يوميات الإيبولا: دروس في الإصغاء

الشيخ إبراهيم نيانغ

الشيخ إبراهيم نيانغ، أستاذ علم الإنسان الطبي والاجتماعي في جامعة الشيخ أنتا ديوب في داكار، السنغال، بحث جوانب مجموعة متنوعة من القضايا الصحية من زاوية علم الإنسان. وقد طلبت منه المنظمة، في تموز/ يوليو 2014، أن يدرس مواقف المجتمعات المحلية إزاء داء فيروس الإيبولا. وتولى قيادة فريق من أخصائيي علم الإنسان توجه إلى سيراليون في الوقت الذي اندلعت فيه الفاشية في الجزء الشرقي من هذا البلد. وهذا هو ما وجده.

منظمة الصحة العالمية/S. Gborie

"كنت أعلم أن الأمر يمثل تحدياً كبيراً، ولكن لدى وصولي إلى كايلاهون (في سيراليون الشرقية) وجدت أن الوضع أسوأ مما ظننت. فقرية نجالا، وهي أشد القرى تضرراً من الإيبولا، كانت قد تحولت إلى مدينة أشباح. كانت الإيبولا قد قتلت أكثر من 40 من سكانها، أي ما يقرب من ثُلث القرية. وكان أغلب الباقين قد فرّوا. كانت المنازل مغلقة وكان هناك العديد من اليتامى ولم يكن هناك ما يؤكل. لا أحد كان يريد أن يحضر لهم طعاماً من شدّة الخوف من هذا المرض المجهول القاتل. كان الوضع عسيرا جداً.

كان الناس في حاجة إلى من يسمعهم

كانت مهمتنا تتمثل في إجراء دراسة لمدة شهر واحد عن الجوانب الاجتماعية لمرض فيروس الإيبولا. وكنا نعلم أننا لو فهمنا على نحو أفضل معتقدات الناس -بشأن الإيبولا وبشأن الأستجابة لها وبشأن مراكز العلاج وبشأن الدفن المأمون– فإن ذلك سيؤدي إلى إنقاذ أرواح. وأدركنا أن الأمر يحتاج إلى إشراك المجتمعات المحلية بقدر أكبر في اتخاذ القرارات من قبيل مكان إقامة مراكز علاج الإيبولا.

والأهم من ذلك، شعرنا أن الناس في حاجة إلى من يسمعهم. فإذا أردت أن تنشر رسائل فعّالة، عليك الإصغاء أولاً. وحتى لو فعلت ذلك فإن المجتمعات المحلية سوف تترجم الرسائل الطبية إلى مضطلحاتها هي. عليك أن تزودهم بالمعارف التي تمنحهم القدرة على اتخاذ قراراتهم الذاتية.

ومن ثم فقد أصغينا كثيراً، دون أن تصدر عنا أي جلبة. كان نهجنا متواضعاً وإنسانيا ومتكتماً ومنصباً على شواغلهم. فلا سيارات رسمية ولا أعلام ترفرف ولا أزياء موحدة. لم نقدم عرضاً ترفيهياً. والواقع أن منظمة الصحة العالمية هي المنظمة الوحيدة التي جلست مع القرويين واستمعت إليهم على مدى ساعات. وكان الناس توّاقين للحديث معنا. كانوا غاضبين ومثبطين وخائفين من هذا المرض الذي يفتك بهم ومن هذه التوصيات التي تتعارض مع نظم معتقداتهم، كانوا يشعرون بأنهم يُساء فهمهم وأن العالم كله قد تخلى عنهم.

الحياة والموت، الحقيقة والمجاز

لقد تعلمنا عدّة أشياء مهمّة. على سبيل المثال، كانت هناك خلافات مفاهيمية بشأن الدفن المأمون: فالشخص الميت في هذه المجتمعات له حقوق، وتقع على المجتمعات التزامات تجاهه. وإذا لم تُحترم هذه الحقوق فإن الناس يفقود المصداقية والاحترام في مجتمعاتهم. وهذا مهمّ جداً.

وثانياً، لا يمثل غسل جثامين الموتى عملا ينم عن الرعاية فحسب، بل هو أيضاً شعيرة تطهير ومجاز. فالجسد يجب أن يكون نظيفاً لكي يكون الشخص طاهراً عندما يصعد إلى السماء. والأربطة التي تحيط بالكفن هي مجاز آخر: فعندما يفك الميت هذه الأربطة تتحرر روحه وتصعد. وخفّة هذه الروح الصاعدة أيضاً مجاز آخر؛ لقد تخلص الميت من كل غضب وجزع كانا يثقلان منه.

