المديرة العامة

التقدم المحرز في مجال الصحة العمومية خلال السنوات العشر السابقة والتحديات المطروحة في المستقبل

الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

تقرير المديرة العامة إلى المجلس التنفيذي في دورته السادسة والعشرين بعد المائة
جنيف، سويسرا

18 كانون الثاني/يناير 2010

السيد الرئيس، السادة أعضاء المجلس التنفيذي، أصحاب السعادة، السيدات والسادة،

أتقدم بالشكر لجميع السادة الحضور على إحياء ذكرى زميلنا الراحل الدكتور قمر أدن علي، وزير الصحة في الصومال. وهذه المأساة تمسنا جميعاً لسبب آخر، فقد وقع الانفجار إبّان حفل التخرج في كلية الطب في موغاديشو، حيث تلاشت ست سنوات من التدريب الطبي في وقت واحد مع الأشخاص الذين أزهقت أرواحهم. وقد قدمت المنظمة دعمها، وستواصل تقديمه إلى كلية الطب تلك.

وأود أن أبدأ كلمتي بالإعراب عن شعورنا بالأسى العميق لشعب هايتي وعن شكرنا الخالص للكثيرين ممن هرعوا لمدّ يد المساعدة له. والكارثة التي نشهدها الآن تندرج في عداد أشد الكوارث دماراً. ولا يمكننا في الوقت الحاضر إحصاء عدد من أزهقت أرواحهم بدقة، ولكن ممّا لا شكّ فيه أنّ عدد القتلى بلغ مستويات كبيرة للغاية. وقد امتد الدمار الذي يكاد حجمه لا يُصدّق والذي أصاب البنى التحتية إلى المستشفيات والمراكز الصحية.

وقد فقدت الأمم المتحدة زهاء 150 عضواً من قوات حفظ الأمن التابعة لها. كما تأثرت مباني المنظمة ولكننا لا نزال نعمل هناك. وثمة فريق خبراء تابع للمنظمة يعمل هناك وهو يتزعم أنشطة التصدي لآثار الزلزال.

وتتمثل الأولويات الرئيسية في تقييم طبيعة وحجم الاحتياجات الصحية الطارئة، ومعالجة المصابين، والعثور على الجثث، وإعداد عمليات ترصد الأمراض المعدية. فهناك ما يدعونا للشعور بالقلق إزاء صحة من بقوا على قيد الحياة.

وكما تعلمون فقد كانت مسألة مأمونية المستشفيات في حالات الطوارئ موضوع يوم الصحة العالمي في العام الماضي، وهناك أمر جلي فيما يخص ذلك، فعندما تكون البنى التحتية ضعيفة بالفعل، يتزايد ضعف السكان تزايداً واسعاً إزاء الكوارث.

وهذه الرابطة القوية بين ضعف البنى التحتية وقدراتها وضعف السكان أنفسهم تنطبق على العديد من مجالات الصحة العمومية الأخرى.

حضرات السيدات والسادة،

نحن الآن على أعتاب العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ولم يعد يفصلنا عن عام 2015 سوى خمسة أعوام. وجدول الأعمال يتضمن تقديم تقرير عن التقدم المحرز فيما يتعلق ببلوغ الأهداف الصحية المتعلقة بالمرامي الإنمائية للألفية.

وهناك عدة تقارير أخرى تبين الأنشطة التي تسهم في بلوغ تلك المرامي أو تؤشر على مصاعب محددة لابد من معالجتها. ويتضح من تلك التقارير، أن السكان الموسرين يحققون، كما يبدو، تقدماً أكبر مما يحققه غيرهم. ونحن مازلنا مقصرين في تحسين حياة أشد الناس ضعفاً وأكثرهم فقراً.

وتتباين الصور المسجلة على الصعيد الدولي، حيث مازال يتعين منح اهتمام خاص إلى الإقليم الأفريقي بينما تلاحظ أمثلة رائعة ومحفزة للنجاح الذي تحقق في أماكن أخرى.

