المديرة العامة

التقرير الخاص بالصحة في العالم 2010

الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

الكلمة الرئيسية الملقاة في المؤتمر الوزاري الدولي المعني بتمويل النظم الصحية
برلين, ألمانيا

22 تشرين الثاني/نوفمبر 2010

أصحاب السعادة، معالي الوزير نيبيل، معالي الوزير روسلير، معالي الوزراء، السادة المندوبون الموقرون، زملائي في مجال الصحة العمومية، السيدات والسادة،

دعوني أستهلّ كلمتي بتوجيه الشكر إلى وزارتي ألمانيا الاتحاديتين لشؤون الصحة وشؤون التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي على الاشتراك في تنظيم واستضافة هذا المؤتمر الوزاري الدولي المعني بتمويل النظم الصحية.

ودعوني أتوجه بالشكر أيضاً إلى وزارة الصحة في ألمانيا على إسهامها المالي في إعداد التقرير الخاص بالصحة في العالم لهذا العام، الذي يتناول مسألة تمويل النظم الصحية، والذي شارك في دعمه أيضاً كل من مؤسسة روكفيلير ووكالة الولايات المتحدة الأمريكية للتنمية الدولية.

ويسعى التقرير الخاص بالصحة في العالم، على غرار هذا المؤتمر، إلى وضع المزيد من البلدان على السبيل المؤدي إلى تحقيق التغطية الشاملة ومساعدة البلدان الأخرى على الحفاظ على المكاسب التي حققتها. وسيتم إصدار هذا التقرير اليوم، وسأعرض عليكم بعض النتائج والاستنتاجات التي خلص إليها.

ولا شكّ في أنّ المناقشات التي ستدور بينكم ستسهم كذلك في إثراء فهمنا لأفضل الممارسات المُتبعة في مجالي تمويل الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.

السيدات والسادة،

إنّ راسمي السياسات في كل البلدان يستعرضون، باطراد، طريقة تمويل الرعاية الصحية. فهم ينظرون في طريقة جمع الأموال، وفي كيفية تجميعها من أجل توزيع المخاطر، وفي نوع الخدمات التي تُقدم مجاناً ونوع الخدمات التي ينبغي دفع تكاليفها، وفي كيفية دفع أجور الأطباء والممرضين والعاملين الآخرين.

إنّهم يبحثون عن سُبل التكيّف مع تكاليف الرعاية الصحية الآخذة في الارتفاع، وأنماط الأمراض الآخذة في التغيّر، والتوقعات والطلبات المتزايدة لسكان بلدانهم. ويجرّبون مخططات وخيارات سياسية مختلفة تُتوّج بنجاح في بعض الأحيان وتؤدي، في كثير من الأحيان، إلى آثار ومفاجآت غير مقصودة. إنّهم يبحثون عن الأموال ويبحثون عن الإرشادات الخاصة بأفضل الطرق لإنفاقها.

لقد طلبت إعداد هذا التقرير الخاص بالصحة في العالم استجابة لما أبدته البلدان الغنية والبلدان الفقيرة على حدّ سواء من حاجة إلى الحصول على إرشادات عملية بشأن كيفية تحسين آليات تمويل الرعاية الصحية.

وقد أصبحت الحاجة إلى الإرشادات في هذا المجال ملحّة بشكل كبير في أوقات الانكماش الاقتصادي العالمي وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية. ففي كل مناطق العالم تشهد تلك التكاليف زيادة مع تشيّخ السكان وتزايد الأمراض المزمنة وإتاحة علاجات جديدة وأكثر تكلفة.

وقد لمست، خلال المناقشات التي أجريتها مع وزراء الصحة والمسؤولين في المجال الصحي، موافقة على نطاق واسع بأنّ المضي نحو التغطية الشاملة يمثّل أفضل السُبل لإرشاد الإصلاحات في ميدان الرعاية الصحية. والملاحظ أنّ جميع البلدان تقريباً تودّ المضي في هذا الاتجاه، ولكنّها تجهل أكثر الخيارات السياسية فعالية، وتجهل تكاليفها، وتجهل مصادر الأموال المحتملة.

والقيادات الأوروبية ملتزمة أيضاً ببلوغ المرمى المتمثّل في تحقيق التغطية الشاملة، وذلك لا يتبلور في بلدانكم فحسب، بل كذلك في الاستراتيجيات التي وضعها الاتحاد الأوروبي مؤخراً لدعم الصحة العالمية.

