مركز وسائل الإعلام

الآثار الصحية الناجمة عن حادثة تشيرنوبيل: نبذة عامة

صحيفة وقائع رقم 303
نيسان/أبريل 2006

نبذة عامة

في 26 نيسان/أبريل 1986، أدّت الانفجارات التي حدثت في المفاعل أربعة التابع لمحطة الطاقة النووية في تشيروبيل بأوكرانيا، التي كانت تمثّل إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي آنذاك، إلى تسرّب كمية هائلة من المواد النووية في البيئة. وبعد ذلك ترسّبت تلك المواد أساساً في البلدان الأوروبية، وخصوصاً في مناطق واسعة من بيلاروس والاتحاد الروسي وأوكرانيا.

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1986 و1987، شارك ما تقديره 000 350 منظف أو "مصف" من الجيش وموظفي المحطة النووية والشرطة المحلية ورجال المطافئ في الأنشطة الأولية الرامية إلى احتواء الحطام المشع وإزالته. وتعرّض نحو 000 240 مصف لأعلى الجرعات الإشعاعية لدى اضطلاعهم بأهمّ أنشطة التخفيف من حدّة الكارثة ضمن المنطقة المحيطة بالمفاعل والممتدة على مسافة 30 كلم. وبعد ذلك ارتفع عدد المصفين المسجّلين إلى 000 600، مع أنّه لم يتعرّض لمستويات عالية من الإشعاع إلاّ نسبة قليلة منهم.

وتم، في فصلي الربيع والصيف من عام 1986، إجلاء 000 116 شخص من المنطقة المحيطة بمفاعل تشيرنوبيل إلى مناطق غير ملوّثة. وتم ترحيل 000 230 آخرين في الأعوام اللاحقة.

ويعيش نحو خمسة ملايين نسمة، حالياً، في مناطق من بيلاروس والاتحاد الروسي وأوكرانيا حيث يفوق ترسّب السيزيوم المشع 37 كيلوبيكريل/م2 (1) . ولا يزال نحو 000 270 شخص من أولئك الناس يعيشون في مناطق صنّفها الاتحاد السوفييتي كمناطق ذات رقابة مشدّدة، حيث يتجاوز التلوّث بالسيزيوم المشع 555 كيلوبيكريل/م2.

وكانت عمليات الإجلاء والترحيل تجربة قاسية بالنسبة لكثير من السكان، وذلك بسبب تمزّق شبكاتهم الاجتماعية وعدم قدرتهم على العودة إلى بيوتهم، كما عانى الكثير منهم من الوصم الاجتماعي بسبب "خلفية التعرّض".

وبالإضافة إلى عدم تزويد السكان المتضرّرين بمعلومات موثوقة في السنوات الأولى التي عقبت الكارثة، انتشر شعور كبير بعدم الثقة في المعلومات الرسمية وتم، خطأ، عزي معظم المشاكل الصحية لخلفية التعرّض للإشعاعات المنبعثة من تشيرنوبيل.

وتعطي صحيفة الوقائع هذه نبذة عامة عن الآثار الصحية الناجمة عن حادثة تشيرنوبيل والتي يمكن إثباتها استناداً إلى دراسات علمية عالية الجودة. ومن شأن المعلومات السليمة والدقيقة أن تساعد على تضميد جروح أكثر الناس تضرّراً من الكارثة.