وهناك من بين تلك الأمثلة ما يعطي صورة أوسع للاتجاهات السائدة. ففي نهاية العام الماضي أصدرت المنظمة وعدد من الوكالات تقارير هامة عن الاتجاهات السائدة فيما يتصل بالأيدز والعدوى بفيروسه والسل والملاريا واللقاحات والتمنيع وصحة الأطفال.

وستطلعون على الاتجاهات الإيجابية في جميع تلك المجالات. وفي حين يكون ذلك التقدم هشّاً أحياناً، تتهدده عوامل تتراوح بين مقاومة الأدوية وعدم وضوح التمويل في المستقبل، فإن الاتجاهات مازالت إيجابية حقاً. وبينما يتعين التزام الحذر إزاء التفاؤل بشأن وضع الملاريا، فإن هذا الوضع يحمل، ولأول مرة منذ عدة عقود، بعض الأنباء السارة. وهذا أيضاً هو من التقدم.

وفي وسعنا جميعاً أن نفتخر بأن عزيمة تنفيذ الالتزامات الدولية إزاء الصحة عزيمة لم تتزعزع قط، حتى في وقت يشهد تضاعف عدد الأزمات العالمية وعلى العديد من الجبهات.

وبالإضافة إلى تلك الاتجاهات الواسعة، فإن التقارير التي أُعدت لهذه الدورة تغطي العديد من مؤشرات التقدم الخاصة. فقد تم تنفيذ أنشطة تقديم الفيتامين ألف التكميلي باعتبارها تدابير لإنقاذ الحياة في 66 بلداً من أصل 68 بلداً يعاني من ارتفاع عبء وفيات الأطفال. وشهدت الوفيات الناجمة عن الحصبة تراجعاً بنسبة 78٪ منذ عام 2000، ويخلص التقرير الخاص بهذا الموضوع إلى أن استئصال الحصبة أمر ممكن. ولو شئنا ذلك فإننا قادرون على تحقيقه.

وبحلول عام 2007، أصبح في الإمكان تشخيص 98٪ من حالات السل المبلّغ عنها ومعالجتها في إطار برامج الدوتس. وقد اعتمد أكثر من 100 بلد معايير نمو الطفل التي وضعتها منظمة الصحة العالمية. وأدى ذلك بدوره إلى زيادة الاستثمار في برامج الحد من سوء التغذية، فضلاً عن التصدي لمشكلة البدانة لدى الأطفال المتصاعدة. وكما قلت مراراً وتكراراً في مناسبات عديدة، فإن كل ما يمكن تقديره يمكن تنفيذه.

وبمضي عشر سنوات من هذا القرن الجديد نشهد الآن إشارات تدل على قدرة المساعدة المقدمة من أجل التنمية الصحية على تحقيق نتائج ملموسة. وثمة مسألة أخرى لا تقل شأناً في خضم السعي من أجل بلوغ عدد محدود من المرامي الصحية المحددة زمنياً، وهي تتعلق بالمشكلات الأساسية التي يجري الكشف عنها، والحلول التي يتم التوصل إليها خدمة للصحة العمومية في جميع القطاعات.

ونحن، وكما تشهد عليه التقارير المطروحة عليكم، نحقق تقدماً، وعلينا أن نواصل التطلع إلى الآفاق الأعلى، والمضي نحو مضاعفة الجهد خدمة للمزيد والمزيد من الناس.

حضرات السيدات والسادة،

إن أفضل الأنباء الصحية المسجلة في العقد الماضي هي، بالنسبة لي، أن جائحة الأنفلونزا التي طالما ترقبناها كان وقعها معتدلاً. ولو اتخذت الجائحة مساراً آخر، لأصبحت صورة جدول أعمالنا مختلفة تماماً. ولو تحول الفيروس بفعل الطفرات إلى فيروس أشد فوعة، لما تمكنا من الحديث عن مواصلة التقدم ولكُنّا لا نزال نراوح الخطى أو نحاول التصدي لعواقبه الخطيرة.