وهناك أيضاً بعض الخلافات المفاهيمية حول وسائل التشخيص والعلاج. على سبيل المثال، عندما تعطي دماً أو عندما تعطي عيّنات مختبرية، فإن هذه الأشياء تعبر عن الشخص ككل؛ وعلاوة على ذلك، فإنها ليست ملك الفرد وحده وإنما ملك المجتمع أيضاً. فالجسم جماعي، ويقع على المجتمع بعض المسؤولية عن كامل الجسم. ولذا كان قادة المجتمع والجماعات في كايلاهون يصممون على التأكد بالرؤية رؤى العين أنه ليست هناك إجزاء منقوصة من جثمان الميت قبل دفنه.

منظمة الصحة العالمية/C.I. Niang

استعادة الكرامة والثقة

صار من الواضح أن المقاومة هي الوسيلة التي يؤكد بها الناس موقفهم عندما يشعرون بأن كرامتهم مهددة. لا أحد يريد أن يموت بالإيبولا. وعندما يقول القرويون، "الإيبولا ليس لها وجود. الإيبولا سم يرسله لنا الغربيون." عليك أن تقول "حسناً"، وسوف تعلم حينئذ أنهم لا يحبون الطريقة التي يعاملون بها.

ومتى سُمعت المجتمعات المحلية وفُهمت فإنها تشعر بالثقة ويقل العنف. واستُقبلنا استقبالاً حسناً. فعلى سبيل المثال، ذهبنا إلى كينيما بعد يوم من وفاة الدكتور الشيخ عمر خان بالإيبولا. كانت هناك أعمال شغب. ووصلت الشرطة، بل وأطلقت النار على رجل وأصابته. واستمعنا إلى الناس وساعدناهم على تمالك أنفسهم. وعملنا مع الأئمة وساعدناهم على تهدئة الناس.

وذهبنا إلى السوق واستمعنا إلى النساء المشاركات في المظاهرات. والنساء لهن أهمية خاصة لأنهن يأخذن ما يتعلمنه منك ويذهبن ويحققن هذه المعلومات في مجتمعاتهن المحلية. كانت هؤلاء النساء معترضات على وجود مركز لعلاج الإيبولا بجوار مركز الأمومة. لقد قلن: "مركز العلاج هو مركز للموت ومركز الأمومة هو مركز للحياة." وكُنَّ غاضبات لأنهن لم يُستشرن عند تحديد مكان مركز العلاج.

وهكذا تتبعنا الفاشية مستخدمين نهج الإصغاء نفسه في كل قرية. ومع فهمنا نحن أنفسنا للمزيد، ساعدنا الآخرين على فهم ما هي الإيبولا وكيفية الوقاية منها.

دروس في البساطة والاحترام والإنسانية

ما الذي خرجنا به من كل ذلك؟

لقد شاهدنا أهمية تفاعل أخصائيي علم الإنسان أولاً مع المجتمع، دون صفارات التحذير بمرور سيارة رسمية ودون تصريحات طنّانة ودون معدات حماية شخصية خاصة، كأعضاء في المجتمع نفسه، لا كزائرين. كانت ملابسنا مثل ملابسهم وكنا نحمي أنفسنا كما يفعلون.

وشاهدنا أهمية احترام المجتمع المحلي. لقد كانت بعض النهوج التي شاهدناها عنيفة بدرجة مفرطة. وتعلمنا أهمية السماح للأسر بالتواصل مع أفرادها المرضى. وأوصينا بهذا النهج، حتى آنذاك. دعهم يتواصلون عن طريق الهاتف، وأوجد لهم مكاناً يُمكن للأسرة أن تحضر إليه وتنظر إلى مريضها. ولكن للأسف لم تكن بعض هذه النهوج متفقة مع البروتوكولات الطبية التي كانت متبعة آنذاك.

إن وظيفتنا كأخصائيين في علم الإنسان هي فهم ما يحدث عندما يوصَم شخص، ومساعدة هؤلاء الناس على تعزيز آليات تكيّفهم مع هذا الوضع. وإننا نقدِّر قيمة نهج تضطلع علاقات القرابة فيه بدور في الرعاية الصحية وتقديمها أكبر حتى من دور المؤسسات الطبية، ويكون البشر فيه هم أنفسهم علاجاً للبشر.

ولهذا السبب فإننا نعمل الآن في سبيل دعم جهود منظمة الصحة العالمية الرامية إلى إقامة الرعاية المركِّزة على الناس."