الدراسة التي أجرتها منظمة الصحة العالمية بشأن الآثار الصحية الناجمة عن الكارثة

عقدت منظمة الصحة العالمية، ضمن مبادرة منتدى تشيرنوبيل التي ترعاها الأمم المتحدة، سلسلة من اجتماعات الخبراء في الفترة بين عامي 2003 و2005 من أجل استعراض جميع البيّنات العلمية المتعلقة بالآثار الصحية المرتبطة بالكارثة. واتخذ فريق الخبراء التابع للمنظمة، كأساس لعمله، التقرير الصادر في عام 2000 عن لجنة الأمم المتحدة العلمية المعنية بآثار الإشعاع الذرّي، كما استعرض بشكل مستفيض الوثائق المنشورة حديثاً والمعلومات المقدمة من الحكومات الثلاث المتضرّرة. وضمّ الفريق المذكور العديد من العلماء الذين أجروا دراسات في البلدان الثلاثة المتضرّرة، فضلاً عن خبراء من جميع أرجاء العالم. وتم النظر أيضاً في برامج الرعاية الصحية الخاصة التي أُنشئت خصيصاً لعلاج أكثر الأشخاص تضرّراً من الكارثة في البلدان الثلاثة. وأسفر ذلك عن صدور تقرير منظمة الصحة العالمية بشأن "الآثار الصحية الناجمة عن حادثة تشيرنوبيل وبرامج الرعاية الصحية الخاصة ذات الصلة (انظر www.who.int/ionizing_radiation).

وأولى فريق الخبراء المذكور اهتماماً خاصاً للنوعية العلمية من خلال استخدام معلومات مستقاة أساساً من صحائف خاضعة لاستعراض الأقران، وذلك من أجل الخلوص إلى استنتاجات صحيحة. وتم، علاوة على ذلك، إجراء مقارنات مع النتائج المحصلة من دراسات أُجريت على أشخاص تعرّضوا في الماضي لنسبة عالية من الإشعاع، كالناجين من القنبلتين الذرّيتين في اليابان على سبيل المثال.

التعرّض للإشعاع

يُقاس التعرّض للإشعاع المؤيّن عن طريق تقدير"الجرعة الممتصة" التي تُحسب بالغراي. أمّا "الجرعة المؤثّرة" التي تُحسب بالسيفرت، فهي تراعي كمية الإشعاع المؤين الممتص، ونوع ذلك الإشعاع ومدى حساسية مختلف الأعضاء والأنسجة إزاءه. وكانت الجرعات الممتصة، بالنسبة لمعظم الأشخاص الذين تعرّضوا لحادثة تشيرنوبيل، مماثلة للجرعات المؤثّرة (أي 1 غراي يساوي 1 سيفرت تقريباً).

ونحن البشر معرّضون باستمرار، بحكم طبيعتنا، للإشعاع المؤيّن المنبعث من مصادر طبيعية كثيرة، مثل الأشعة الكونية والمواد المشعة الطبيعية المنشأ الموجودة في جميع الأغذية التي نأكلها والسوائل التي نشربها والهواء الذي نتنفسه. وذلك الإشعاع يُسمّى الإشعاع القاعدي الطبيعي.

وتفيد لجنة الأمم المتحدة العلمية المعنية بآثار الإشعاع الذرّي بأنّ جرعة الإشعاع القاعدي الطبيعي التي يتعرّض لها البشر في جميع أرجاء العالم تبلغ في المتوسط نحو 4ر2 ميليسيفرت (2) في السنة، ولكنّ تلك الجرعة تتراوح عادة بين 1 و10 ميليسيفرت. غير أنّها قد تتجاوز 20 ميليسيفرت في السنة بالنسبة لعدد محدود من السكان الذين يقطنون مناطق من العالم يُعرف تعرّضها لنسبة عالية من الإشعاع القاعدي. ولا توجد أيّة بيّنات تثبت بأنّ التعرّض لتلك الجرعة ينطوي على مخاطر صحية.

وبالنسبة لمعظم الأشخاص، يتأتى أكثر من نصف جرعة الإشعاع القاعدي الطبيعي التي يتعرّضون لها من الرادون، وهو غاز يمكن أن يتجمّع في البيوت والمدارس وأماكن العمل. وقد يؤدي استنشاق ذلك الغاز إلى الإصابة بسرطان الرئة. ويمكن تصنيف ما يتعرّض له البشر من جرعات إشعاعية جرّاء ذلك الغاز كجرعات منخفضة إذا لم تتجاوز قيمتها مستويات الإشعاع القاعدي.

