المبادرة العالمية للسلامة اللقاحات

تقييم عليّة الأحداث غير المرغوبة التي تعقب عملية التطعيم

آذار/ مارس 2001، السنة السادسة والسبعون العدد 12، 2001

لقد تم، منذ أن شُرع في التلقيح، التسليم باحتمال حصول أحداث غير مرغوبة عقب هذه العملية. وتواتر هذه الأحداث متصل بشكل مباشر بعدد جرعات اللقاح التي تُعطى. ويمكن أن تكون هذه الأحداث مرتبطة ارتباطاً سببياً بخصائص اللقاح الكامنة، كما يمكن عزو هذه الأحداث إلى أخطاء تُرتكب على مستوى الإدارات أو في مجالات جودة اللقاحات وتخزينها ونقلها (أخطاء برنامجية)، ولكن يجب التسليم بأنه عندما يتم تطعيم عدد كبير من الناس، فإن بعض الأحداث الخطيرة، التي نادراً ما تحدث سواءً مع التلقيح أو دونه، ستُشاهد بالصدفة بعد عملية التطعيم. وبالتالي، فإن بحث عليّة هذه الأحداث، وبصفة خاصة فيما يتعلق بأكبرها خطراً، عملية لا تخلو من مشكلات.

وأكثر الطرق وضوحاً وموثوقية لتحديد ما إذا كان حادث غير مرغوب ما مرتبط ارتباطاً سببياً بعملية التطعيم تكون عن طريق مقارنة معدل حصول هذا الحادث لدى مجموعة طُعمّت وأخرى لم تطعم، وذلك في إطار تجربة سريرية تستخدم عينات عشوائية. بيد أن تجارب من هذا القبيل لا يمكنها أبداً أن تكون ذات نطاق واسع يكفي لتقييم الأحداث النادرة جداً، كما يلزم وضع نُظم للترصد عقب عملية التسويق بغية تحديد الأحداث التي قد تكون مرتبطة بالتطعيم. وتتحسن تدريجياً الإمكانات المتعلقة بالترصد عقب عملية التسويق؛ ويوجد الآن عدد أكبر من البلدان التي لديها نُظم لرصد هذا النوع من الأحداث كما يتم إيلاء أكبر قدر من الأهمية لعملية الإبلاغ عن العلاقات المشتبه فيها بين التطعيم والأحداث غير المرغوبة. وقد أحرزت هذه النُظم نجاحاً في كشف النقاب عن بعض الأحداث غير المرغوبة الخطيرة وذلك بعد أن تم تسويق اللقاحات. وآخر الأمثلة على ذلك يتمثل في حدوث انغماد في الأمعاء عقب إعطاء لقاح ضد روتافيروس أعيد تكييفه ويحتوي على روتافيروس قرد الريص.

وعمليات تقييم ما إذا كان لقاح ما يتسبب في رد فعل غير مرغوب معيّن تتراوح من المشاهدة العادية إلى الدراسة التي تخضع لمراقبة دقيقة. وغالبية الأفراد غير مدرّبين على تفسير هذه الدراسات ومن المحتمل أنهم غير قادرين أيضاً على استيعاب الاختلاف الكبير في الدلالة بين هاتين العمليتين الحدّيتين. غير أن الجمهور عادة ما يتخذ موقفاً إزاء مأمونية اللقاحات استناداً إلى المعلومات المتاحة له - ويكون ذلك غالباً عن طريق تقرير يستند إلى عمليات مراقبة أو تحاليل غير علمية لا تحتمل التدقيق الذي يفرضه الاستقصاء العلمي.

ولقد أسفرت بعض التقارير بشأن الأحداث غير المرغوبة بعد عملية التطعيم، والتي تم نشرها في الكتابات الطبية في السنوات القليلة الماضية، عن تضارب في الآراء. وعلى العموم لم تتمكّن الدراسات التي تستند إليها هذه التقارير، حتى وإن كانت تستحدث فرضيات مُحفّزة، من التقيّد بالمعايير اللازمة التي تمكّن من الخلوص إلى استنتاجات بشأن مأمونية اللقاحات بدرجة ما من اليقين. ومع ذلك، فقد كان لهذه التقارير تأثير كبير على النقاش العام وعلى الرأي الذي ينحاز إليه الجمهور. وعندما يصل النقاش إلى الأوساط السياسية ويؤثر في عملية رسم السياسات وفي تقبّل الجمهور لأحد اللقاحات عن طريق مقارنة المنافع المعروفة لهذا اللقاح بمخاطره المحتملة وغير المؤكدة، من البديهي أن يصبح تقييم مسألة العليّة على نحو صحيح أمراً أساسياً.