والأسلوب الأوّل الذي يختلف به هذا التقرير عن النصائح الأخرى الخاصة بتمويل الرعاية الصحية يتمثّل في تركيزه، بقوة، على المضي نحو التغطية الشاملة.

والالتزام بتحقيق التغطية الشاملة يعني، من الناحية العملية، لزوم أن يستفيد جميع السكان في بلد ما من درجة معيّنة من الحماية المالية ضدّ تكاليف بعض الخدمات الصحية الأساسية على الأقلّ. وذلك يعني، من الناحية الأخلاقية، وجوب ألاّ يتعرّض أيّ شخص ممّن هم في حاجة إلى الرعاية الصحية، سواء كانت علاجية أو وقائية، للإفلاس بسبب اضطراره إلى دفع تكاليف تلك الرعاية.

والجدير بالذكر أنّ الحصول على خدمات الرعاية الصحية الأساسية من حقوق الإنسان الأساسية، على النحو الوارد في دستور منظمة الصحة العالمية، وأنّه ليس امتياز لا يتمتع به إلاّ من يعيشون في بعض المجتمعات الثرية. ولكنّ هذا الحق لا يتبلور في أرض الواقع إلاّ نادراً. ففي كثير من البلدان يتلقى الأثرياء كل ما يحتاجونه من خدمات الرعاية الصحية، بينما يُترك الفقراء لمجابه مشاكلهم بمفردهم.

فلا بدّ من تصحيح هذا الوضع. وهذا التقرير يبيّن أنّه يمكن تصحيحه. والملاحظ أنّ ذلك التصحيح جار في عدد متزايد من البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل. فبوسع كل بلد ينتهج السياسات المناسبة، كما ورد في التقرير، المضي نحو التغطية الشاملة وإدخال تحسينات ملحوظة على الحصائل الصحية في غالب الأحيان.

ومن الأغراض الأساسية التي ينشدها التقرير مساعدة البلدان على انتهاج السياسات المناسبة، إمّا بغية جمع المزيد من الموارد لأغراض الصحة أو توزيع تلك الموارد بمزيد من الإنصاف.

لل والتغطية الشاملة تمثّل، في رأيي، أحد المرامي النبيلة والممكنة والمناسبة التوقيت. وهي تمثّل أيضاً أحد المرامي المحفوفة بالتحديات، ولكن لا بدّ لنا من خوض المعركة الآن قبل الغد. وإذا لم تجد النُظم الصحية الإجابات الصحيحة الآن، فإنّ الفواتير ستستمر في الارتفاع.

والملاحظ أنّ كثيراً من السياسات الخاصة بتمويل الرعاية الصحية لا تقدم الحوافز المناسبة. فهي تشجّع على الاضطلاع بالاختبارات والإجراءات غير الضرورية وعلى وصف الأدوية بشكل مفرط وعلى المكوث في المستشفيات لفترات أطول ممّا ينبغي. كما أنّها لا تعير الكثير من الاهتمام لمسألة الوقاية.

وقد تبيّن أنّ السمنة بلغت مستويات وبائية، بما في ذلك في عدة دول غنية. كما يُلاحظ أنّ الأمراض المزمنة المرتبطة بأنماط الحياة، مثل فرط ضغط الدم والسكري، تتزايد بسرعة فائقة وتحصد الكثير من الأرواح. وتلك الأمراض المكلّفة التي يمكن توقيها قادرة، إذا لم تُتخذ أيّة إجراءات للتصدي لها، على إجهاد مخططات التأمين وتفكيك شبكات السلامة اللازمة لضمان الحماية الاجتماعية.

والجدير بالذكر أنّ كثيراً من السياسات الصحية تتجاهل الفقراء، الذين تفوق احتياجاتهم الصحية، عادة، احتياجات جميع الفئات الأخرى. والنظم التي تعتمد بشكل كبير على المدفوعات المباشرة، بما في ذلك الرسوم المفروضة على المستفيدين، لدى التماس خدمات الرعاية تسهم، فعلاً، في زيادة مستوى الفقر. إنّها حقيقة مرّة في وقت يسعى فيه المجتمع الدولي إلى تحسين الصحة كإحدى استراتيجيات التخفيف من وطأة الفقر.