الجرعات التي تم التعرّض لها جرّاء حادثة تشيرنوبيل

يرد أدناه مجموع متوسط الجرعات المؤثّرة المجمّعة خلال 20 عاماً لدى أكثر الفئات تعرّضاً من حادثة تشيرنوبيل. ويمكن مقارنة تلك الجرعات بمتوسط الجرعات التي يتعرّض لها الناس عادة من الإشعاع القاعدي الطبيعي خلال 20 سنة. كما ترد الجرعات الناجمة عن الإجراءات الطبية الاعتيادية لأغراض المقارنة.


السكان (سنوات التعرّض) العدد مجموع متوسط الجرعات (ميليسيفرت)(1)
المصفون (1986-1987)(نسبة تعرّض عالية) 240 000 >100
الأشخاص الذين تم إجلاؤهم (1986) 116 000 >33
سكان المناطق الخاضعة لرقابة صارمة (> 555 كيلوبيكريل/م2 ) (1986-2005) 270 000 >50
سكان المناطق المعرّضة لنسبة تلوّث منخفضة (37 كيلوبيكريل/م2 ) (1986-2005) 5 000 000 10–20
جرعات الإشعاع القاعدي الطبيعي  (تتراوح عادة بين 1 و10، أقصى قيمة > 20) 48
وفيما يلي الجرعات التقديرية النمطية الناجمة عن التعرّض لبعض من الفحوص الشعاعية الطبية:
تفريسة الجسم المقطعية المحوسبة 12 ميليسيفرت
صورة الثدي الشعاعية 13ر0 ميليسيفرت
صورة الصدر الشعاعية 08ر0 ميليسيفرت
(1) تُضاف هذه الجرعات إلى الجرعات المنبعثة من الإشعاع القاعدي الطبيعي.

وعلى الرغم من عدم شدّة الجرعات التي تعرّض لها سكان المناطق الملوّثة، فإنّ الجرعات المؤثّرة في الغدّة الدرقية كانت ناجمة، بالنسبة للعديد من السكان، من استهلاك حليب ملوّث باليود المشع. وقد تراوحت شدّة تلك الجرعات بين بضع عشرات من الميليغراي وعد عشرات من الغراي.

وباستثناء السكان المعرّضين لمستويات عالية من اليود المشع المذكور آنفاً، لم يتعرّض لجرعات تتجاوز بشكل كبير مستويات الإشعاع القاعدي الطبيعي النمطي إلاّ المصفين الذين عملوا قرب المفاعل المعطّل في العامين الأولين عقب الحادثة (000 240)، والأشخاص الذين تم إجلاؤهم (000 116) والذين تعرّض بعضهم لجرعات تتجاوز بكثير 100 ميليسيفرت، وسكان المناطق المعرّضة لنسبة تلوّث عالية والخاضعة لرقابة صارمة (000 270). أمّا الأشخاص الذين يسكنون حالياً المناطق المعرّضة لنسبة تلوّث منخفضة (37 كيلوبيكريل/م2) فلا يزالون عرضة لجرعات صغيرة تتجاوز قيمتها مستويات الإشعاع القاعدي الطبيعي، غير أنّ تلك الجرعات تدخل ضمن القيم النمطية للجرعات القاعدية التي يتعرّض لها الناس في جميع أرجاء العالم. وعلى سبيل المقارنة، فإنّ الجرعة الإشعاعية العالية التي يتعرّض لها المريض عادة جرّاء تفريسة الجسم المقطعية المحوسبة تضاهي تقريباً الجرعة الإجمالية المجمّعة طيلة 20 عاماً لدى سكان تلك المناطق.

