المديرة العامة

لقد بات للضغط المترتب على الأحداث التي تقع في أحد أجزاء العالم وقع على الصعيد العالمي

د. مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

كلمة مارغريت تشان، المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، أمام الدورة السابعة والخمسين للجنة الإقليمية لشرق المتوسط
القاهرة، مصر

3 تشرين الأول/أكتوبر 2010

السيد الرئيس، معالي الوزراء، السادة المندوبون الموقرون، الدكتور الجزائري، السيدات والسادة،

إنّ الوضع في باكستان يمثّل محور الاهتمام في هذا الإقليم، ولا بدّ أن يكون كذلك في سائر أنحاء المعمورة. فالفيضانات التي حدثت في باكستان، شأنها شأن الزلزال الذي ضرب هايتي في وقت سابق من هذا العام، أظهرت إلى أيّ مدى يصل الضرر وصعوبة التعافي عندما تحصد كارثة ما منطقة ضعيفة القدرات تشوب الهشاشة الوضع الصحي فيها.

وقد وصف بان كي- مون، الأمين العام للأمم المتحدة، فيضانات باكستان بأنّها "أسوأ كارثة واجهتها الأمم المتحدة طوال تاريخها البالغ خمسة وستين عاماً."

والملاحظ أنّ التركيز الإعلامي انتقل الآن إلى أزمات عالمية أخرى، ولم تعد المعاناة الكبرى السائدة في باكستان تستقطب اهتمام الناس أو عقولهم أو ضمائرهم.

وأشكر هذا لمكتب الإقليمي، ومديره وموظفيه والبلدان التي يمثّلها، على دعمهم الثابت لسكان باكستان. وستظلّ الحاجة إلى ذلك الدعم قائمة لفترة ما.

السيدات والسادة،

إنّ التاريخ قد يشهد على السنوات العشر الأولى من هذا القرن كمرحلة واجهت الدول فيها مخاطر التفاعل فيما بينها في عالم مافتئت أجزاؤه تزداد اعتماداً على بعضها البعض.

فقد بات للضغط المترتب على الأحداث التي تقع في أحد أجزاء العالم، سواء أكان يتخذ شكل الأزمة المالية أم شكل الكارثة الطبيعية، وقع على الصعيد العالمي.

وقد حذّر علماء المناخ العالم مراراً وتكراراً كي يأخذ حذره من أنّ الظواهر الجوية المتطرّفة ستزداد تواتراً وشدّة، وهذا هو واقع الحال الآن وما نشاهده بأم أعيننا. ومن الملاحظ أنّ أرقاماً قياسية تتحطّم مرّات ومرّات فيما يخص موجات الحرّ وحالات الجفاف والعواصف والفيضانات.

وقد سعت الأمم المتحدة جاهدة من أجل ضمان الأموال بحجم يتناسب مع مستوى الاحتياجات في باكستان والأخطار الحقيقية المحدقة بصحة الناس، ولاسيما الحوامل والأطفال الذين يعانون من سوء التغذية.

وأسعار الحبوب في الأسواق الدولية تعبّر، بالفعل، عن الخسائر الفادحة التي لحقت بالمحاصيل في الاتحاد الروسي وباكستان. ولذا علينا أن نستبق حدوث كارثة عالمية أخرى من الارتفاع المتصاعد في أسعار الأغذية، وهي أشدّ إضراراً بالفقراء من غيرهم.

والتغذية من المسائل المطروحة على جدول أعمالكم. وأنتم تعلمون ما تعنيه أسعار الأغذية بالنسبة للصحة. فعندما لا يحصل الأطفال على التغذية الملائمة في أوّل سنتين من العمر يصبح الضرر الذي يصيب صحتهم النفسية والبدنية لا رادّ له.

والانكماش الاقتصادي الذي نشهده حالياً هو انكماش عالمي. وهو الأسوأ منذ جيل واحد ولا يبدو على الإطلاق أنّنا تخلّصنا منه.

إنّ الأموال أصبحت شحيحة ومجال الصحة العمومية بدأ يشعر بالضائقة المالية، بدءاً من مستوى الميزانيات الوطنية المرصودة للصحة، ومروراً بالالتزامات الخاصة بتقديم المساعدة الإنمائية الرسمية، وحتى مستوى الأموال المتاحة لدعم الأنشطة التي يضطلع بها الصندوق العالمي والتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع وغيرهما من المبادرات الصحية العالمية.

لقد حضرتُ، قبل أسبوعين، مؤتمر قمة الأمم المتحدة المعني بالمرامي الإنمائية للألفية وشاركتُ في عدة تظاهرات.

وقد تلقى العالم تقرير الأداء الصادر عن المؤتمر المذكور. وحصلت بعض المبادرات، مثل الصندوق العالمي والتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع، على تقييم مرتفع وذلك بناء على ما تحقق من انخفاض كبير في عدد الوفيات الناجمة عن الأيدز والسل والملاريا والأمراض التي يمكن توقيها باللقاحات. علماً بأنّ التزام البلدان والتمويل المحلي كان لهما أهمية حاسمة في تحقيق هذه الإنجازات.