فاليوم نرى، فعلاً، أنّ الفروق الموجودة داخل البلدان وفيما بينها في مستويات الدخل، ومتوسط العمر المأمول، والحصائل الصحية، وفرص الحصول على خدمات الرعاية، باتت أكبر من أي وقت مضى في التاريخ الحديث.

وقد أصبحت المبالغ التي تنفقها الحكومات على الصحة، كما يورد التقرير، تتراوح بين دولار أمريكي للفرد الواحد إلى نحو 7000 دولار. كما يشير التقرير إلى أنّ ارتفاع مستوى الإنفاق على الصحة لا يضمن تحسين الحصائل الصحية. بل إنّ السياسات هي التي تحدث الفارق.

السيدات والسادة،

طالما تسبّبت مسألة تحديد أفضل سُبل تمويل الرعاية الصحية في إرباك راسمي السياسات. فقد جرى النقاش، طيلة عقود، حول خيارات سياسية مختلفة.

ولكن عندما يقرّر بلد ما العمل على تحقيق التغطية الشاملة تصبح النصائح أكثر دقة وتزداد مزايا ومثالب مختلف الخيارات السياسية وضوحاً وتتحدّد خطوط العمل.

إنّها سمة أخرى من السمات التي تطبع هذا التقرير. فهو يبسّط بعضاً من الحجج والنظريات الاقتصادية المعقدة للغاية، ويستخلص كمية كبيرة من تجارب البلدان ليضعها في قائمة تشمل عدة خيارات سياسية، مع تقديم نصيحة بخصوص كل خيار.

لقد تم التعمّد في جعل هذا التقرير مقتضباً لا يتجاوز 100 صفحة، ولكنّ نصائحه الصريحة تدعمها بيّنات تقنية مفصّلة وتحاليل اقتصادية واردة في أكثر من 50 من ورقات المعلومات الأساسية. ويتم نشر تلك المعلومات اليوم على الموقع الإلكتروني لمنظمة الصحة العالمية.

ويركّز التقرير توصياته ونصائحه على الأسئلة الثلاثة الكبرى التي تُطرح لدى الاضطلاع بأيّ حركة نحو التغطية الشاملة وهي: كيف يمكن حشد المزيد من الأموال لأغراض الصحة؟ وكيف يمكن توسيع نطاق الحماية المالية ليشمل الفقراء والمرضى؟ وكيف يمكن توفير الخدمات الصحية بكفاءة أكبر؟ وبالتالي فإنّه يضع عدداً من الحجج والتقديرات الاقتصادية الجديدة. ومن شأن ذلك المساعدة على تزويد وزارات الصحة بما يلزم للتفاوض بصورة أكثر إقناعاً مع وزارتي المالية والتجارة.

ويناقش التقرير، في نصيحته الخاصة بكيفية حشد المزيد من الأموال، سُبل زيادة الكفاءة في جمع الإيرادات، وإعطاء المزيد من الأولوية للصحة في الميزانيات الحكومية، وتعزيز فعالية المساعدة الإنمائية لأغراض الصحة.

كما يحدّد التقرير تسعة خيارات لحشد موارد محلية جديدة من مصادر مبتكرة. ومن تلك الخيارات ما يُسمى "ضرائب الإثم". ومن الأمثلة على ذلك الدراسة التي أُجريت في 22 بلداً من البلدان المنخفضة الدخل وبيّنت أنّه بإمكان تلك البلدان، مجتمعة، حشد مبلغ إضافي جديد كل عام لأغراض الصحة تتجاوز قيمته 1.4 مليار دولار أمريكي وذلك زيادة الضرائب المفروضة على التبغ بنسبة 50%.

وصراحة القول إنّ منظمة الصحة العالمية مولوعة "بضرائب الإثم"، لأنّها تمكّن من حشد الأموال وحماية الصحة في الوقت نفسه.

والملاحظ أنّ التقرير يخلص إلى بعض الاستنتاجات الجديدة ويسوّي بعض الخلافات ويضع حداً لنقاشات طال أمدها. ودعوني أذكر، في هذا الصدد، أمرين أسهما في تصميم النصيحة الخاصة بتوسيع نطاق الحماية المالية.