سرطان الغدّة الدرقية

شهدت حالات سرطان الغدّة الدرقية زيادة كبيرة بين الأشخاص الذين كانوا من صغار الأطفال والمراهقين وقت وقوع الحادثة وكانوا يسكنون أكثر المناطق تلوّثاً في بيلاروس والاتحاد الروسي وأوكرانيا. وتلك الزيادة ناجمة عن ارتفاع مستويات اليود المشع المنبعث من مفاعل تشيرنوبيل في الأيام الأولى من الحادثة. والجدير بالذكر أنّ اليود المشع ترسّب في الحقول التي ترعى فيها البقر، وبالتالي تجمّع في حليبها الذي شربه الأطفال لاحقاً. وممّا زاد الطينة بلّة افتقار النظام الغذائي المحلي إلى عنصر اليود، ممّا أدّى إلى تجمّع المزيد من اليود المشع في الغدّة الدرقية. ومن المحتمل أنّ الزيادة التي شهدتها حالات سرطان الغدّة الدرقية جرّاء الإشعاع لم تكن لتحدث إذا كان سكان تلك المناطق امتنعوا عن إعطاء أطفالهم الحليب الملوّث المحلي خلال الأشهر القليلة التي عقبت الحادثة، ذلك أنّ اليود المشع من العناصر القصيرة العمر.

وتم، حتى الآن في بيلاروس والاتحاد الروسي وأوكرانيا، تشخيص نحو 000 5 حالة من سرطان الغدّة الدرقية بين الأطفال الذين لم تكن تتجاوز أعمارهم 18 عاماً وقت وقوع الحادثة. ومع أنّ عدداً كبيراً من تلك الحالات نجم عن الإشعاع الذي عقب الحادثة، فإنّ الأنشطة الطبية المكثّفة الرامية إلى رصد أمراض الغدّة الدرقية بين السكان المتضرّرين من الحادثة مكّن أيضاً من اكتشاف حالات من سرطان الغدّة الدرقية على المستوى دون السريري، وأسهم بالتالي في مجمل الزيادة التي شهدتها أعداد سرطان الغدّة الدرقية. ولحسن الحظ، كان العلاج عالي الفعالية، حتى بالنسبة للأطفال المصابين بأورام متقدمة، كما أنّ توقعات مآل المرض جيّدة بالنسبة للمرضى الشباب. غير أنّه يتعيّن على أولئك المرضى أخذ أدوية مدى الحياة لتعويض فقدان وظائف الغدّة الدرقية. ولا بد، علاوة على ذلك، من إجراء المزيد من الدراسات لتوقّع مآل المرض بالنسبة للأطفال، وبخاصة المصابون بثقائل متباعدة. ومن المتوقّع، على الرغم من صعوبة تقييم درجة المخاطر على المدى الطويل، أن يستمر ارتفاع حالات سرطان الغدّة الدرقية الناجمة عن حادثة تشيرنوبيل لمدة أعوام عديدة.

سرطان الدم والسرطان الصلب غير الدرقي

إنّ الإشعاع المؤيّن يمثّل أحد العوامل المعروفة التي تسبّب بعض أشكال سرطان الدم (تورّم خبيث يصيب خلايا الدم). وتم، في أوّل الأمر، الكشف عن ارتفاع مخاطر الإصابة بسرطان الدم بين الناجين من القنبلتين الذريتين في اليابان بعد تعرّضهم للإشعاعات بفترة تراوحت بين عامين وخمسة أعوام. وتشير تحرّيات أُجريت في الآونة الأخيرة إلى تضاعف حالات سرطان الدم بين أكثر مصفي تشيرنوبيل تعرّضاً للإشعاعات. ولم تثبت تلك الزيادة بشكل واضح لدى الأطفال والبالغين من سكان جميع المناطق الملوّثة. ومن المحتمل، استناداً إلى تجربة الناجين من قنبلتي اليابان، أنّ عدداً كبيراً من حالات سرطان الدم التي يمكن عزيها لحادثة تشيرنوبيل قد حدثت فعلاً، فقد مضى الآن 20 عاماً على وقوع الحادثة. غير أنّه يتعيّن إجراء المزيد من الدراسات لتأكيد هذا الافتراض.

