المديرة العامة

التفاوتات تتهدّد صحة سكان الحضر


المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

ملاحظات في الجلسة الإعلامية التي عُقدت بمناسبة يوم الصحة العالمية: لصحة المدن ألف وزن
جنيف، سويسرا

7 نيسان/أبريل 2010

السيدات والسادة،

إنّنا نتساءل، في يوم الصحة العالمي هذا، لماذا لصحة المدن ألف وزن. وهناك بعض الاتجاهات التي تساعد على الإجابة على هذا التساؤل.

أوّلاً، إنّ لصحة المدن ألف وزن بالنسبة لعدد متزايد من الناس. فمن الملاحظ، ولأوّل مرّة في التاريخ، أنّ عدد سكان المدن بات يفوق عدد سكان الأرياف. كما أنّ كل النمو السكاني تقريباً الذي ستشهده جميع أنحاء العالم على مدى السنوات الثلاثين القادمة سيحدث في المناطق الحضرية، علماً بأنّ آسيا وأفريقيا ستشهدان أكبر انفجارات ذلك النمو. ومن المتوقع أنّ سبعة أعشار الناس سيعيشون في المدن بحلول منتصف هذا القرن.

وهذا الاتجاه لا يلحق، بطبيعته، أضراراً بالصحة. فأحوال سكان المدن أفضل من أحوال سكان الأرياف بشكل عام. ذلك أنّهم يستفيدون، بشكل أكبر، من الخدمات الاجتماعية والصحية، كما أنّ معدلات إلمامهم بالقراءة والكتابة ومتوسط عمرهم المأمول أكبر ممّا يُسجّل في الأرياف. وعندما يتم تخطيط المدن وإدارتها وتسيير شؤونها بشكل جيّد تزدهر حياة جميع السكان وتفوق الحصائل الصحية الحصائل المُلاحظة في المناطق الريفية.

غير أنّ المعدلات تخفي بعض التناقضات الكبيرة، وتلك التناقضات في تزايد مستمر. فمن المعروف أنّ المدن تمثّل ساحة تتركّز فيها الفرص والوظائف والخدمات، ولكنّها تمثّل أيضاً ميداناً تتركّز فيه المخاطر والأخطار المحدقة بالصحة.

فمن الملاحظ، عندما يعيش عدد كبير من الناس في مكان واحد ويتقاسمون الخدمات ذاتها، أنّ الآثار الضارّة تتفاقم على نطاق واسع. والأمثلة على ذلك تمتد من تلوّث الإمدادات الغذائية أو إمدادات المياه إلى ارتفاع مستويات تلوّث الهواء أو التلوّث الضوضائي أو وقوع حادثة كيميائية أو فاشية من فاشيات الأمراض أو كارثة طبيعية.

وهذا ليس إلاّ جزءًا من المشكلة. ففي كثير من البلدان فاقت وتيرة النمو الحضري قدرة الحكومات على بناء البنى التحتية الأساسية وسنّ وإنفاذ التشريعات اللازمة لجعل الحياة في المدن حياة سالمة ومجزية وصحية.

وقد باتت الخدمات الصحية اللازمة لضمان حياة صحية، بالنسبة لعدد متزايد من الناس في عدد متزايد من البلدان، حكراً على الأحياء الميسورة أو أصبحت منعدمة تماماً. فالملاحظ، مثلاً، أنّ معظم مدن البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسط الدخل لا تملك شبكات المجارير.

كما تنزع المدن إلى الترويج لأنماط الحياة غير الصحية، مثل النُظم الغذائية الرخيصة والملائمة التي تعتمد على أغذية مجهزة تحتوي على كمية كبيرة من الدهون والسكر وكمية قليلة من العناصر المغذية الأساسية، ومثل الخمول البدني والتدخين وتعاطي الكحول على نحو ضار وغير ذلك من مواد الإدمان.

وهناك علاقة مباشرة بين أنماط الحياة تلك وبين السمنة وزيادة الأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب والسكتة الدماغية وبعض أنواع السرطان والسكري. والمعروف أنّ علاج تلك الأمراض مكلّف بالنسبة للأسر والمجتمعات، كما يُلاحظ تمركزها في المدن بشكل متزايد.

وهذا هو الاتجاه الثاني الذي يجعل لصحة المدن ألف وزن، ولاسيما بالنسبة إلى سكان المدن الفقراء. إنّ نمو المراكز الحضرية في القرن الحادي والعشرين يرافقه تحوّل في عبء الفقر. ففي القرون الماضية كانت ظاهرة الفقر محصورة في المناطق الريفية المتفرّقة. أمّا الآن فقد أصبحت متمركزة بقوة في المدن.

والتقديرات تشير إلى أنّ ثلث سكان المدن تقريباً، أي ما يناهز مليار نسمة، باتوا يعيشون في أحياء فقيرة أو مستوطنات غير رسمية أو مخيّمات. والملاحظ أنّ أكثر من 90% من الأحياء الفقيرة توجد في مدن العالم النامي. وقد أصبحت الأحياء الفقيرة، في كثير من تلك المدن، الشكل السائد من بين أشكال المستوطنات البشرية.