ولقد أسعفنا الحظ منذ بداية ظهور الفيروس H1N1 الجديد، ومازلنا كذلك إلى الآن، إذ انتشر الفيروس في بادئ الأمر في بلدان تتمتع بنظم ترصد جيدة. وكان للتبليغ المبكر بصدق وإخلاص أثر في وضع معايير الاستجابة الدولية.

ولم يتحول الفيروس إلى شكل آخر أشد حدة، كما لم تنتشر مقاومته للأوسيلتاميفير انتشاراً واسع النطاق. وأثبت اللقاح المضاد للفيروس مأمونيته ومشابهته للفيروس الذي يدور. وكان من الممكن أن تتدهور الأمور في أي من هذه المجالات.

ولقد أسعفنا الحظ أيضاً في أمور أخرى، فهذه أول جائحة تحدث منذ الثورة التي شهدتها تكنولوجيات الاتصال والمعلومات. ولأول مرة في التاريخ استطاع المجتمع الدولي رؤية بدء الجائحة وتتبع تطورها في الوقت الحقيقي.

ولقد كان حجم البيانات التي جُمعت منذ نيسان/ أبريل من العام الماضي، وفي عدد التقارير عن البحوث والدراسات المنشورة ملفتاً للأنظار. وبفضل سرعة عملية جمع المعلومات تمكنت المنظمة من إصدار الدلائل الإرشادية بشأن العلاج، وتتبع مسار الوباء، ومراقبة حدوث الطفرات، بما فيها الطفرات التي تؤدي إلى مقاومة الأدوية المضادة للفيروسات.

وعندما يكتب المؤرخون تاريخ هذه الجائحة فإنني أعتقد أن السرعة التي تم بها اتخاذ الإجراءات من قِبَل الحكومات من أجل وقاية السكان هي الأمر الذي سيحصد أعلى الدرجات. وبالرغم من فداحة العبء الذي وقع على كاهل خدمات الطوارئ ووحدات الرعاية المكثفة، فقد تمكنت جميع النُظم الصحية تقريباً من مواكبة الوضع جيداً.

ولقد تم كذلك الاستمرار في اتباع المعايير المبكرة للتبليغ السريع والشفاف، كما لوحظ كرم بالغ وجدير بالثناء من أجل ضمان تبادل المعلومات، ودعم التشخيص، وتوفير أدوات الاختبار والفيروسات. حيث تم حتى الآن تقديم ما يزيد على 000 23 فيروس وغيره من العينات إلى شبكة مختبرات التحليل التابعة للمنظمة.

ولابد للمسؤولين الصحيين، عند حدوث أي حالة من حالات الطوارئ في مجال الصحة العمومية، من اتخاذ قرارات عاجلة، وهي غالباً ما تكون بعيدة الأثر في ظروف تكتنفها الكثير من الشكوك العلمية بالنظر للمهمة التي تقع على كاهلنا في ضمان الصحة العمومية، فإن الاتجاه الذي يميل إليه المسؤولون الذين يواجهون وضعاً كهذا يكاد أن يكون على الدوام اتجاهاً نحو التزام الحذر. وأعتقد بأننا جميعاً نفضل أن نشهد جائحة معتدلة الحجم مع وفرة واسعة من اللقاحات عوضاً عن جائحة وخيمة مع إمدادات غير كافية من اللقاحات.

ويبدو أن الجائحة أخذت في التراجع في بعض بلدان النصف الشمالي من الكرة الأرضية التي تتمتع بنظم جيدة للترصد. ولعل الشدة قد خفت فيها. بيد أنه ليس من الحكمة من شيء طرح استنتاج صارم قبل نيسان/ أبريل، عندما ينتهي عادة موسم الأنفلونزا الاعتيادي، حيث مازال قسم طويل من الشتاء أمامنا.

كما لا يمكننا أيضاً التنبؤ بما سيحدث من الآن وحتى نهاية السنة، عندما يحل في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية موسم الأنفلونزا وتتزايد قدرة الفيروس على الانتقال.