وفي حين أجرى العلماء دراسات لتحديد ما إذا كانت حالات السرطان التي أصابت الكثير من الأعضاء الأخرى ناجمة عن الإشعاع، فإنّ الدراسات التي اضطلع بها فريق الخبراء العامل التابع لمنظمة الصحة العالمية لم تكشف عن أيّة بيّنات تثبت وجود زيادة في عوامل الاختطار الناجمة عن حادثة تشيرنوبيل والتي يمكن أن تسبّب السرطان، باستثناء سرطان الغدّة الدرقية. وقد أُبلغ، إلى جانب الاستنتاج الذي تم الخلوص إليه مؤخراً بشأن مخاطر إصابة مصفي تشيرنوبيل بسرطان الدم، عن زيادة صغيرة في حالات سرطان الثدي السابق للإياس في معظم المناطق الملوّثة، وكانت لتلك الزيادة علاقة بالجرعات الإشعاعية على ما يبدو. غير أنّه يجب تأكيد كلا الاستنتاجين من خلال دراسة وبائية محكمة التصميم. وتجدر الإشارة إلى أنّ انعدام الأدلة التي تثبت زيادة مخاطر الإصابة بالسرطان- باستثناء سرطان الغدّة الدرقية- لا يعني أنّ الزيادة لم تحدث. ومن المتوقّع، استناداً إلى تجربة الناجين من القنبلتين الذرّيتين في اليابان، حدوث زيادة طفيفة في مخاطر الإصابة بالسرطان، حتى جرّاء الجرعات المنخفضة والمتوسطة. بيد أنّه من المتوقّع أيضاً أن يكون تحديد تلك الزيادة أمراً يصعب إنجازه.

معدل الوفيات

تعرّض 134 مصفياً، استناداً إلى لجنة الأمم المتحدة العلمية المعنية بآثار الإشعاع الذرّي (2000)، لجرعات إشعاعية عالية بما يكفي لتشخيصها كمرض إشعاعي حاد. وفي عام 1986، توفي 28 شخصاً من بين أولئك المصفين جرّاء ذلك المرض. ومنذ ذلك التاريخ توفي مصفون آخرون، غير أنّ وفاتهم لا يمكن عزيها بالضرورة لخلفية التعرّض للإشعاع.

ويمكن توقّع زيادة في عدد الوفيات الناجمة عن السرطان في أوساط الأشخاص الذين تعرّضوا للإشعاع المنبعث من الحادثة. وإذ يتعذّر حالياً تحديد حالات السرطان الناجمة عن الإشعاع، فإنّه لا يمكن في الوقت الحالي سوى تقييم تلك الوفيات إحصائياً باستخدام المعلومات والإسقاطات التي تتيحها الدراسات التي أُجريت على الناجين من القنبلتين الذرّيتين وغيرهم من الفئات السكانية المعرّضة لمخاطر إشعاعية عالية. وينبغي ملاحظة أنّ الناجين من القنبلتين الذرّيتين تعرّضوا لجرعات إشعاعية عالية في فترة زمنية قصيرة، بينما تسبّبت حادثة تشيرنوبيل في انبعاث جرعات منخفضة على مدى فترة زمنية طويلة. ويؤدي ذلك وغيره من العوامل، مثل محاولة تقييم الجرعات التي تعرّض لها السكان بعد مضي وقت طويل على وقوع الحادثة فضلاً عن اختلاف أنماط العيش والنُظم الغذائية، إلى ظهور التباسات كبيرة عند إجراء إسقاطات بشأن وفيات السرطان في المستقبل. كما أسهم الانخفاض الكبير الذي شهده متوسط العمر في البلدان الثلاثة خلال السنوات الخمسة عشر الماضية والذي ليس مردّه الإشعاع بل الإفراط في تعاطي الكحول والتبغ، فضلاً عن انخفاض مستوى الرعاية الصحية، في تصعيب عملية الكشف عن مدى تأثير الإشعاع على معدل وفيات السرطان.