كما أُعطي تقييم مرتفع للمساعدة التي تبني القدرات الأساسية والبنى التحتية كي تتجه البلدان نحو الاكتفاء الذاتي.

ولكنّ البلدان الغنية حصلت على تقييم منخفض لأنّها لم تف بوعودها والتزاماتها، بما في ذلك الوعود والالتزامات المالية.

وقد شرع الصندوق العالمي والتحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع في الأخذ بمبدأ التمويل القائم على النتائج. غير أنّ كلاهما أصبح يعاني من عجز نقدي على الرغم ممّا حققاه من نتائج كبيرة يمكن قياسها.

والمعروف أنّه لا ينبغي للجيش استنزاف مؤونته والحرب لا تزال دائرة، خصوصاً عندما يكون على وشك الانتصار.

وهناك حكومات عديدة اتخذت من مؤتمر القمة المذكور منبراً أعلنت منه عن التزامات كبيرة بالتمويل، وخاصة من أجل دعم استراتيجية عالمية جديدة لصحة المرأة والطفل.

وذلك إنّما يثير بعض الأسئلة المألوفة. فهل ستفي البلدان بتلك الوعود؟ فقد سبق لنا أن سمعنا وعوداً من هذا القبيل. وهل سيتأتى التمويل من مصادر جديدة؟ أم أنّ المانحين سيتحوّلون، ببساطة، من أولوية إلى أخرى؟

والجدير بالذكر أنّ إهمال أيّ مرمى من المرامي يضرّ بجميع عناصر برنامج العمل الخاص بتقليص الفقر وتحقيق مزيد من العدالة في طريقة توزيع الفرص والثروة والصحة.

والجميل في المرامي الإنمائية للألفية هو أنّها مرام يشدّ بعضها بعضاً وتقوم على التآزر والتعاضد. فإذا انخفض عدد الحالات الطفيلية لدى الأطفال فإنّ التغذية ستتحسّن. وإذا تحسّنت التغذية فإنّ حصائل التعليم ستتحسّن. وإذا تحسّنت حصائل التعليم، بالنسبة للإناث على وجه الخصوص، فإنّ صحة الأسر والمجتمعات المحلية برمتها سوف تتحسّن. وبهذه الطريقة تُكسر سلسلة الفقر واعتلال الصحة والبؤس التي يتوارثها البشر جيلاً بعد جيل.

غير أنّ السؤال الأهمّ يظلّ مطروحاً. هل ستتمكّن الأزمة المالية، التي يغذيها الطمع والجشع، من إلغاء المكاسب الصحية التي تحققت بفضل كثير من النوايا الحسنة والابتكار؟ وهل ستتمكّن نزعة الإنسان الشريرة من التغلّب على نزعته الخيرية.

السيدات والسادة،

إنّ جدول أعمال هذه الدورة يركّز على عدة مجالات ترغب بلدان هذا الإقليم إحراز تقدم فيها وهي: توقي المشكلات الصحية، وتوسيع نطاق التغطية بخدمات الرعاية الأساسية، وتحسين الإنصاف والكفاءة في تقديم الخدمات الصحية. وستحضرون، بالإضافة إلى هذا، جلسة خاصة بشأن اقتصاديات التبغ- تركّز على تجربتي تايلند ومصر في مجال ضرائب التبغ.

وقد لفتت انتباهي عدة بيانات وإحصاءات أوردتها ورقاتكم التقنية. وهي تعكس بشكل جيّد المشكلات المطروحة.

والملاحظ أنّ الإنفاق على الصحة في هذا الإقليم يتراوح بين أقلّ من 25 دولاراً أمريكياً للفرد ونحو 3000 دولار أمريكي للفرد. فالتركيز على الفقر وعلى الفئات السكانية الأشدّ عوزاً له ما يبرّره تماماً.

والملاحظ أيضاً أنّ 40% من سكان هذا الإقليم يتضرّرون من جرّاء الطوارئ المعقدة. ومن المسائل المطروحة على جدول أعمالكم مسألة الصحة النفسية. ومن غير المفاجئ أنّ الدراسات المجراة في البلدان التي تشهد صراعات تشير إلى ارتفاع ملحوظ في عدد الاضطرابات العصبية النفسية بين الأطفال والمراهقين. كما تبيّن الدراسات التي أجريت في جميع أنحاء الإقليم أنّ معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية الشائعة أعلى بين النساء منها بين الرجال.

ويُعد معدل تواتر العدوى المصاحبة للرعاية الصحية في هذا الإقليم من أعلى المعدلات في هذا المجال في العالم، ممّا يخلّف آثاراً كبيرة من حيث التكاليف ونوعية الرعاية وسلامة المرضى. وهناك إجراءات تُتخذ أيضاً من أجل التصدي لهذه المسألة.

