المديرة العامة

كلمة المديرة العامة أمام مؤتمر النظم الصحية

الدكتورة مارغريت تشان
المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية

الكلمة الرئيسية أمام المؤتمر الدولي حول الرؤية الصحية لسلطنة عمان لعام 2050: جودة الرعاية، والحفاظ على الصحة
مسقط، سلطنة عمان

30 نيسان/أبريل 2012

أصحاب المعالي، السادة والسيدات، الحضور المحترمين، والزملاء في مجال الصحة العمومية

يحضر العديد من الزائرين إلى سلطنة عمان للاستمتاع بجمالها وحسن ضيافة شعبها. والبعض الآخر يحضرون للتعلّم، ولاسيما للإلمام بالنظام الصحي والنتائج الباهرة التي حققتها عمان.

في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، حضر ريتشارد سميث، والذي عمل لاحقاً كمحرر للمجلة الطبية البريطانية، إلى عمان للتعلم. وما شاهده آنذاك أثار انبهاره.

فكتب أن ما أنجزه السلطان قابوس بن سعيد في تطوير عمان قد استغرق إنجازه ألف سنة في أوروبا، بينما حقق السلطان قابوس ذلك في أقل من عشرين سنة.

وقد زار ريتشارد سميث المستشفى السلطاني، وكان مستشفى جديداً وقتها، ووصفه بأنه "أجمل مستشفى رأته عيناه، ولا يدانيه في ذلك أي مستشفى آخر"

كما لاحظ أن تدقيق الجودة الطبية في سلطنة عمان يفوق مثيله في المملكة المتحدة.

وقد أعزى التقدم الذي أحرزته عمان إلى إصرار جلالة السلطان على صنع دولة حديثة، والاهتمام الذي أولاه بالصحة والتعليم في خططه لتحقيق هذه الرؤية.

وقد كان التقدم مدهشاً بالفعل.

ففي أقل من 40 عاماً، انخفضت وفيات الأطفال أقل من عمر خمس سنوات انخفاضاً مذهلاً بلغ 95%، وذلك كان أسرع انخفاض في وفيات الأطفال تحقق في أي مكان في العالم.

وفي أقل من 35 عاماً، ارتفع مأمول الحياة بمقدار أكثر من 25 سنة. وهذا يعني إضافة حياة جيل تقريباً إلى الجيل الموجود.

وخفّضت عمان معدل الولادة إلى النصف، خلال عشرة سنوات.

وابعدت عمان عنها العديد من الأمراض المعدية، وكافحت أغلب الأمراض الباقية.

بالتأكيد نظر إلى كل هذه الإنجازات وكأنها تحققت بلمسة سحرية مثيرة للانبهار.

وصنّف التقرير الخاص بالصحة في العالم لعام 2000 النظام الصحي في عمان في المرتبة الأولى من حيث أدائه لتحسين المستويات الصحية.

وأشاد التقرير الخاص بالصحة في العالم لعام 2008 حول الرعاية الصحية الأولية، في افتتاحيته بالإنجازات الصحية التي حققتها عمان.

وصنف تقرير التنمية البشرية لعام 2010 عمان في المرتبة الأولى في حركتها النهضوية، فقد تقدم هذا البلد بأقصى سرعة ليلحق بركب جودة الحياة الموجود في بلدان تحظى بأفضل حوكمة.

وبالنسبة للصحة العمومية، تعد عمان أرض المعجزات، والتحولات السحرية

السيدات والسادة

ومثل الباقين، أنا هنا في عمان للمشاهدة والتعلم، وأنا أيضاً هنا من أجل توجيه النصح.

لقد دعي إلى هذا المؤتمر الدولي لجمع الإرشادات حول إعداد الرؤية الصحية لعمان لأمد طويل حتى عام 2050.

يعد التخطيط طويل الأمد في حد ذاته، تعهداً جديراً، وخطوةً إضافية هامة في بناء الأمة. وسيدعم نظام المعلومات والإحصاءات الصحية الوطني الجيد الإعداد في عمان هذا النوع من التخطيط، كما ستدعمه خبرة عمان في إعداد السياسات المسندة بالبينات.

أنتم في عمان تضاهون سرعة الزمن، إن لم تكونوا قد سبقتموه. وفي العشر سنوات الماضية، أصبح المجتمع الدولي وجها لوجه أمام حاجة ماسة لتعزيز النظم الصحية.

وكما هو معلوم، فإن البضائع والأموال النقدية اللازمة لشرائها لن تجدي في تحسين النتائج الصحية طالما انعدمت نظم إيتاء الخدمة الفعالة والمضمونة الاستمرار.

والاستثمار له مردوده. فالنظم الصحية هي مؤسسات اجتماعية. والنظام الصحي الذي يدار إدارة جيدة ويمول تمويلاً كافياً ويمتاز بحسن الأداء سيساهم في التماسك والاستقرار الاجتماعي.

وفي عالم تحاصره أزمة عالمية تلو الأخرى، يعد التماسك والاستقرار الاجتماعي ميزة ثمينة.

النظم الصحية لها خصوصية شديدة بالبيئة المحيطة بها.

فللنظم الصحية جذورها التاريخية الفريدة، وهي تعمل في بيئات متمايزة ثقافياً واجتماعياً. ولا يوجد مخطط تفصيلي واحد يصلح لتوجيه الإصلاح في النظام الصحي.

وفي نفس الوقت، توجد خبرات واسعة. وتوجد أفضل الممارسات. وقد ارتكبت أخطاء واضحة، وأحياناً أخطاء جسيمة، أثبتت صعوبة بالغة في تصحيحها.