وهناك أخطار متعدّدة تحدق بالصحة: من نقص مرافق الإصحاح ووسائل جمع القمامة إلى التلوّث والحوادث الناجمة عن ازدحام حركة المرور، ومن الأطفال الذين يلعبون حافيي الأقدام على التربة أو المياه الملوّثة بالنفايات غير المعالجة إلى فاشيات الأمراض المعدية التي تستشري في ظروف القذارة والاكتظاظ.

وتلك الأمراض متعدّدة أيضاً. ذلك أنّ الأحياء الفقيرة تمثّل تربة خصبة تساعد على ظهور بعض الأمراض، مثل السل والتهاب الكبد وحمى الضنك والالتهاب الرئوي والكوليرا وأمراض الإسهال، التي تنتشر بسهولة بين الفئات الشديدة الاكتظاظ.

إنّ الناس لا يعيشون طوعاً في تلك الظروف المزرية، بل الأقدار هي التي رمت بهم هناك.

تلك هي أسوء الأمثلة على الآثار الصحية السلبية للتوسّع العمراني غير المُنظّم بما يكفي. ولكنّها ليست الأمثلة الوحيدة على ذلك.

فهناك، في جميع مدن العالم تقريباً، جيوب من الحرمان الشديد وجيوب من الثروة الفاحشة. وتلك المدن تؤوي أناساً يفرطون في استهلاك خدمات الرعاية الصحية ويدفعون مبالغ باهظة مقابل ذلك وأناساً يتخلون عن أدنى خدمات الرعاية الصحية الأساسية لأسباب مالية وأسباب أخرى.

وهناك، في كل زاوية من زوايا العالم، سكان من سكان المدن يعانون بشكل مفرط من تدني أحوالهم الصحية، ويمكن عزو تلك التفاوتات إلى الاختلافات القائمة في الظروف الاجتماعية وظروف العيش بين هؤلاء السكان وغيرهم.

السيدات والسادة،

إنّ المدن تتسع بشكل متزايد، وسكانها الفقراء ينمون باستمرار وبسرعة. ولذلك، كما تعلمون، عواقب صحية ضخمة.

وأفضل طريقة لقياس الضرر في المناطق الحضرية هي، في الواقع، بالنظر في الثغرات القائمة في الحصائل الصحية، التي تُلاحظ عند المقارنة بين الفئات الميسورة والفئات المحرومة التي تعيش في المدينة نفسها، ولا يفصل بينها في بعض الأحيان سوى بعض البنايات.

وفي يوم الصحة العالمي هذا تطلب منظمة الصحة العالمية إلى السلطات المحلية والمواطنين المعنيين والمنظمات غير الحكومية ودعاة العيش بطرق صحية النظر بتمعّن في التفاوتات الصحية القائمة في المدن واتخاذ ما يلزم من إجراءات.

ولماذا ينبغي أن يكون للتفاوتات القائمة بين سكان الحضر فيما يخص الصحة وظروف العيش ألف وزن؟ من الواضح كل الوضوح أنّ آثار الفقر الصحية وظروف العيش المزرية من الظواهر المعدية داخل المدينة. كما أنّها تلحق أضراراً بكل سكان المدن.

والمعروف أنّ المجتمعات التي تتسم بتباينات كبيرة في الفرص ومستويات الدخل والحصائل الصحية تقلّ لحمتها وتكثر فيها الجرائم العنيفة. ويمكن أن تنتشر الاضطرابات الاجتماعية وحالات العنف وفاشيات الأمراض، بسهولة، خارج حدود حيّ ما أو منطقة ما لتتهدّد جميع المواطنين وتشوّه سمعة المدينة المعنية.

والسلطات المحلية تدرك ماذا يعني ذلك من حيث استقطاب السائحين والمشاريع التجارية الجديدة وفوز الانتخابات القادمة. كما يدرك سكان المدن ماذا يعني ذلك من حيث اللحمة الاجتماعية والسلامة والأمن ونوعية الحياة.

والجدير بالذكر أنّ تدني الأحوال الصحية، بما في ذلك أحوال الصحة النفسية، من أكثر ما يمكن رؤيته وقياسه من ضمن الأضرار التي تلحق بالمناطق الحضرية. كما يمكن أن تسهم التفاوتات الصحية في دفع الناس إلى المطالبة بتغيير الأوضاع، ممّا يجبر القيادات السياسية على اتخاذ ما يلزم من إجراءات.

وأخيراً لا بدّ للسلطات المحلية، عندما تفكّر في مستقبل المدن التي تتولى تسيير شؤونها، من التفكير في الصحة والتخطيط لها.

وفي البلدان النامية يمكن، بانتهاج أسلوب إداري جيّد، المساعدة على بلوغ متوسط عمر مأمول قوامه 75 سنة أو أكثر. ولكنّ ذلك المتوسط قد ينخفض إلى 35 سنة في حال تدني ذلك الأسلوب الإداري.

وشكراً لكم.

شارك