وعلى الرغم من الجدل القائم بشأن جسامة مخاطر الإصابة بالسرطان جرّاء التعرّض لجرعات إشعاعية منخفضة، نشرت اللجنة التابعة لأكاديمية الولايات المتحدة الأمريكية الوطنية للعلوم والمعنية بالآثار البيولوجية للإشعاع المؤيّن (BEIR VII)، في عام 2006، قائمة شاملة بالبيّنات العلمية ذات الصلة، وخلصت إلى أنّ المخاطر تظلّ قائمة بشكل خطّي فيما يخص الجرعات المنخفضة وأنّه لا توجد أي عتبة تنعدم المخاطر دونها (ويُطلق على ذلك اسم "النموذج الخطّي العديم العتبة). غير أنّ هناك التباسات بشأن ضخامة الآثار الناجمة عن تلك الجرعات، وبخاصة الجرعات التي تقلّ بكثير عن 100 ميليسيفرت.

وخلص الفريق العامل إلى احتمال حدوث 4000 حالة وفاة إضافية جرّاء السرطان في صفوف أشدّ الفئات تعرّضاً للإشعاع (المصفون: 000 240؛ الأشخاص الذين تم إجلاؤهم: 000 116؛ سكان المناطق الخاضعة لرقابة صارمة: 000 270). ونظراً لاحتمال وفاة أكثر من 000 120 شخص من بين تلك الفئات جرّاء السرطان في نهاية المطاف، فإنّ وفيات السرطان الإضافية الناجمة عن التعرّض للإشعاع تمثّل بالتالي نسبة تتراوح بين 3 و4% من مجموع وفيات السرطان وتُضاف لمجموع وفيات السرطان العادية الناجمة عن جميع العوامل الأخرى.

وتُعد الإسقاطات الخاصة بوفيات السرطان التي حدثت في صفوف سكان مناطق بيلاروس والاتحاد الروسي وأوكرانيا التي بلغ فيها ترسّب السيزيوم المشع 37 كيلوبيكريل/م 2، والبالغ عددهم خمسة ملايين نسمة، أكثر التباساً بكثير، ذلك أنّ أولئك السكان معرّضون لجرعات لا تفوق مستويات الإشعاع القاعدي الطبيعي إلاّ بنسبة طفيفة. وتشير التوقّعات، التي تستند عموماً إلى النموذج الخطّي العديم العتبة، إلى احتمال حدوث زهاء 5000 حالة وفاة إضافية بسبب السرطان في صفوف أولئك السكان جرّاء تعرّضهم للإشعاع أو نحو 6ر0% من مجموع وفيات السرطان المتوقّع حدوثها بين أولئك السكان جرّاء عوامل مسبّبة أخرى. وتجدر الإشارة مجدّداً إلى أنّ تلك الأعداد ليست سوى مؤشراً على الآثار المحتملة الناجمة عن الحادثة، نظراً للالتباسات الكبيرة المذكورة أعلاه.

وقد تتسبّب حادثة تشيرنوبيل أيضاً في حدوث حالات سرطان في مناطق أوروبية أخرى غير بيلاروس والاتحاد الروسي وأوكرانيا. غير أنّ لجنة الأمم المتحدة العلمية المعنية بآثار الإشعاع الذرّي تفيد بأنّ متوسط الجرعات التي تعرّض لها سكان تلك المناطق تقلّ بكثير عن الجرعات المؤثّرة، وبالتالي فمن المتوقّع أن تكون الزيادة النسبية في وفيات السرطان أقلّ بكثير من المناطق المعرّضة في البلدان الثلاثة المذكورة. وهناك التباس كبير يحيط بالتقديرات التنبؤية، كما أنّه من غير المرجّع إطلاقاً الكشف عن أيّة زيادة في تلك البلدان باستخدام الإحصاءات الوطنية الخاصة بالسرطان(3) .

