أنواع العدوى المنقولة بالهواء في المستشفيات وغيرها من الأماكن التي تعجّ بالناس، ولاسيما الأماكن التي تشهد انتشار الأيدز والعدوى بفيروسه. كما يجب تحسين التعاون مع برامج مكافحة فيروس الأيدز. ذلك أنّ المتعايشين مع ذلك الفيروس يواجهون، أكثر من غيرهم، مخاطر الإصابة بالسل المقاوم للأدوية المتعدّدة، ومخاطر الوفاة بأعداد كبيرة وفي فترة قصيرة للغاية.

وجميع تلك القيود هي أيضاً بمثابة جرد لأشيع مواطن الضعف القائمة في النُظم الصحية وأكثرها تعجيزاً.

والجدير بالملاحظة أنّ البرامج الوطنية لمكافحة السل لا تتمكّن من الكشف، حالياً، إلاّ عن أقلّ من 5% من الحالات المقدرة من السل المقاوم للأدوية المتعدّدة. ولا يستفيد من العلاج وفق المعايير التي توصي بها منظمة الصحة العالمية سوى أقلّ من 3% من تلك الحالات. وقد بلغت التكاليف، كما قلت، مستويات باهظة. ففي جميع البلدان المُثقلة بعبء السل والبالغ عددها 27 بلداً تتجاوز التكاليف المرتبطة بعلاج مريض واحد، بكثير، متوسط نصيب الفرد من الدخل السنوي.

ونقص الكشف عن الحالات يعني نقص البيانات، وذلك يعني أيضاً نقص القدرة على التنبؤ بالأدوية ونقص الحوافز التي تشجّع صانعي الأدوية، الذين يميلون إلى تحديد الإنتاج حسب الطلب. والمُلاحظ أنّ إمدادات أدوية الخط الثاني غير كافية لضمان التدبير العلاجي، حتى للعدد القليل من الحالات التي تستفيد من خدمات العلاج.

ذلك أنّ معظم أدوية الخط الثاني، أو جميعها، تُباع في سوق التجزئة الخاص ودون وصفات طبية في غالب الأحيان. فكيف يمكن رصد الآثار الضائرة؟ وكيف يمكن ضمان الامتثال للعلاج؟

ومن الواضح أنّ الوضع أوشك على الإفلات من سيطرتنا. ولكم أن تسموه كيفما شئتم: قنبلة موقوتة أو برميل بارود. فإنّه يمثّل، كيفما نظرتم إليه، وضعاً قد يؤول إلى الانفجار.

والخلاصة واضحة أيضاً وهي أنّنا بحاجة ماسّة إلى إدخال تحسينات على عمليات الكشف عن الحالات والتدبير العلاجي الموحد بأدوية مضمونة الجودة على جميع مستويات النظام الصحي، أي في القطاعين العام والخاص والقطاع الطوعي وبرامج مكافحة فيروس الأيدز والمستشفيات والبرامج الوطنية لمكافحة السل.

وأفضل طريقة للقيام بذلك هي من خلال سياسية تسعى إلى تحقيق تغطية شاملة وعادلة وميسورة التكلفة وتعزيز جميع القدرات اللازمة لبلوغ هذا المرمى.

إنّني أحثّكم على اتخاذ القرارات السياسية المناسبة بتوخي مستوى العجلة الملائم. وفي هذه الأوقات التي تتسم بانكماش اقتصادي لا يمكن للعالم، حقاً، أن يترك خطراً بهذا المستوى من الخطورة والتعقيد والتكلفة يفلت من سيطرته.

إنّ الحلّ في أيديكم. وكونوا على ثقة بأنّ المنظمة وهيئاتها الشريكة في مبادرة دحر السل ستواصل تزويدكم بالدعم الكامل.

وشكراً لكم.

شارك