لقد تم، أوّلاً، تحديد المدفوعات المباشرة التي يسدّدها المرضى من جيوبهم لدى تلقي خدمات الرعاية باعتبارها الحاجز الأكبر والوحيد الذي يعترض سبيل التغطية الشاملة. وفي حين تم تعزيز الرسوم المفروضة على المستفيدين بوصفها أحد سُبل تقليص الاستفادة المفرطة من الخدمات، فإنّ تلك الرسوم لم تف بالغرض المنشود.

ذلك أنّ الرسوم المذكورة تعاقب الفقراء ولا تضمن أيّة كفاءة. بل إنّها تشجّع الناس على تأجيل التماس خدمات الرعاية حتى يبلغ المرض مراحل متقدمة ويصبح علاجه أكثر صعوبة وأكثر تكلفة بكثير. وعندما يقوم الناس بدفع تكاليف الرعاية من جيوبهم، فمن الممكن أن يكون مآلهم الإفلاس والخراب.

وفي بعض البلدان يواجه نحو 11% من السكان، كل عام، أزمة مالية حادة بسبب فواتير الرعاية الصحية، كما تدفع تلك التكاليف بنحو 5% من هؤلاء السكان إلى مستوى دون خط الفقر.

والأزمة المالية لا تظهر بتلك الحدّة جرّاء نوبة من نوبات الأمراض الوخيمة أو عملية جراحية طارئة أو حادث يتعرّض له المرء. بل إنّ استنزاف الأموال بشكل مستمر لدفع تكاليف علاج الأمراض المزمنة أو حالات العجز من الأمور الكفيلة بدفع الناس في هاوية الفقر.

ولا بدّ، كما قلت، من التصدي لهذا الوضع فوراً بالنظر إلى الاتجاهات الراهنة والمتوقعة، لاسيما ما يتعلّق بالسمنة والسكري والسرطان وفرط ضغط الدم. وذلك يبيّن لنا أيضاً أهمية وضع الحوافز التي تكافئ الرعاية الوقائية. وفي هذا الصدد يعرض التقرير كذلك سُبل القيام بذلك.

ويوصي التقرير، بشدّة، بضرورة الحدّ من الاعتماد على المدفوعات المباشرة، ولكنّه لا يدعو إلى وضع حدّ، بشكل عاجل وفي جميع الأماكن، للرسوم المفروضة على المستفيدين. فقد تبيّن من التجربة أنّ إزالة تلك الرسوم يؤدي، بصورة فورية تقريباً، إلى زيادة في الاستفادة من الخدمات.

وإذا لم تتمكّن الخدمات التي يموّلها القطاع العام من التكيّف مع ذلك الطلب، بسبب نقص العاملين أو نقص الأدوية، فإنّ الناس سيتحوّلون إلى الخدمات التي يوفرها القطاع الخاص بأسعار أغلى، ممّا سيلغي جميع المكاسب الحقيقية.

ويظهر من الاستنتاج الثاني، بوضوح، أنّه تم إبراز مخططات الدفع المسبق وتجميع الأموال وتوزيع المخاطر كأكثر السُبل إنصافاً لتمويل الرعاية الصحية. وتشكّل تلك العناصر مخططات تضامنية يدعم فيها الأغنياء الفقراء ويدعم فيها الأصحاء المرضى.

وتؤدي تلك المخططات وظائفها على أفضل وجه عندما تشمل أعداداً كبيرة من الناس. فمن الملاحظ أنّ كل بلد تقريباً من البلدان التي تمكّنت من تحقيق التغطية الشاملة أو اقتربت من مستوى تحقيقها اعتمدت على مخططات الدفع المسبق ومخططات توزيع المخاطر التي تشمل أعداداً كبيرة من المشاركين.

وذلك لا يمثّل حجة تدعم التأمين الصحي على حساب الرسوم. فمعظم البلدان تجمع بين الأمرين. بل هو يمثّل حجة لزيادة التضامن.

ويتناول التقرير أيضاً سُبل تعزيز الموارد من خلال استعمالها بحكمة أكبر. ويحدّد عشرة مجالات يمكن تحسين الكفاءة فيها بتحسين السياسات والممارسات، ممّا يؤدي إلى خفض النفقات الصحية بنحو 20% إلى 40%.

والجدير بالذكر أنّ تحسين السياسات الخاصة بشراء الأدوية ووصفها وضبط جودتها من أهمّ مصادر توفير الأموال في كل البلدان، علماً بأنّ استخدام الأدوية الجنيسة من الممارسات التي تتميّز عن غيرها في هذا الصدد. فمن الممكن، كما جاء في التقرير، توفير نحو 60% من تكاليف الأدوية في العديد من البلدان بانتهاج سياسة تشجّع على استعمال الأدوية الجنيسة.