والبيانات المتاحة من معظم أنحاء أفريقيا بيانات قليلة، ومن دواعي القلق أن بعض البلدان في غرب القارة الأفريقية مازالت عرضة لموجات الانتقال المكثف لهذا المرض. وإذ لم يكن لدينا تيقّن في هذا الصدد فإننا سنواصل مع ذلك القيام بمراقبة دقيقة للوضع.

إنّ ضعف السكان إزاء العدوى بفيروس جديد هو المحرك الذي يقود جائحة الأنفلونزا. وهذا السؤال سؤال حرج، فهل تبقّى من الأشخاص الضعفاء العدد الكافي لتحمل موجات الانتقال الواسع على صعيد المجتمعات؟ ليس لدينا في الوقت الراهن ما يكفي من بيانات للرد على هذا السؤال رداً قاطعاً. بيد أن الدراسات مازالت جارية في هذا الصدد.

وبوسعنا أن نقدر مدى الحصانة التي يتيحها اللقاح، لكن الأصعب علينا تقدير مدى المناعة الطبيعية التي اُكتسبت من الإصابة بالعدوى، سيّما وأن المرض الذي أصاب الغالبية العظمى من المرضى كان خفيفاً جداً. فبعض الحالات لم تؤد إلى أية أعراض، وبالتالي فإن إجراء مسوح سريعة للأعراض المشابهة للأنفلونزا لن يتيح الكشف عن هذه الأمراض.

وأعتقد، باختصار، أن ما تقوم به معظم البلدان، وهو حث سكانها على تلقي اللقاح، يشكل نهجاً حذراً في مجال الصحة العمومية. ويتعين على كل بلد أن يقيّم وضعه الوبائي الخاص واحتياجات مواطنيه ومخاوفهم. أما البلدان النامية التي تشعر بالقلق إزاء ضعف قدرتها على الحصول على اللقاحات، فإن المنظمة تعمل الآن على توسيع برنامجها لمنح اللقاحات.

ولقد كانت هذه الجائحة أيضاً أول اختبار رئيسي للوائح الصحية الدولية (2005). وتبين أن هذه اللوائح أتاحت للعالم قواعد نظامية لأسلوب الاستجابة وشكلت أحد مواطن القوة. وباستثناء بعض الحالات، كان الانقطاع في المجالين الاجتماعي والاقتصادي أقل بكثير مما كنا نخشاه. ومن مواطن القوة الأخرى في تلك اللوائح نظام للفحص والموازنة الذي تضمنته. وبذلك تكفل اللوائح دعم القدرة التي يتمتع بها أي فرد كان، وأنا واحدة من هؤلاء.

وعلى الرغم من أن الفيروس لم يتمخض بعد عن أية مفاجئات مزلزلة فإننا شاهدنا حدوث بعض المفاجئات على جبهات أخرى. وقد توقعنا حدوث مشكلات فيما يتعلق بإنتاج ما يكفي من اللقاح بأسرع ما يمكن وذلك ما وقع بالفعل. غير أنه لم يدر بخلدنا أن من الناس من سيقرر عدم أخذ اللقاح.

ولقد جئت على ذكر الثورة التي حدثت في مجال تكنولوجيات الاتصالات والمعلومات. وبإمكان الناس، في عالم اليوم، أن يستغلوا طائفة كبيرة من مصادر المعلومات.وبإمكان الناس أن يتخذوا قراراتهم بشأن المعلومات التي يثقون فيها وأن يبنوا ما يقومون به من أعمال على تلك القرارات.

إن الأيام التي كان بإمكان المسؤولين الصحيين فيها أن يسدوا المشورة بناءً على أفضل المعطيات الطبية والعلمية ويتوقعوا من السكان الامتثال لها قد تكون ولّت بدون رجعة. وربما لن يكفي منذ الآن فصاعداً القول بأن اللقاح مأمون أو أن اختبار لقاح ما مطابق لكل المعايير التنظيمية، أو أن المخاطر المحتملة حقيقية.

