المدير العام

اليمن وبعثة مشتركة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة وبرنامج الأغذية العالمي

بيان الدكتور تيدروس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، في الجلسة الإعلامية للبعثات

جنيف سويسرا
4 آب/أغسطس 2017

سعادة السفير علي محمد سعيد مجور، أصحاب السعادة السفراء والممثلون. أشكركم على ما أتحتموه لي من فرصة اليوم لإحاطتكم علماً بخصوص بعثتي الأخيرة إلى اليمن والوضع الصحي فيه.

لم تكن مصادفةً أن يكون اليمن هو مقصد بعثتي الأولى ضمن برنامج المنظمة للزيارات القُطرية. ويفسر الوضع المتدهور في اليمن أولويات قيادتي للمنظمة: إذ يجب أن نسعى جاهدين لتوفير الرعاية الصحية للجميع في أكثر الظروف هشاشةً وتعقيداً، ويجب أن نضمن تمتع النظم الصحية بالقدرة على كشف الأحداث والظروف غير المخطط لها والاستجابة لها - ولا سيما الأخطار المعدية، ويجب أن نضمن تمتع المكاتب القطرية التابعة للمنظمة بالقدرات والمهارات اللازمة للقيادة وتحمل المسؤولية والتحلي بالمهنية والقدرة على توقع الأحداث.

كانت هذه البعثة المشتركة هي الأولى من نوعها - حيث يجتمع معاً ثلاثة رؤساء وكالات للنظر في الطريقة التي يمكننا بها تعزيز قدرتنا الجماعية على ضمان توفير خدمات اجتماعية رئيسية لفئة من السكان هي في أمس الحاجة إلى ذلك في خضم وضع بالغ التعقيد والهشاشة. وقد زرنا المستشفيات وتحدثنا مع المرضى وعائلاتهم والعاملين الصحيين الذين يعتنون بهم.

لقد تسبب النزاع الذي استمر عامين في تدمير حياة الناس العادية مخلِّفاً وراءه حوالي 15 مليون شخص محرومين من فرص الحصول على الرعاية الصحية الأساسية. وهناك 17 مليون شخص على شفا المجاعة. و16 مليون شخص -وهو ما يساوي عدد سكان لندن ونيويورك مجتمعين- محرومين من فرص الحصول على المياه النظيفة والإصحاح. وغالباً ما يكون الأطفال والفئات السكانية الأخرى الضعيفة أكثر معاناةً من غيرهم. ويحتاج نحو 80 في المائة من أطفال اليمن إلى مساعدات إنسانية عاجلة. فقد تُوفي ما لا يقل عن 10 000 طفل خلال السنة الماضية بسبب أمراض يمكن الوقاية منها، وهناك مليونا طفل يعانون من سوء التغذية الحاد - مما يجعلهم أكثر عرضةً للإصابة بأمراض من قبيل الكوليرا التي تزيد بدورها من وطأة سوء التغذية.

وتمثل هشاشة النظام الصحي مشكلة تثير قلقاً بالغاً. وفاشية الكوليرا المستمرة هي أحد أعراض هذا النظام المتزعزع؛ حيث لا تزدهر الكوليرا إلا في ظل نظام صحي متزعزع من هذا القبيل. ونشهد الآن الموجة الثانية من الفاشية التي بدأت أول مرة في تشرين الأول/أكتوبر 2016. وقد سجلنا في الفترة من 27 نيسان/أبريل إلى 1 آب/أغسطس 1 921 حالة وفاة وأكثر من 443 000 حالة مشتبه بها. فقد تضرر من الفاشية اثنتان وعشرون محافظة من أصل المحافظات الثلاث والعشرين التي يتكون منها البلد. ورغم وجود اتجاه تنازلي في عدد حالات الكوليرا في الأسابيع الماضية، يبقى الوضع سيئاً، فموسم الأمطار على وشك البدء، لذلك، من المتوقع أن نشهد ارتفاعاً جديداً في الحالات.

لقد أنشأنا، مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، أكثر من 1 000 مركز لعلاج الإسهال وزاوية علاج لتعويض السوائل عن طريق الفم. ولا يزال تقديم المكملات الغذائية وسوائل الحقن الوريدي والإمدادات الطبية الأخرى، بما في ذلك سيارات الإسعاف، عملاً مستمرًّا، كما يتواصل إعادة بناء البنية التحتية الحيوية - أي تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية المحلية وشبكة المياه والإصحاح. وتشترك المنظمة واليونيسف أيضاً في إطلاق حملة توعية عامة - يشارك فيها 16 000 متطوع يطوفون على المنازل ليشرحوا للناس كيف يمكنهم وقاية أنفسهم وكيف أن الكوليرا مرض يمكن علاجه. ونعمل أيضاً على مكافحة الكوليرا من مصدرها وعلى زيادة إتاحة المياه النظيفة بصورة كبيرة. ومعاً نحقق نتائج: حيث تنجو نسبة تزيد عن 99 في المائة ممن يُشتبه في إصابتهم بحالات كوليرا ويحصلون على خدمات صحية.

وفي الوقت نفسه، يعاني اليمن من نقص فيما يلزم من الأطباء وأطقم التمريض من أجل المساعدة في علاج المرضى ورعايتهم. فبعضهم قد فر من البلد. لكن يواصل الكثيرون الحضور إلى العمل رغم أنهم لم يتلقوا أجورهم لأكثر من عشرة أشهر. وتدفع منظمة الصحة العالمية واليونيسف الحوافز وتكاليف السفر وساعات العمل الإضافية وغيرها من البدلات متى استطعنا ذلك، من أجل مساعدتهم على تخطي هذه الفترة رغم أن هذا الحل غير مضمون الاستمرار. ومن ضمن التحديات التي تواجهنا أن أكثر من 55 % من جميع المرافق الصحية مغلقة أو لا تعمل بكامل طاقتها؛ فلا يوجد أطباء في 49 منطقة من أصل 333 منطقة، وتعوق القيود المفروضة على الاستيراد واللوجستيات عمل سلسلة التوريد، إضافةً إلى العدد المحدود من الشركاء في التنفيذ ومن التمويل. ويمثل الوصول إلى أشد الشرائح احتياجاً تحدياً هائلاً أمام الاستجابة الإنسانية في اليمن.

