بيان المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية بشأن تأثير الأزمة المالية والاقتصادية العالمية على الصحة
إنّنا نواجه أزمة مالية حادة ذات أبعاد لم يسبق لها مثيل في عالم لم تشهد أطرافه من قبل تداخلاً وترابطاً وثيقاً بهذا الشكل. والجدير بالذكر أنّ الآثار باتت عالمية النطاق والأوضاع أصبحت متقلّبة. كما أنّ الأزمة المالية الراهنة تتحوّل الآن إلى أزمة اقتصادية تلقي بظلالها لتصبح أزمة اجتماعية في كثير من البلدان.
وتأتي هذه الأزمة في أوقات لم يسبق لها مثيل من حيث ارتفاع مستوى الالتزام بتحسين الصحة العمومية. فهي تأتي في سياق أكبر ما بُذل عبر التاريخ من جهود طموحة بغرض الحد من وطأة الفقر وتحقيق المزيد من التساوي والإنصاف في توزيع المنافع التي يكتسبها مجتمعنا الحديث، بما في ذلك المنافع المرتبطة بالصحة، في هذا العالم- المرامي الإنمائية للألفية.
وهناك جهود سابقة شُرع في بذلها في عام 1978 من أجل استخدام الصحة كوسيلة لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية وأعقبتها، بشكل فوري تقريباً، أزمة وقود تسبّبت في ارتفاع أسعار النفط، فضلاً عن أزمة المديونية التي ظهرت في مطلع الثمانينات. وقد ارتُكبت أخطاء في محاولة التصدي لهاتين الأزمتين عندما تم تحويل الميزانيات من الاستثمار في القطاعات الاجتماعية، ولاسيما الصحة والتعليم.
ولم يتضّح، حتى الآن، ما ستخلّفه الأزمة الراهنة من آثار على الاقتصادات المنخفضة الدخل والاقتصادات الناشئة، ولكنّ كثيراً من التنبؤّات تبدي نسبة عالية من التشاؤم. ذلك أنّ الضغوط المالية الناجمة عن الانكماش الاقتصادي الراهن قد تحمل البلدان الغنية على تخفيض الموارد التي تخصّصها للمساعدة الإنمائية الرسمية. غير أنّ الأسوأ من كل ذلك احتمال انخفاض الموارد التي تُخصّص للإنفاق الاجتماعي- الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي- والتي قد تضطر بلدان عديدة، ولاسيما البلدان المنخفضة الدخل، إلى الحد منها. وقد شهدنا، سابقاً، انتهاج كلا الأسلوبين في التصدي للأزمات. وكلاهما يمكنه، على غرار ما حدث في الماضي، إلحاق أضرار مدمّرة بالصحة والتنمية والأمن والازدهار.
وعليه فإنّ من الضروري استخلاص العبر من الأخطاء ومجابهة هذا التدهور الاقتصادي بزيادة الاستثمار في القطاعين الصحي والاجتماعي. وهناك أسباب قوية تبرّر اختيار هذا النهج.
أوّلاً، من أجل حماية الفقراء. ارتفاع أسعار الأغذية والوقود وانعدام الأمن الوظيفي من العوامل التي تؤدي إلى زيادة الفوارق خلال ظروف التدهور الاقتصادي. وفي ذلك السياق قد تشهد نفقات الرعاية الصحية- التي تتسبّب في الأوقات "الجيدة" في إملاق الناس ودفع أكثر من 100 مليون نسمة في دائرة الفقر كل عام- زيادة هائلة. ولا ريب في أنّ أكثر الفئات استضعافاً، أي الفئات الفقيرة والمهمّشة والأطفال والنساء والمعوقين والمسنين، هي التي ستعاني أكبر المعاناة جرّاء ذلك. لذا لا بدّ من التعجيل بتوفير شبكات أقوى في مجال السلامة الاجتماعية من أجل حماية أشدّ الفئات استضعافاً في البلدان الغنية والبلدان الفقيرة على حد سواء.
ثانياً، من أجل تشجيع الانتعاش الاقتصادي. الاستثمار في القطاعات الاجتماعية يمثّل استثماراً في رأس المال البشري. وضمان الصحة لرأس المال البشري هو أساس الإنتاجية الاقتصادية ويمكنه تسريع الانتعاش للمضي قدماً نحو الاستقرار الاقتصادي.
ثالثاً، تشجيع الاستقرار الاجتماعي. توزيع خدمات الرعاية الصحية بشكل منصف من العوامل الحاسمة التي تسهم في تحقيق التلاحم الاجتماعي. وذلك التلاحم هو أفضل وسيلة لتوقي القلاقل الاجتماعية على الصعيدين الوطني والدولي. والفئات السكانية التي تنعم بالصحة والاستقرار وتكتسب القدرة الإنتاجية تمثّل، دوماً، مورداً هاماً، وبخاصة في أوقات الأزمة.
رابعاً، من أجل استحداث الكفاءة. الدفع المسبق مع تجميع الموارد هو أفضل وسيلة لتمويل النفقات الصحية. وسداد الفرد، من جيبه، تكاليف الخدمات الصحية في الأماكن التي يتلقى فيها تلك الخدمات يمثّل أقلّ الوسائل كفاءة وأكثرها إملاقاً- فهي تدفع، فعلاً، الملايين من الناس تحت خط الفقر كل عام. والالتزام بضمان التغطية الشاملة لا يحمي الفقراء فحسب، بل هو يمثّل أيسر الوسائل تكلفة وأكثرها كفاءة لاستخدام الموارد المحدودة.
خامساً، من أجل بناء الأمن. العالم الذي فقد توازنه في المجال الصحي إلى حد كبير لا يمكنه ضمان لا الاستقرار ولا الأمن لسكانه. ومن الضروري توفير نُظم صحية قوية لصون القدرة على ترصد الأخطار الجائحة ومواجهتها. وقد أدّى نقص الاستثمار في النُظم الصحية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، في الثمانينات، إلى افتقار بلدان تلك المنطقة، بشدة، إلى موارد التأهّب اللازمة لمجابهة جائحة الأيدز والعدوى في فيروسه في العقد التالي.
ولا يجب علينا تكرار الأخطاء التي ارتكبناها في الماضي. ولا يمكننا، في هذه الأوقات التي تطبعها الأزمة، إهدار استثماراتنا والتخلّي عما نبذله من جهود من أجل تحقيق المزيد من التوازن في هذا العالم، وأنا مقتنعة كل الاقتناع بأنّ ذلك من المؤشرات على تحضّر المجتمعات. وأناشد جميع مسؤولي الحكومات والساسّة الاستمرار في بذل الجهود بغية تعزيز وتحسين أداء النُظم الصحية في بلدانهم وحماية صحة شعوب العالم، ولاسيما الشعوب المستضعفة، من تبعات الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة.