مركز وسائل الإعلام

رسالة الدكتورة مارغريت تشان، المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية، بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للأيدز

بيان
1 كانون الأول/ديسمبر 2008

هذا العام، الذي يوافق إحياء الذكرى العشرين لليوم العالمي للأيدز، يوافق أيضاً بلوغ مرحلة رئيسية على طريق الكفاح الطويل ضد هذا المرض. والجدير بالذكر أنّ المعالجة بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية التي تطيل الأعمار باتت متاحة الآن لأكثر من 3 ملايين نسمة في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل. وهذا الإنجاز لم يكن في الحسبان قبل 20 عاماً، عندما بدأ العالم يدرك معنى هذا المرض وما يخلّفه من آثار جسيمة على الأفراد والأسر والمجتمعات.

والمعروف أنّ الأيدز هو أكثر الأمراض وطأة من حيث طبيعته المعقدة والتحديات التي يطرحها، ولعلّه أشدّ ما واجهته البشرية من تلك الأمراض خطورة من حيث الدمار الذي يخلّفه. وقد واجهت البشرية فعلاً هذا المرض باتباع أساليب لم تعهد كذلك من قبل. ولمواجهة هذا المصاب انضمت عناصر الأسرة الدولية إلى بعضها البعض على مستويات عدة، من الحركات الشعبية إلى رؤساء الدول ومن المنظمات الدينية والمؤسسات الخيرية إلى مؤسسات البحث والأوساط الأكاديمية ودوائر الصناعة.

وإنّني أرى، في هذه الذكرى العشرين لليوم العالمي للأيدز، أنّه تجدر بلورة بعض من تلك الإنجازات. ذلك أنّ الاستجابة لمقتضيات الأيدز غيّرت وجه الصحة العمومية بشكل جذري وأتاحت خيارات جديدة لمعالجة العديد من المشكلات الصحية الأخرى. وتلك الاستجابة إنّما بيّنت قوة العزيمة على تذليل العقبات التي تبدو صعبة ويتعذر تجاوزها.

وقد تمكّنت تنظيمات المجتمع الدولي من وضع هذا المرض، واحتياجات المصابين به، في مقدمة المسائل التي تسترعي اهتمام العالم. ممّا أدى إلى تغيير السلوكيات واستحداث العلاجات وتيسير المخططات السريرية وتوحيدها وحشد الأموال وتخفيض الأسعار وإقامة الشراكات، وإطلاق خطط الطوارئ من قبل رؤساء الدول والحكومات.

كما أعادت الاستجابة لمقتضيات الأيدز تأكيد بعض أهمّ قيم الصحة العمومية ومبادئها. فقد أظهر الأيدز، بشكل دامغ، مدى أهمية الإنصاف وحصول الجميع على خدمات الرعاية. ومع قدوم المعالجة بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية أصبحت القدرة على الحصول على الأدوية والخدمات تضاهي، بالنسبة لملايين الناس، القدرة على البقاء على قيد الحياة. كما أدّى وباء الأيدز إلى تركيز الاهتمام على المحدّدات الاجتماعية للصحة الواسعة النطاق ودور الوقاية الحيوي والحاجة إلى رعاية تركّز على الأشخاص. وبذلك ساعدت تلك الاستجابة على تمهيد الطريق لتجديد الرعاية الصحية الأولية.

وهذه الإنجازات تبيّن قوة العزيمة والتضامن العالمي، ولكنّها تذكّرنا أيضاً بالتحديات الماثلة أمامنا. وأعتقد أن الشعار الذي اختير هذا العام لإحياء اليوم العام للأيدز يعكس تلك التحديات بشكل جيد.

ولا بد من تشكيل القيادات لضمان ثبوت اليقظة والاحتراس في الاستجابة لمقتضيات هذا الوباء. كما لا بد، على الرغم من الأزمة المالية العالمية، من الاستمرار في ضمان تمويل كبير بشكل مستدام يمكن توقعه. ويجب علينا ضمان وصول خدمات العلاج، التي تُتاح حالياً بشكل غير مسبوق، إلى عدد أكبر من الناس وضمان استدامتها بشكل تام. ذلك أنّ تراجع وتيرة توفير تلك الخدمات أو تباطئها من الخيارات التي لا يمكن قبولها لأسباب أخلاقية وإنسانية.

والتمكين هو من الأمور الحاسمة الأهمية حتى تكون الاستجابة فعالة وهو كذلك بالأخص بالنسبة إلى الوقاية. ويجب علينا أن نبذل ما في وسعنا لتمكين الفتيات المراهقات والنساء حتى يحمين أنفسهن ويكنّ أدوات تُستخدم لإحداث التغيير المنشود. ويجب علينا أن نعمل بمزيد من الجدّ لمحاربة الوصم والتمييز وهما من العقبات الضخمة التي تحول دون كل أشكال الوقاية والعلاج والرعاية والدعم. ذلك أنّ الحواجز القانونية والاجتماعية والثقافية في الكثير من البلدان تقف سدّاً منيعاً يحول دون حصول الفئات المختطرة على الخدمات والمعارف اللازمة للحدّ من السلوكيات المؤذية.

وأخيراً علينا أن نؤدي مهمّتنا على أتم الوجوه. فمواطن الضعف التي تشكو منها النُظم الصحية في العديد من البلدان تحدّ من القدرة على تزويد الفئات التي هي في مسيس الحاجة إلى الخدمات المضمونة الاستمرار. وإنّني لأعتقد أنّ هناك الآن فرصة تاريخية متاحة أمامنا لمواءمة جدول الأعمال المتعلّق بمواجهة الأيدز مع جدول الأعمال الخاص بتعزيز النُظم الصحية. وكما جاء في التقرير الخاص بالصحة في العالم هذا العام فإنّ الرعاية الصحية الأوّلية تظلّ أفضل طريقة لتفعيل الالتزام بتوفير الإنصاف والعدالة الاجتماعية والتركيز على الوقاية والوصول إلى الفئات المُهمّشة. وهذه القيم والمبادئ هي الأساس ذاته الذي تقوم عليه مواجهة الأيدز في المستقبل.

ودعونا، في مناسبة هذا اليوم العالمي للأيدز، نضاعف من عزمنا من أجل التأسيس على النجاحات الماضية. ونرصّ صفوفنا لمواجهة العقبات المتبقية بروح من التكافل ولصون الكرامة الإنسانية.

شارك