كما يشير التقرير إلى أنّ السوق الدولي للمستحضرات الصيدلانية لا يتسم بالشفافية ولا بالكفاءة. فهناك تباين هائل بين الأسعار التي تدفعها مختلف البلدان للحصول على أدوية مماثلة. والملاحظ أيضاً أنّ بعض البلدان تقتني الأدوية بأسعار باهظة جداً تتجاوز السعر المرجعي الدولي بنحو 60 مرّة في بعض الأحيان.

ويتم، في جميع أنحاء العالم، وصف نصف الأدوية تقريباً أو توزيعها أو بيعها بطرق غير مناسبة. فلا يتلقى أملاح الإمهاء الفموي الزهيدة الثمن والبالغة الفعالية، مثلاً، إلاّ أقلّ من نصف المصابين بالإسهال الحاد، الذي يُعد أحد أشدّ الأمراض فتكاً بالأطفال في العالم النامي.

ويُعطى أولئك المرضى، عوضاً عن ذلك، مضادات حيوية باهظة التكلفة لا تعود بأيّة منفعة في علاج الإسهال. وتلك الممارسة من أخطاء الوصف المكلّفة التي تودي بحياة المرضى.

وتمثّل المستشفيات أحد المجالات الأخرى التي يمكن توفير مبالغ مالية جمّة فيها بتحسين الإدارة. ومن المشاكل الشائعة في هذا الصدد النزوع المفرط إلى إدخال المرضى المستشفيات وطول فترة مكوثهم فيها. وهناك بعض المستشفيات التي لا يمكنها ضمان الكفاءة، سواء لكبر حجمها أو لصغره.

السيدات والسادة،

إنّ التقرير الخاص بالصحة في العالم يقدم نصائح، ولكنّه يقدم تحذيرات أيضاً. ذلك أنّ الخيارات السياسية قد تكون سهلة الشرح وصعبة التنفيذ.

والمعروف أنّ النظم الصحية هي نظم تكيّف معقدة يمكن أن تتفاعل عناصرها المختلفة فيما بينها بطرق لا يمكن توقعها. وفي الوقت نفسه إذا لم يتمكّن راسمو السياسات من توفير التمويل المناسب فإنّ جميع العناصر الأخرى للنظام الصحي لن تفي بالغرض.

وتعتمد الحلول المناسبة لأيّ مشكلة، إلى حدّ كبير، على السياق السائد. ويعني ذلك أنّه لا يمكن للبلدان أن تنسخ السياسات التي تفي بالغرض في مكان واحد لتطبيقها، بشكل مباشر، في أماكن أخرى وأن تتوقّع الحصول على النتائج نفسها. ولا بدّ أن تكون أيّة استراتيجية فعالة في مجال تمويل الرعاية الصحية نابعة من داخل البلد.

كما يحذّر التقرير المسؤولين الصحيين من احتمال مواجهة معارضة شديدة. ذلك أنّ نظم التمويل الصحي تبدي، عادة، مقاومة حيال التغيير. وسيؤدي إدخال أيّ تعديل إلى ظهور مقاومة من قبل بعض أصحاب النفوذ من ذوي المصالح الكبرى.

ولا شكّ في أنّ دوائر الرعاية الصحية من الدوائر الضخمة والمربحة. وهي أيضاً من الدوائر الاستثنائية. والمعروف أنّ الإنجازات التكنولوجية التي تتحقق في كثير من دوائر الصناعة تجلب المزيد من البساطة وتمكّن من خفض أسعارها. ولكنّ الابتكارات في مجال المنتجات والأجهزة الطبية، عندما تتم انطلاقاً من توقعات متزايدة، تجلب المزيد من التطوّر والتعقيد وتؤدي إلى رفع الأسعار بشكل غير مسبوق.

ويناهز مجمل الإنفاق على الصحة، في جميع أنحاء العالم، 5.3 ترليون دولار أمريكي. وعليه لا بدّ، على وجه التحديد، أن تتسبّب الجهود التي تُبذل من أجل الحدّ من أشكال التبديد وتحسين الكفاءة في ظهور مقاومة شديدة.