وإخضاع دراسة من الدراسات لقواعد النهج العملي بدلاً من إخضاعها لرأي مستنير جزئياً عملية جوهرية لتحديد ما إذا كان لقاح من اللقاحات يتسبب في رد فعل معيّن. وإذا تم الاضطلاع بهذه الدراسة بدون عناية أو بدون دقة علمية فإن نتائجها ستكون، في أحسن الأحوال، غير مقنعة وقد ينجم عنها سحب لقاح قيّم بدون مبرّر أو إنها قد تؤدي، في أسوأ الأحوال، إلى تعرض مجموعة من الناس للقاح خطر.

وفي عام 1999، بدأت منظمة الصحة العالمية في تنفيذ المشروع الهام الرامي إلى ضمان مأمونية عملية التمنيع قصد إنشاء نظام شامل يهدف إلى ضمان مأمونية جميع اللقاحات التي تُعطى في إطار برامج التمنيع الوطنية. وتمثّل عملية وضع آليات ترمي إلى التصدي بسرعة وفعالية للهواجس المتعلقة بمأمونية اللقاحات أحد الجوانب المهمة في هذا المشروع. وفي إطار هذا الجهد، أنشأت المنظمة اللجنة العالمية المعنية بمأمونية اللقاحات في أيلول/ سبتمبر 1999. وتتمثل مهمة هذه اللجنة في تمكين المنظمة من الاستجابة بسرعة وفعالية ودقة علمية للقضايا المتعلقة بمأمونية اللقاحات، التي قد تكون ذات أهمية بالنسبة إلى العالم بأسره.

وعلى أساس العمل الأساسي بشأن تحديد العلية الذي اضطلعت به اللجنة الاستشارية التابعة لمكتب رئيس إدارة الصحة العمومية والمعنية بمسألة التدخين والصحة (1964)، تستخدم اللجنة الاستشارية العالمية المعنية بمأمونية اللقاحات المعايير المعمول بها عموماً في تقييم عليّة الأحداث غير المرغوبة المعزوة إلى اللقاحات؛ ويمكن أن تُلّخص هذه المعايير فيما يلي:

  • تساوق النتائج. ينبغي أن يكون الارتباط بين حادث غير مرغوب مزعوم وبين عملية إعطاء اللقاح ارتباطاً متسقاً، ويعني ذلك أن النتائج يجب أن تكون قابلة للتكرار في أماكن مختلفة، ومن قبل محققين مختلفين لا يؤثر أحدهم على الآخر بصورة مفرطة، وبطرائق استقصاء تؤدي جميعها إلى الاستنتاجات نفسها.
  • قوة الارتباط. ينبغي أن يكون الارتباط قوياً فيما يخص حجمه (بالمعنى الوبائي) وفيما يخص الصلة بين جرعة اللقاح والأحداث غير المرغوبة.
  • الطبيعة الخاصة. ينبغي أن يكون الارتباط مميّزاً - يجب أن يكون الحادث غير المرغوب مرتبطاً بشكل فريد أو خاص باللقاح المعني، ولا يجب أن يكون مجرد حادث يحصل بصورة متكررة أو تلقائية أو اعتيادية جراء محفّزات أو ظروف خارجية.
  • الصلة الزمنية. ينبغي أن تكون هناك صلة زمنية واضحة بين اللقاح والحادث غير المرغوب، بما يعني أن اللقاح يجب أن يسبق أول ظهور للحادث أو يتسبب في تدهور واضح لحالة مرض قائمة بالفعل. فإن حدوث رد فعل في مجال التأقي، على سبيل المثال، في غضون لحظات أو دقائق عقب عملية التطعيم يوحي بقوة بوجود علاقة سببية؛ أما حدوثه بعد مرور أسابيع على عملية التطعيم، فإنه ينقص من احتمال وجود تلك العلاقة.
  • الاحتمالية البيولوجية. ينبغي أن يكون الارتباط معقولاً، ويعني ذلك أنه يجب أن يكون محتملاً وقابلاً للتفسير من الناحية البيولوجية في ضوء وقائع معروفة في التاريخ الطبيعي للمرض وبيولوجيته. ومن البديهي أنه لا يجب أن تكون كل هذه المعايير مستوفاة، كما أنه ليس لكل منها وزن مماثل لتحديد العلاقة السببية بين الحادث غير المرغوب واللقاح. وإضافة إلى المبادئ العامة المذكورة أعلاه، هناك عدد من الشروط أو الاعتبارات التي يجب استيفاؤها لتحديد العلاقة السببية في المجال الخاص الذي تشكله مأمونية اللقاحات، وهي كالتالي:

الاحتمالية البيولوجية. ينبغي أن يكون الارتباط معقولاً، ويعني ذلك أنه يجب أن يكون محتملاً وقابلاً للتفسير من الناحية البيولوجية في ضوء وقائع معروفة في التاريخ الطبيعي للمرض وبيولوجيته. ومن البديهي أنه لا يجب أن تكون كل هذه المعايير مستوفاة، كما أنه ليس لكل منها وزن مماثل لتحديد العلاقة السببية بين الحادث غير المرغوب واللقاح. وإضافة إلى المبادئ العامة المذكورة أعلاه، هناك عدد من الشروط أو الاعتبارات التي يجب استيفاؤها لتحديد العلاقة السببية في المجال الخاص الذي تشكله مأمونية اللقاحات، وهي كالتالي:

  • لا يجب أن يؤثر شرط الاحتمالية البيولوجية سلباً وبإفراط على افتراض وجود علاقة سببية. فإن معيار الاحتمالية البيولوجية أقل شأناً من المعايير الأخرى المذكورة. وفي حال لم يتساوق حادث غير مرغوب ما مع وقائع معروفة ومع الفكرة المسبقة المكونة عن الحادث أو اللقاح موضع البحث، فإن الواضح أن ذلك لا يستتبع بالضرورة عدم احتمال ظهور أحداث جديدة أو غير متوقعة حتى الآن. لذا، فإن "الاحتمالية البيولوجية" مبدأ نافع إذا كان إيجابياً، ولكنه يصبح أقل نفعاً عندما يتخذ اتجاهاً سلبياً.
  • النظر فيما إذا كان للقاح مفعول محفّز (والعامل المحفّز في هذا السياق يعني عاملاً يتسبب في حادث كان سيحصل بعد ذلك لا محالة)، وعندما يكون للقاح مفعول محفّز، فإنه قد يتسبب في إبراز حالة أو إصابة كانت ساكنة أو كانت موجودة من قبل. ومن الأمثلة على ذلك احتمال أن يتسبب التنشيط المناعي للقاح، بصورة غير نوعية، في إصابة ذاتية المناعة.
  • إذا أمكن، في حالة اللقاحات الحيّة الموهنة، عزو الحادث غير المرغوب إلى إمراضية الكائن المجهري الموهن المستخدم لإنتاج اللقاح وعدم تمييزها بالتالي (ربما باستثناء حدّتها) عن المرض الذي يجري إعطاء اللقاح ضده، فإن احتمال وجود علاقة سببية يكون أقوى. وعملية تحديد الكائن اللقاحي في الأنسجة المريضة و/ أو في سوائل جسم المريض من شأنها، في هذه الحالة، أن تؤكد احتمال وجود علاقة سببية. وتوجد استثناءات فيما يخص النقطتين المذكورتين آنفاً.