وفي رأيي أن هذه مشكلة جديدة من مشكلات التواصل قد يتحتم علينا التصدي لها. وكما تلاحظون من البنود المدرجة على جدول الأعمال فإن إقناع الناس باتباع سلوكيات صحية يعد من أكبر التحديات الماثلة في مجال الصحة العمومية.

أما من حيث فهم ما يدركه الناس فإن جزءًا من المشكلة المطروحة يعود إلى الفارق الكبير بين ما كان متوقعاً، بعد مشاهدة ما فعله فيروس H1N1 العالي الإماتة خلال مدة طويلة وبين ما حدث فعلاً لحسن الطالع. وأخشى ما كان متوقعاً وقوع حدث شبيه بجائحة عام 1918 حيث ما حدث فعلاً هو أمر أقرب ما يكون إلى جائحتي عامي 1957 و1968.

إنه لن يتيسر الحصول على تقديرات موثوقة لعدد الوفيات ومعدلها أثناء الجائحة الحالية قبل مضي عام أو عامين عن انتهائها.

ودعوني أطمئنكم بشأن نقطة أخيرة في هذا الصدد. إن هذه الجائحة هي أكثر الجوائح تمحيصاً وترصداً في التاريخ. وسنجني من ذلك معرفة جديدة هائلة. ومن الطبيعي أن كل قرار أو عمل ساهم في بلورة هذه الاستجابة سيخضع، بالمثل، لتمحيص دقيق وواف.

وبإمكان منظمة الصحة العالمية أن تواجه ذلك التمحيص.

حضرات السيدات والسادة،

لقد بدأت هذا التقرير بسرد عدة أمثلة على التقدم المحرز. ودعونا الآن نتطرق إلى بعض المشكلات التي ستتولون التصدي لها خلال هذه الدورة. فعلى الرغم من تنوع المواضيع فإن المشكلات والعقبات الرئيسية التي تحول دون إحراز المزيد من التقدم تظل، وبشكل ملحوظ، كما هي.

ذلك أن التمويل اللازم لمواصلة التقدم يعتريه الضعف، بل هو أضعف ما يكون إذا ما تعلق الأمر بمسألة الارتقاء بالمستويات وزيادة أعداد العاملين. ذلك أن نقص أعداد الأطباء والممرضين والممرضات وما إلى ذلك من العاملين اللازمين لإنجاز الأعمال يقدر بالملايين.

فالبلدان ليس لديها ما يكفي من القدرات المختبرية الأساسية. وهناك الكثير والكثير من الممارسات غير المأمونة المتبعة في المستشفيات مما يسهم، في جملة أمور، في انتشار التهاب الكبد الفيروسي. كما أن إمدادات الدم كثيراً ما تكون هي الأخرى غير مأمونة أو ذات نوعية رديئة، أو غير كافية.

والبلدان أيضاً لا تتلقى الدعم الكافي الحاسم الأهمية من لدن الهيئات التنظيمية وهيئات إنفاذ اللوائح. وهي تفتقر إلى النظم الموثوقة لجمع المعطيات وإدارة المعلومات. وهذا هو الأساس المطلق الذي ينبني عليه تحديد الأولويات الوطنية ورصد التقدم المحرز.

إن الخدمات الصحية التي تقدم في إطار القطاع العام تعاني من مصيبة نفاد المخزون وسوء ظروف العمل ونقص العاملين. أما في القطاع الخاص فإن سعر الأدوية الجنيسة يبلغ، في المتوسط، ستة أضعاف سعرها الدولي المرجعي. وهذه الصورة ليست وردية ولكن هذا هو الواقع. وهذا ما تعنيه قلة القدرات والطاقات من حيث التكاليف أيضاً.

ومن الواضح أن توفير التدخلات مثل اللقاحات والأدوية والعوازل الذكرية والناموسيات والفيتامينات من شأنه أن يقلص معدلات الوفيات ويحدث ذلك بسرعة كبيرة في بعض الأحيان. غير أن ذلك لا يكفي وهذه نقطة تصر عليها تقاريركم بشكل مقنع.

