المديرة العامة

حماية أفضل سلاح نملكه ضدّ الملاريا

الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

البيان المدلى به بمناسبة إطلاق الخطة العالمية لاحتواء مقاومة الأرتيميسينين
جنيف، سويسرا

12 كانون الثاني/يناير 2011

السيدات والسادة،

إنّ التقرير الذي نصدره اليوم يحدّد خطة رفيعة المستوى لحماية أكثر أسلحتنا نجاعة في علاج الملاريا، ألا وهو الأدوية المصنوعة من مادة الأرتيميسينين. والمعروف أنّ تلك الأدوية تشكّل العنصر الأساسي للمعالجة التوليفية القائمة على تلك المادة.

وتحتل المعالجات التوليفية القائمة على مادة الأرتيميسينين المركز الأوّل في هذا الصدد. ذلك أنّها أكثر الأسلحة نجاعة في علاج الملاريا المنجلية، التي تُعد أشدّ أشكال المرض فتكاً.

والمعالجة التوليفية من الاستراتيجيات التي ترمي، تحديداً، إلى تأخير ظهور مقاومة حيال الأدوية، علماً بأنّ تلك المقاومة تحدث لا محالة عندما يتم استخدام أيّ من الأدوية المضادة للملاريا على نطاق واسع، وبخاصة عندما يُستخدم بطريقة غير حكيمة.

وتمكّن تلك المعالجات من توجيه ضربة مضاعفة إلى الطفيلي المسبّب للملاريا. فهي تسهم، من خلال توليف أدوية مختلفة من حيث آليات فاعليتها ومدة مفعولها، في زيادة احتمال القضاء على كل الطفيليات، من منطلق أنّ أيّ طفيلي قد ينجو من أحد الأدوية سيهلك تحت تأثير الدواء الثاني. إنّ المنفعة التي تتيحها تلك المعالجات باتت في خطر.

فقد تم، في عام 2008، الاشتباه في ظهور مقاومة حيال الأدوية المصنوعة من مادة الأرتيميسينين على الحدود بين كمبوديا وتايلند، وتم تأكيدها في عام 2009. واشتُبه في وجود بؤر أخرى في منطقة الميكونغ الكبرى دون الإقليمية، ولكنّ ذلك لم يتأكّد بعد.

وتشكّل تلك المنطقة من العالم البؤرة التاريخية لظهور طفيليات الملاريا المقاومة للأدوية. ويمكننا، بإمعان النظر في الأحداث التاريخية السابقة، توقّع ما الذي سيحدث في المستقبل.

وقد فقدنا، على مدى العقود القليلة الماضية، الخط تلو الآخر من خطوطنا الأمامية لمكافحة الملاريا وذلك مع ظهور المقاومة واستحكامها وانتشارها بسرعة بعد ذلك على الصعيد الدولي، ممّا تسبّب في زوال فعالية الأدوية المضادة للمرض. واليوم يحاول كل من منظمة الصحة العالمية وشراكة دحر الملاريا، بإطلاق هذه الخطة العالمية، كسر هذا النمط التاريخي. وعليه نناشد المجتمع الدولي اغتنام هذه الفرصة السانحة غير المسبوقة.

والطموح في هذا الصدد عظيم فعلاً وهو وقف ظهور مقاومة الأرتيميسينين والقضاء عليها في المصدر، وبالتالي الحيلولة دون زيادة انتشارها على الصعيد الدولي، أو السعي، على الأقلّ، إلى تأخير ذلك بأكبر قدر ممكن.

وهذه الفرصة السانحة لم يسبق لها مثيل في تاريخ مكافحة الملاريا. فلماذا الآن؟

بفضل زيادة البحوث في الآونة الأخيرة، حدث تحسّن كبير في فهمنا للملاريا وآليات مقاومتها للأدوية. ودعوني أشكر الباحثين العاملين في مئات المعاهد في كل أنحاء العالم، وكذلك في البلدان التي تتوطنها الملاريا.

فقد مكّن عملهم منظمة الصحة العالمية من تشكيل أكبر مجموعة تُستعرض وتوحّد لأغراض التحليل على الإطلاق من الدراسات عن فعالية الأدوية المضادة للملاريا.

وقد بات مستوى اليقظة أكبر من أيّ وقت مضى. وبالفعل فقد تم، منذ عام 2001 وبدعم من منظمة الصحة العالمية، وضع الآليات اللازمة لترصد النجاعة العلاجية بشكل مكثّف على الحدود بين كمبوديا وتايلند. كما تم استنباط بروتوكول بحثي موحد لدعم أشكال اليقظة المماثلة في الأماكن الأخرى.

ولم نشهد قط الكشف، في مرحلة مبكّرة كهذه، عن أوّل التغيّرات الطفيفة الطارئة على حساسية الطفيلي. ولم نشهد قط وضع الأدوات والاستراتيجيات اللازمة لمحاولة وقف ظهور وانتشار مقاومة الأدوية في المصدر.

كما لم نشهد قط مستوى عال كهذا من الالتزام بتحقيق الغرض المنشود وإحراز المزيد من النجاح في التصدي، على الأقل، للعقبات التي علّمنا التاريخ توقّعها.

ونعتقد أنّ الخطة تملك جميع حظوظ النجاح. والأهمّ من ذلك كلّه أنّه من واجب المجتمع الدولي اغتنام هذه الفرصة. ذلك أنّ كثيراً من الإنجازات ستصبح في خطر إذا ما فشلنا في عملنا.