ومن المسائل المطروحة على جدول أعمالكم مسألة التغذية. ويُلاحظ في هذا الإقليم، على غرار الأماكن الأخرى، تضافر نقص التغذية وعوز المغذيات الزهيدة المقدار مع مشكلتي فرط الوزن والسمنة. ولا شكّ في أنّ مسألة التغذية تستحق مكانة أبرز بكثير في البرنامج الإنمائي. وليس في وسع قطاع الصحة أن يتصدى بمفرده للاتجاهات السائدة التي تحكمها الممارسات الراسخة المتّبعة في إنتاج الأغذية ومعالجتها وتسويقها وتوزيعها، وتحكمها أيضاً اتفاقات التجارة الدولية.

ومن المسائل الأخرى المطروحة على جدول أعمالكم مسألة فيروس الأيدز. ومازال هذا الإقليم، لحسن الحظ، يتسم بانخفاض معدل إصابة عموم الناس بالأيدز والعدوى بفيروسه. ولكنّ الوباء ينتشر بشكل أكبر بين بعض الفئات الفرعية المختطرة بشكل خاص. ومن الملاحظ أنّه لا يتلقى العلاج بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية إلاّ 10% ممّن هم بحاجة إليه، ممّا يشكّل أوسع فجوة علاجية في أرجاء العالم كافة.

وستتحرّى المناقشات التقنية التي ستجرونها السُبل الكفيلة بتمويل الرعاية الصحية التي تحقق العدالة، وهذا هو أيضاً موضوع التقرير الخاص بالصحة في العالم هذا العام. وينصبّ التركيز في هذا الصدد على التحرّك نحو توفير التغطية الشاملة. ويحدّد التقرير المدفوعات المباشرة، بما فيها الرسوم التي يتحمّلها المستفيد من الخدمة، باعتبارها العقبة الكأداء التي تعوق التقدم في هذا الميدان.

واللافت، كما ورد في ورقتكم التقنية، أنّ حصة الإنفاق الصحي المتأتية من المدفوعات المباشرة تناهز 80% في بعض من بلدان هذا الإقليم.

والرسالة العامة التي يحملها التقرير الخاص بالصحة في العالم هي رسالة تفاؤل. فبإمكان البلدان كافة، أيّا كان مستوى تنميتها، أن تتخذ على الفور الخطوات اللازمة للتحرّك نحو توفير التغطية الشاملة والحفاظ على ما حققته من إنجازات في هذا المضمار. وفي وسع كل النُظم الصحية في جميع أنحاء العالم أن تستخدم مواردها بصورة أفضل من خلال تحسين الممارسات التي تتبعها في الشراء، أو من خلال زيادة الحوافز أمام مقدّمي الخدمات.

وفي أوقات التقشّف يُعد تقليل الهدر والحدّ من القصور خياراً أفضل بكثير من تخفيض الميزانيات الصحية.

السيدات والسادة،

دعوني أختتم كلمتي بمثال على ما يمكن تحقيقه عندما تكون السياسات المناسبة قائمة.

إنّ لبنان هو البلد الوحيد من بلدان الإقليم الذي تمكّن فعلاً من خفض الإنفاق المباشر على الصحة في الأعوام الأخيرة. وهناك بعض من الأسباب الجديرة بالذكر التي أسهمت في تحقيق ذلك.

لقد تم استبدال الأدوية ذات العلامات التجارية بأدوية جنيسة. ويمكن لكل بلد القيام بذلك.

وتم إنشاء هيئة تنظيمية تؤدي الدور المنوط بها على نحو جيّد فيما يخص تنظيم منتجات الرعاية الصحية والتكنولوجيا الطبية البيولوجية، بما في ذلك تنظيم الخدمات في القطاع الخاص. وبإمكان كل بلد تعزيز قدراته التنظيمية.

كما تم تدعيم الرعاية الصحية الأولية.

وتلك الابتكارات لم تفلح في تحسين الحصائل الصحية فحسب، بل مكّنت أيضاً من تحقيق انخفاض كبير في ما تنفقه الحكومات والأسر على الصحة.

وتبيّن تلك النتائج أثر السياسات الجيّدة وحكمة الالتزامات الإقليمية بتوفير الرعاية الصحية الأولية، مثلما أكّد عليه إعلان قطر.

كما تمكّن لبنان، بفضل رصد التغيّرات المتتالية باستخدام آلية الحسابات الصحية الوطنية، من الحصول على البيانات التي تبرهن على تحقيق تلك النتائج.

ولا ريب، كما هو الحال فيما يخص المرامي الإنمائية للألفية، في أنّ للمال أهميته، ولكنّه لا يمثّل العنصر الهام الوحيد. فعندما تتوافر الإرادة والسياسات المناسبة يتسنى، دوماً، إحراز تقدم نحو تحسين الصحة.

وأتمنى لكم التوفيق في هذا الاجتماع.

شارك