حالات الكاتاراكت

تتسم عدسة العين بحساسية كبيرة إزاء الإشعاع المؤيّن، ومن المعروف أنّ حالات الكاتاراكت تنجم عن التعرّض لجرعات مؤثّرة تبلغ شدّتها نحو 2 سيفرت. وهناك علاقة مباشرة بيت ظهور تلك الحالات وشدّة الجرعة الإشعاعية، فكلّما ارتفعت الجرعة زادت سرعة ظهور الكاتاراكت.

وتشير الدراسات التي أُجريت بشأن حالات الكاتاراكت الناجمة عن حادثة تشيرنوبيل إلى احتمال حدوث أشكال من العتامة جرّاء إشعاع لا تتجاوز جرعاته 250 ميليسيفرت. وتلك الاستنتاجات تدعمها دراسات أُجريت في الآونة الأخيرة على فئات أخرى تعرّضت لإشعاع مؤيّن (الناجون من القنبلتين الذرّيتين ورواد الفضاء والمرضى الذين خضعوا لتفريسة مقطعية محسوبة في الرأس).

الأمراض القلبية الوعائية

أشارت إحدى الدراسات المستفيضة التي أجراها الاتحاد الروسي على المصفين إلى زيادة خطر وفاة الأشخاص الذين تعرّضوا لجرعات إشعاعية عالية جرّاء إصابتهم بأمراض قلبية وعائية. ومع أنّ ذلك الاستنتاج يقتضي إجراء المزيد من الدراسات ومتابعة الحالات على فترات أطول، فإنّه يتساوق مع نتائج الدراسات الأخرى، مثل تلك التي أُجريت على مرض ممّن يُعالجون بالأشعة ويتعرّضون لجرعات في القلب أعلى بكثير من الجرعات التي تعرّض لها المصفون.

الصحة النفسية والآثار النفسانية

لقد تسبّبت حادثة تشيرنوبيل في ترحيل عدد كبير من السكان وفقدان الاستقرار الاقتصادي وظهور أخطار طويلة الأجل تتهدّد صحة الجيل الراهن، وربما صحة الأجيال المستقبلية أيضاً. كما أدّت تلك الحادثة إلى انتشار مشاعر الخوف والارتباك وتدهور العافية الجسدية والنفسية. وممّا زاد الطينة بلّة تفكّك الاتحاد السوفييتي بعد تلك الحادثة وما نجم عن ذلك من تدهور في مجال الرعاية الصحية. وما زال يُبلّغ عن إصابة الأشخاص المتضرّرين من الحادثة بحالات شديدة من الإرهاق والقلق والأعراض الجسدية التي تُجهل أسبابها الطبية.

وقد خلّفت الحادثة آثاراً كبيرة على صحة السكان النفسية وتوازنهم النفساني، وذلك على المستوى دون السريري بالدرجة الأولى. ولم تسفر تلك الآثار، عموماً، عن ظهور اضطرابات يمكن تشخيصها من الناحية الطبية. كما أدّى تصنيف السكان المتضرّرين "كضحايا" بدلاً من تصنيفهم "كناجين" إلى شعورهم بالعجز وعدم التحكّم في مصيرهم. وأسفر ذلك عن ظهور هواجس صحية مفرطة أو أشكال من اللامبالاة، مثل الإفراط في تعاطي الكحول والتبغ أو استهلاك الفطريات وثمار التوت وحيوانات الصيد الوافدة من المناطق التي لا تزال تُصنّف كمناطق ترتفع فيها مستويات السيزيوم المشع.

الآثار الإنجابية والوراثية وصحة الأطفال

لم يتبيّن، نظراً لتعرّض معظم الأشخاص المعنيين بحادثة تشيرنوبيل لجرعات إشعاعية منخفضة، وجود أي آثار على الخصوبة وعدد حالات الإملاص وعواقب الحمل الضائرة أو مضاعفات الولادة، ومن غير المتوقّع ظهور أي آثار من هذا القبيل. ويبدو أنّ الزيادة البسيطة والثابتة التي لوحظت في عدد التشوهات الخلقية المبلّغ عنها في المناطق الملوّثة وغير الملوّثة على حد سواء مردّها تحسّن عملية الإبلاغ وليس التعرّض للإشعاع.