إننا نواجه معضلة. فالمرامي الإنمائية للألفية أمور محكومة بالنتائج وهي محدودة المدة، ومما لا شك فيه أنها كانت في مقدمة الكثير من التقدم الذي أحرز. وقد بدأ صبر الجهات المانحة ينفد إلا أن بناء الطاقات يحتاج إلى وقت.

حضرات السيدات والسادة،

لقد دعوت، في الأسبوع الماضي، إلى عقدة مشاورة غير رسمية للخبراء كانت مهمتها النظر في مستقبل تمويل منظمة الصحة العالمية. وقد نظر المشاركون في الاحتياجات التمويلية وقاموا، في الوقت ذاته، وبشكل صريح للغاية، بتقدير ما تقوم به منظمة الصحة العالمية من أدوار ومهام فريدة، وتقدير ميزاتها النسبية في المشهد المزدحم الذي يعج بالأحداث في مجال الصحة العمومية اليوم.

ولقد بدأنا نهيمن بشكل أفضل على ما تتوقعه البلدان من المنظمة، ونفقه كل ما تقوم به من عمل جيد وبعض الأشياء التي يتعذر على غير المنظمة القيام بها. وبإمكان هذا الأمر، بدوره، أن يوجه القرارات التمويلية المستقبلية.

وسيعمم تقرير الاجتماع على جميع الدول الأعضاء وسيتاح للعموم تحسباً لمشاورة تنظم عبر شبكة الإنترنت. ونحن نتوقع أن يتم طرح ورقة تعكس النتائج التي تمخضت عنها هذه المشاورة على المجلس في غضون عام.

ولقد كانت مسألة الحوكمة العالمية في مجال الصحة العمومية جزءًا من المناقشات التي دارت في ذلك الاجتماع. ويتصدى الكثير من البنود المدرجة في جدول الأعمال للتهديدات عبر الوطنية أو إنها تعالج المشكلات التي يمكن إدارتها على أفضل الوجوه على الصعيد الدولي.

وينطبق هذا على الصحة العمومية والابتكار والملكية الفكرية وكذلك على مدونة قواعد الممارسة المنطبقة على توظيف العاملين الصحيين على الصعيد الدولي. وهذا صحيح أيضاً بالنسبة إلى البند المتعلق بالأمراض غير السارية الذي يشمل توصيات حول تسويق الأغذية والمشروبات غير الكحولية للأطفال. وهناك، في عالمنا اليوم، حوالى 44 مليوناً من الأطفال في سن ما قبل الدراسة ممن يعانون من زيادة الوزن أو السمنة. وعلينا أن نتخذ إجراءات في هذا الصدد.

وهذا صحيح أيضاً بالنسبة إلى تعاطي الكحول على نحو ضار. فالتقرير يوثق عدداً كبيراً من حالات الأذى والضرر المفزعة كما أنه يعطينا طائفة من خيارات السياسة العامة وتدابير التدخلات بما في ذلك على المستوى التنظيمي. ومع إضفاء الطابع الصناعي على إنتاج الغذاء وعولمة تسويقه فإن الجهود الرامية إلى ضمان السلامة الغذائية تتخذ، هي الأخرى، بعداً دولياً.

وإنني لأعلم جيداً أنكم قدمتم إلى طاولة المباحثات ومعكم طائفة متنوعة من الآراء حول هذه القضايا. وأعلم أن إيجاد طريق متفق عليها للمضي قدماً ليس بالأمر الهين. فهناك بعض الأبعاد الاقتصادية القوية فضلاً عن مخاوف قوية فيما يتعلق بالصحة العمومية وكثير من المصالح المتنافسة.

غير أنني أعتقد أن منظمة الصحة العالمية هي المحفل المناسب لاحتضان هذه المناقشات وهي الوكالة المناسبة لاتخاذ قراراتكم والمضي بها قدماً. ولكم أن تطمئنوا إلى الحصول على الدعم الكامل من قِبَل الأمانة في هذه المداولات وسائر المداولات.

وشكراً لكم.

شارك