فعلى الرغم من التحديات العديدة، أرى أشخاصاً مخلصين وشجعاناً يعملون بجد على مدار الساعة لتقديم الخدمات والوصول إلى أشد الفئات ضعفاً. وقد لمست بنفسي العمل المشترك بين منظمة الصحة العالمية واليونيسف وبرنامج الغذاء العالمي في اليمن الذي يدعم تقديم خدمات اجتماعية، وهو عمل يرجع الفضل فيه جزئيًّا إلى الشراكة الناشئة مع البنك الدولي التي أتاحت أكثر من 200 مليون دولار للتغذية والصحة لدرء خطر انهيار الخدمات الاجتماعية ريثما يُعاد بناء القدرات والبنية التحتية.

لقد زرت مركز عمليات الطوارئ الوطني المعني بالصحة الذي يتولى قيادة الجهود الوطنية والدولية وتنسيقها من أجل تقديم خدمات في هذا الوضع الطارئ. وتعمل منظمة الصحة العالمية واليونيسف وبرنامج الغذاء العالمي في مركز عمليات الطوارئ على تجميع مواردنا واتخاذ قرارات مشتركة حول الطريقة الفضلى لاستخدامها تحقيقاً لأبلغ أثر ممكن. ونعمل الآن على إنشاء مراكز عمليات طوارئ مشتركة في أنحاء البلد، حتى في أصعب المناطق في الوصول إليها. وقد أخبرنا مسؤولو السلطات الصحية اليمنية أن طريقة العمل الجديدة وطريقة تنسيق الجهود الدولية والوطنية التي يبذلها الشركاء في المجال الصحي والإنساني تشعرهم بفارق حقيقي: فهم يستطيعون الآن أن يشعروا بوجود جهود استجابة إنسانية موحدة لا مجرد وكالات منفردة يعمل كلٌّ منها بمفرده.

وقد تمخض عن بعثتنا المشتركة أولوياتنا الرئيسية الأربع للعمل المشترك والحوار:

  • أولاً، الإسراع بعملية السلام لوضع نهاية فورية لهذا النزاع لا لكي يتمكن السكان من النجاة فحسب، بل كي يحققوا الازدهار. وتبذل منظمة الصحة العالمية واليونيسف والشركاء كل ما في وسعها لإنقاذ الأرواح ودعم النظام الصحي. ولكن من دون السلام، لن تنتهي معاناة السكان. وعندما التقينا القادة اليمنيين -في عدن وصنعاء- دعوناهم إلى إتاحة وصول العاملين في مجال المساعدة الإنسانية إلى المناطق المتضررة من القتال، وحثثناهم على التوصل إلى حل سياسي للنزاع.
  • ثانياً، ضمان حماية البنية التحتية المدنية مثل المياه والإصحاح والمرافق الصحية دائماً في المناطق التي يتواصل فيها النزاع وفقاً للقانون الدولي الإنساني. ودعونا الطرفين -في عدن وصنعاء- مرة أخرى إلى احترام القانون الدولي الإنساني، وعدم مهاجمة البنية التحتية المدنية.
  • ثالثاً، لما كان من الضروري أن تفي الجهات المانحة بالتعهدات التي قُطِعت في الاجتماع الرفيع المستوى الذي عُقِد في نيسان/أبريل وبتقديم الأموال لحل هذه الأزمة بطريقة أكثر مرونة، فينبغي ضمان دفع أجور العاملين الصحيين وإعطاء حوافز لهم ليبقوا في وظائفهم ويواصلوا خدمة مجتمعاتهم المحلية. ويتميز الجزء الخاص بمنظمة الصحة العالمية في خطة الاستجابة الإنسانية بأنه مموَّل تمويلاً جيداً نسبيًّا؛ لكن النداء إجمالاً لم يُقابَل بما يكفي من التمويل.
  • وأخيراً، توفير الدعم السياسي والمالي والتقني لعملية التعافي والتطوير الأطول أجلاً. وتمثل الشراكة بين البنك الدولي واليونيسف ومنظمة الصحة العالمية من أجل تقديم الخدمات ريثما يُنعَش قطاع الصحة نموذجاً يُحتذَى به. فنحن بحاجة إلى إعادة بناء النظم الصحة ونظم الإصحاح في البلد لكي نستطيع الوقاية من المخاطر الصحية المستقبلية واحتواءها بشكل أفضل.

أدعوكم اليوم للتجمع تضامناً مع شعب اليمن وبذل قصارى جهدكم للمساعدة في وضع حد لشقائهم. فلا يمكننا السماح لدولة هشة بأن تصبح دولة فاشلة. لا يمكننا أن نسمح بهذا انطلاقاً من إنسانيتنا. لا يمكننا أن نسمح بهذا انطلاقاً من أهداف الصحة العمومية التي وضعناها. لا يمكننا أن نسمح بهذا انطلاقاً من هدفنا الجماعي المتمثل في تحقيق الأمن الصحي. إننا نستطيع، معاً، وبمساعدتكم، حماية صحة الشعب اليمني ورفاهه طيلة سنوات عديدة قادمة.