على سبيل المثال، إن فتح مستشفى جديد يُعَدُ أيسر بكثير من إغلاق مستشفى لا يستفاد منه استفادة كافية أو يفرط في استخدامه لأمراض روتينية.

وقد جرى تصميم رؤية عمان لعام 2050 كاستجابة طويلة الأمد للتحديات المستجدة. وهي تحديات كثيرة وبالغة التعقيد.

وتدعونا إلى تغيير لا يقل بأي حال عن تغيير جذري في التوجه الفكري، وإعادة التفكير جوهرياً في طريقة تقديم النظم الصحية للخدمات، والحفاظ على النتائج الصحية الجيدة.

وكما لاحظ الباحثون والخبراء لديكم، فإن الإنجازات التي حققها بلدكم باتت معرضة للتهديد.

في عالم يزداد فيه جذرياً الاعتماد المتبادل على الآخرين، يجري تشكيل الصحة تقريباً في كل مكان وفقاً لنفس القوى المؤثرة، مثل كبر السن الديمقوغرافي، وسرعة التمدين، والانتشار العالمي لأنماط الحياة غير الصحية.

ويظهر تأثير هذه الاتجاهات أكثر وضوحاً وأكثر ضراوة، في زيادة الأمراض غير السارية، والتي أصبحت أكبر مسببات الوفاة هنا في عمان وفي العالم.

ويأتي هذا التحول في العبء المرضي في وقت ترتفع فيه توقعات الناس، وتلتهب في تكاليف الرعاية الصحية.

وأنتم في عمان تسعون إلى إصلاح النظام الصحي بطرق تحافظ على استمرار جودة الرعاية مع الحفاظ على المكاسب الصحية. ويتحتم إيلاء التكاليف اهتماماً كبيراً.

إن السعي لبلوغ فعالية أعظم، في الاستفادة من الموارد ومن العاملين أيضاً، يجب أن تكون هي القوة الدافعة.

وفي أواخر العام الماضي، توصلت دراسة إلى أن تكاليف تقنيات معالجة السرطان أصبحت باهظة ولا يمكن ضمان استمرارها، حتى في أكثر البلدان غناء. ويقدر بعض الخبراء أن حوالي نصف زيادة الإنفاق الصحي منذ عام 1960 يمكن أن ينسب إلى نمو التقنيات الطبية المعقدة.

والأمراض غير السارية هي الأمراض القادرة على إفلاس البنوك. كما شاهدنا ذلك في بعض البلدان الأسيوية، فتكاليف رعاية هذه الحالات المزمنة يمكن أن تلتهم مزايا التحديث والتطوير الاقتصادي.

هل يعد هذا تقدماً حقيقياً ؟

الوقاية حتى الآن مازالت هي أفضل خيار مطروح. وهنا يتوفر لعمان بعض المزايا الواضحة.

فقد اكتسب القطاع الصحي العماني ثقة، وهذه ميزة من النادر توفرها هذه الأيام. فحافظوا عليها.

وقد منحت الرعاية الصحية الأولية عمان خبرة واسعة في تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض. فعليكم توسيع نطاق هذه الخبرة.

ويجب أن تمتد الخدمات الصحية لما هو أبعد من العلاقة بين مقدمي الخدمة الكرماء والمتلقين للخدمة الشاكرين لهم إلى إشراك المجتمعات في حماية صحتهم.

تعتمد الوقاية على الاكتشاف المبكر، والعلاج الفوري، وامتثال المريض.

لعمان تقليد في التنسيق بين القطاعات المتعددة من أجل الصحة. فعليكم تعميق هذا التنسيق. فالأسباب الجذرية للأمراض غير السارية تمتد إلى قطاعات أوسع نطاقاً من الصحة العمومية.

يمكن للمهنيين الصحيين والطبيين أن يدعموا التغيرات في أنماط الحياة، والتشريعات الصارمة لمكافحة التبغ، ومعالجة المرضى، وإصدار مشاريع القوانين الصحية، لكنهم لا يستطيعون إعادة تصميم البيئات الاجتماعية لتجعل السلوكيات الصحية هو الاختيار الأيسر.

وأثناء هذا المؤتمر، سنفحص أوجه المقارنة بين القوى والقصور في النظم الصحية الحكومية والخاصة. فعليكم الحرص في أداء ذلك.

ففي القطاع الخاص، تشكل الحوافز التي يحصل عليها مقدمو الخدمة أهمية قصوى. في حين أن النظام يفقد الفعالية ويخسر الموارد إذا أجريت اختبارات غير ضرورية أو إذا وصفت أدوية لا حاجة لها.

السيدات والسادة

لدي تعليق أخير، فوق هذه الأرض، أرض معجزات الصحة العمومية والتحول السحري.

لسنوات طويلة، اقتصر التوجه الفكري للصحة العمومية على وقاية ومكافحة الأمراض المعدية.

وقد جرى تصميم غالبية النظم الصحية كي تعالج النوبات الحادة من الأمراض المعدية، ولكن لم يجر تصميمهما كي تقدم رعاية طويلة الأمد، قد تمتد لمدى الحياة كلها.

كل هذا يجب تغييره.

إن جعل النظم الصحية مناسبة للغرض المرجو في ثنايا التحديات الصحية الهائلة للقرن الحادي والعشرين مهمة ملحة للغاية.

وبناء على الخبرة، يمكن لعمان أن تفعل ذلك، وعلى الوجه الأمثل.

وبتحقيقكم لذلك، فستعطون لباقي العالم نموذجاً قيماً وملهماً.

ولكم جزيل الشكر.

شارك