الدور المنوط بمنظمة الصحة العالمية

يُعد التقرير الصادر عن فريق الخبراء من الإنجازات المحققة في إطار الجهود التي تبذلها منظمة الصحة العالمية من أجل الحدّ من الآثار الصحية الناجمة عن حادثة تشيرنوبيل. وستسعى المنظمة سعياً نشطاً من أجل الترويج للنتائج البحثية والتوصيات العملية الواردة في هذا التقرير. كما ستعمل المنظمة على ضمان تزويد أكثر الأشخاص تضرّراً من حادثة تشيرنوبيل بالمعلومات العلمية الصحيحة التي ستمكّنهم من اتخاذ قرارات عن سابق علم بشأن صحتهم ومستقبلهم.

لمزيد من المعلومات

تقرير فريق الخبراء التابع لمنظمة الصحة العالمية المعنون "الآثار الصحية الناجمة عن حادثة تشيرنوبيل وبرامج الرعاية الصحية الخاصة ذات الصلة": تقرير فريق الخبراء الصحي التابع لمنتدى تشرينوبيل الذي ترعاه الأمم المتحدة، المحرّرون: بروتون بينيت ومايكل ريباشولي وزانات كار، منظمة الصحة العالمية، جنيف، 2006. والتقرير متاح أيضاً على العنوان الإلكتروني التالي: www.who.int/ionizing_radiation.

لجنة الأمم المتحدة العلمية المعنية بآثار الإشعاع الذرّي (2000). تقرير عام 2000 المقدّم إلى الجمعية العامة بالملاحق العلمية. المجلّد الثاني: الآثار. الأمم المتحدة، نيويورك. والتقرير متاح أيضاً على الموقع الإلكتروني التالي: http://www.unscear.org/unscear/index.html

تقرير اللجنة المعنية بالآثار البيولوجية للإشعاع المؤيّن (BEIR VII) (2006): المخاطر الصحية الناجمة عن التعرّض لمستويات منخفضة من الإشعاع المؤيّن، المجلس الوطني للبحوث، أكاديمية الولايات المتحدة الأمريكية الوطنية للعلوم. دار الصحافة التابعة للأكاديمية الوطنية، واشنطن (http://www.nap.edu)

وسيتم أيضاً (اعتباراً من 24 نيسان/أبريل 2006) إتاحة ملخص عن الاستنتاجات الخاصة بالسرطان في مجلة الحماية الشعاعية (العواقب السرطانية لحادثة تشيرنوبيل: 20 عاماً بعد الحاثة. العدد 26 (2)، الصفحات 125- (المرجع الإلكتروني: 001/2/26/4746-0952/1088-10).


(1) يُقاس النشاط الإشعاعي الناجم عن النويدات المشعة (الذرّات غير المستقرة) بوحدة البيكريل، التي تساوي وحدة من تلاشي النويدات في الثانية، أمّا الكيلوبيكريل/م 2 فيساوي 1000 بيكريل من النويدات في المتر المربع. و استُخدمت المستويات الإشعاعية المشار إليها، أي 37 و 555 كيلوبيكريل/م 2 ، من قبل السلطات السوفييتية في ذلك الوقت لتصنيف درجة ترسّب النشاط الإشعاعي.

(2) يمثّل الميليسيفرت 1/1000 سيفرت

(3) سيتم، في 24 نيسان/أبريل 2006، نشر التقديرات الخاصة بعبء السرطان الذي تسبّبت فيه حادثة تشيرنوبيل في أوروبا في مجلة السرطان الدولية وفي الموقع الإلكتروني الخاص بالوكالة الدولية لبحوث السرطان: www.iarc.fr.

شارك