ولن أبالغ إذا قلت إنّ عواقب انتشار مقاومة الأدوية المصنوعة من الأرتيميسينين على نطاق واسع ستكون كارثية.

بعد عقود من الركود في مجال مكافحة الملاريا، بدأت الجهود المعزّزة تحقّق أخيراً نتائج هائلة، بما في ذلك انخفاض لافت في معدلات انتقال المرض والوفيات الناجمة عنه. وأصبحت تلك النتائج تتعاظم وتسهم في الزخم المتنامي من أجل التخفيف من عبء الملاريا الفادح، لاسيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

ويمكن أن يؤدي انتشار مقاومة الأدوية المصنوعة من مادة الأرتيميسينين وفقدان نجاعة العلاجات التوليفية القائمة على تلك المادة إلى تدمير الإنجازات التي تحققت بالكاد بسرعة فائقة وزعزعة الإيمان الراسخ بإمكانية التغلّب على الملاريا.

وإذا بدأت المعالجات التوليفية القائمة على مادة الأرتيميسينين تفقد نجاعتها فإنّ كثيراً من البلدان التي تتوطنها الملاريا ستفقد وسيلة العلاج الوحيدة التي تعتمد عليها. وفي حين يجري بذل جهود كبيرة من أجل استحداث أصناف جديدة من الأدوية المضادة للملاريا، فإنّه لا توجد أيّة منتجات بديلة يمكن الاستناد إليها في المستقبل القريب.

ولا يزال العدد السنوي المقدر لحالات الملاريا، رغم انخفاضه، يناهز 223 مليون حالة. وترك هذا العدد الهائل من المرضى بدون علاج ناجع سيؤدي إلى مأساة لا يمكن تخيّلها.

السيدات والسادة،

هناك أمران آخران أريد التطرّق لهما.

أوّلهما أنّ خطة الاحتواء ليست وسيلة لتحويل الاهتمام أو صرف الموارد والجهود عن غايتها. والموصى به، أساساً، لاحتواء المقاومة هو الذي يجب القيام به لمكافحة الملاريا في كل من البلدان التي يتوطنها ذلك المرض.

ولا بدّ لنا من مواصلة الحد من معدلات انتقال المرض إمّا بزيادة استخدام الناموسيات المعالجة بمبيدات الحشرات أو زيادة اللجوء إلى الرشّ الثمالي بتلك المبيدات داخل المباني.

ويجب أن تعدل البلدان عن إعطاء المعالجات التوليفية القائمة على مادة الأرتيميسينين لكل طفل يشكو من الحمى. وينبغي معاملة تلك المعالجات كسلع ثمينة وحسّاسة والامتناع عن توزيعها إلاّ على أساس اختبار تشخيصي مؤكّد.

وذلك أمر يمكن تحقيقه إلى حد كبير. فهناك، الآن اختبارات تشخيصية سريعة وزهيدة التكلفة ومضمونة الجودة يمكن استخدامها على جميع الأصعدة، بما فيها الصعيد المجتمعي.

ولا بدّ لنا من ضمان تلقي كل مريض تأكّدت إصابته بالملاريا أفضل الأدوية المضمونة الجودة. يجب علينا بذل المزيد من الجهود للحيلولة دون بيع الأدوية المزيّفة أو المتدنية النوعية. ويجب علينا أيضاً وقف الممارسة المتمثّلة في قيام الباعة المتجولين ببيع آحاد الأقراص بدلاً من مقرّرات علاجية كاملة.

كما يجب علينا حظر تسويق المعالجات التي لا تحتوي إلاّ على مادة الأرتيميسينين وتفتقر، بالتالي، إلى الفاعلية المضاعفة الذي تضمنها المعالجات التوليفية.

ولا بدّ من توقي تلك الممارسات لأنّها تعجّل ظهور مقاومة حيال الأدوية. كما أنّها تقلّل من فعالية مكافحة الملاريا عموماً.

أمّا الأمر الثاني الذي أودّ التطرق له فهو أنّنا بصدد إطلاق خطة عالمية في مطلع عام 2011، ولكنّ هذا لا يعني أنّنا لم نضطلع، فعلاً، بإجراءات حازمة في هذا المجال. بالعكس.

فقد شُرع، فوراً في أواخر عام 2008، في بذل جهود الاحتواء على الحدود بين كمبوديا وتايلند، وذلك حتى قبل أن تتأكّد ظاهرة المقاومة. كما تبلغ نسبة تغطية الأسر بالناموسيات المعالجة بمبيدات الحشرات حالياً 100% تقريباً.

وتم إنشاء المرافق الصحية لتشخيص وعلاج الملاريا. وتلك المرافق توفر الخدمات اللازمة على مدار الساعة وبدون مقابل وتملك مخزونات من المعالجات التوليفية المضمونة الجودة القائمة على مادة الأرتيميسينين. ويتواصل رصد فعالية تلك المعالجات بطريقة مكثّفة.

والغرض من الخطة العالمية هو إتاحة ضمان آخر بتوسيع نطاق اليقظة والتدابير الوقائية ليشمل جميع البلدان التي تتوطنها الملاريا.

لقد كان ظهور المقاومة حيال الأرتيميسينين بمثابة جرس الإنذار. فهو يعطينا حجة دامغة أخرى لتعزيز تدابير المكافحة الحالية في أسرع وقت ممكن.

وتبيّن الخطة العالمية بوضوح الإجراءات التي يجب اتخاذها. وأتمنى مخلصة أن يغتنم المجتمع الدولي هذه الفرصة غير المسبوقة.

وشكراً لكم.

شارك