وفي حين يوجه التقرير نصائح عديدة إلى راسمي السياسات على الصعيد الوطني، فإنّه يخاطب أيضاً الأوساط الإنمائية الدولية. ويشير، في هذا الصدد، إلى أنّ تعزيز فعالية المعونة من السُبل الهامة الأخرى لمساعدة البلدان على المضي نحو التغطية الشاملة.

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية، حالياً، إلى أنّ تكلفة توفير أدنى مجموعة من الخدمات الصحية الأساسية، في أشدّ بلدان العالم فقراً البالغ عددها 49 بلداً، تناهز 44 دولاراً أمريكياً للفرد الواحد في السنة.

وعلى الرغم من الزيادة الهائلة التي سُجّلت، مؤخراً، في حجم المساعدة المالية الدولية التي تُقدم لأغراض التنمية الصحية، فإنّ معظم النفقات الصحية لا تزال تتأتى من المصادر المحلية، حتى في بعض البلدان التي تعاني من فقر مدقع.

وفي كثير من البلدان النامية يعمل معظم الناس في القطاعات غير الرسمية، مثل قطاع الزراعة، ولا يمثّلون إلاّ قاعدة ضريبية ضئيلية. ومن الواضح أنّ الدعم المالي الخارجي سيكون ضروريا لسنوات قادمة.

ولا تملك إلاّ ثمانية بلدان، من أصل البلدان التسعة والأربعين المذكورة، حظوظاً ضئيلة قد تمكّنها من الاقتصار على المصادر المحلية لحشد الموارد اللازمة لبلوغ المرامي الإنمائية للألفية المتعلقة بالصحة. فلا بدّ، إذاً، من تضامن على الصعيد العالمي. وإذا أوفت البلدان المانحة، فوراً، بوعودها المالية الخاصة بالتنمية الصحية، فإنّ الإنفاق الخارجي على الصحية سيزداد بأكثر من الضعف بين ليلة وضحاها وسيشهد العجز المقدّر اللازم سدّه لبلوغ المرامي الإنمائية للألفية تقلّصاً إلى درجة الاختفاء تقريباً.

والمعروف أنّ أفضل المعونة هي تلك التي تسعى إلى إزالة الحاجة إليها. وهي تقوم بذلك من خلال بناء البنى التحتية والقدرات الأساسية التي تمكّن البلدان من الاتجاه نحو الاعتماد على الذات.

كما أنّ أفضل المعونة المالية هي تلك التي تتم عبر نظم ومؤسسات التمويل المحلية. واتبّاع هذا تمكّن من تعزيز القدرات وبناء مقومات الاعتماد على الذات. أمّا العزوف عنه فيؤدي إلى زيادة الأعباء النهج من الأمور التي المفروضة على البلدان من خلال ارتفاع تكاليف المعاملات وتعدّد وتكرّر الطلبات على الرصد والإبلاغ.

ودعوني أضرب مثلاً في هذا الصدد. ففي عام 2009 وحده كان على فييت نام التعامل مع أكثر من 400 بعثة من البعثات التي تضطلع بها الجهات المانحة لاستعراض المشاريع الصحية. كما يتعيّن على رواندا إبلاغ جهات مانحة مختلفة، كل عام، عن 890 مؤشراً من المؤشرات الصحية يتعلّق نحو 600 مؤشر منها بفيروس الأيدز والملاريا فقط.

السيدات والسادة،

إنّ الرسالة الرئيسية التي يتضمنها التقرير تبعث على التفاؤل وتشجّع على العمل.

فهي تشجّع جميع بلدان العالم على اعتماد بعض السياسات التي تمكّن، على الأقلّ، من توسيع نطاق التغطية ليشمل المزيد من الناس، والحدّ من عدد من يواجهون مخاطر الإفلاس بسبب تكاليف الرعاية الصحية.

ويمكن لجميع البلدان، في كل مراحل التنمية، اتخاذ خطوات عاجلة من أجل المضي نحو التغطية الشاملة والحفاظ على ما حققته من إنجازات.

ويمكن للبلدان التي تعتمد السياسات المناسبة إدخال تحسينات واسعة النطاق على نسبة التغطية بالخدمات العامة وخدمات الحماية من المخاطر المالية التي قد تنجم عن أيّ من مستويات الإنفاق.

والبيّنات على ذلك واردة في التقرير، وهي بيّنات دامغة.

وشكراً لكم.

شارك