ويمكن أن يُعتبر الارتباط بين عملية إعطاء اللقاح والحادث غير المرغوب ارتباطاً قوياً عندما تكون الأدلة قائمة على ما يلي:

  • دراسات أُجريت بصورة جيّدة تثبت بشكل جليّ وجود علاقة، ويجب أن يُصمّم هيكل هذه الدراسات منذ البداية من أجل التحقق من فرضية وجود علاقة من هذا القبيل. وتكون هذه الدراسات عادة من الأنواع التالية، وهي بالترتيب التنازلي فيما يخص احتمال بلوغها الغاية المنشودة: تجارب سريرية موجهة تستخدم عيّنات عشوائية، ودراسات فوجية، ودراسات إفرادية مقارِنة، وعمليات موجهة تهدف إلى تحليل مجموعات حالات. والتقارير عن الحالات، مهما كانت عديدة ومستوفاة، فإنها لا تستوفي الشروط للتحقق من الفرضيات، مع أنه يمكنها أحياناً أن تكون مقنعة إذا وُجدت علامات بيولوجية واضحة تؤكد هذه العلاقة، كما هو الحال بالنسبة لشلل الأطفال المرتبط باللقاح.
  • ارتباط تم إثباته في أكثر من دراسة بشرية واحدة واتضح تساوقه مع نتائج الدراسات الأخرى ويجب أن يتم الاضطلاع بهذه الدراسات على نحو جيّد، ومن قبل محققين مختلفين، وعلى فئات مختلفة من الناس، كما يجب أن تكون النتائج متسقة رغم الهياكل التصميمية المختلفة لهذه الدراسات. والعلاقة التي تثبتها هذه الدراسات بين الجرعة والحادث غير المرغوب المزعوم (سواءً تعلق الأمر بالجرعة أو عدد الجرعات المُعطاة أو كليهما) من شأنه، في كثير من الحالات، أن يعزز فكرة وجود علاقة سببية بين اللقاح والحادث غير المرغوب. وليس الحال هكذا دائماً، خصوصاً إذا كانت هناك صلة مناعية.
  • تشابه كبير بين الحادث غير المرغوب والعدوى التي يرمي اللقاح إلى الوقاية منها، وذلك مع وجود صلة زمنية غير عشوائية بين عملية إعطاء اللقاح والحادث غير المرغوب.

ومن المهم أن يتم وضع تعريف للحادث غير المرغوب باستخدام مصطلحات سريرية ومرضية وبيوكيميائية كلما كان ذلك ممكناً. ويجب أن يكون تواتر الحادث غير المرغوب لدى الأشخاص الذين لم يُطعموا مختلفاً كثيراً عن تواترها لدى الأشخاص المطعمين والذين شوهدت لديهم هذا الحادث، كما ينبغي ألا تكون هناك أسباب واضحة أخرى لا صلة لها بالتمنيع يمكنها أن تفسّر ظهور هذا الحادث.

ويمكن أن ينجم حادث غير مرغوب عن مفعول المساعد أو السواغ وليس نتيجة تأثير العامل الفعال للقاح. ويمكن، في هذه الحالة، أن يتسبب ذلك في تشويش عملية تحديد الطبيعة الخاصة للعلاقة بين اللقاح والحادث غير المرغوب. ويجب، قدر الإمكان، أن تتم تسوية القضايا المتعلقة بالمأمونية قبل عملية التسويق، وذلك عن طريق إجراء دراسات سريرية موجهة تركّز على قضايا المأمونية والرصد؛ مع العلم أن هذه العملية قد يصعب إنجازها في حالة الأحداث النادرة جداً وغير المتوقعة لأنه يجب استخدام عيّنات كبيرة جداً للتمكن من الكشف عنها.

وعندما تكون أحداث غير مرغوبة منسوبة إلى أحد اللقاحات، فإن من المهم تحديد ما إذا كانت هناك فئة من الأشخاص (حسب العمر، والصنف الذي ينتمي له هؤلاء الأشخاص، ونظراً لعوامل وراثية ومناعية وبيئية وعرقية واجتماعية، أو بسبب أمراض ساكنة) ممن لديهم استعداد لإظهار تفاعل معيّن. وأفضل طريقة لتحديد هذا الاستعداد تكون ضمن دراسات إفرادية مقارِنة.

وينبغي أن يتم، دوماً وبشكل منهجي، الاضطلاع بجهود بغية استبعاد الأخطاء البرنامجية المضلِلة فضلاً عن التغيرات والانحرافات التي تحدث أثناء عملية تصنيع اللقاح. وأحسن وسيلة للكشف عن هذه المشكلات المتعلقة بالنوعية تكون بتدقيق النظر في الطريقة التي يتم بها تنظيم الانتاج واختبار وجبات اللقاحات.

ونظراً لكون الدراسات القائمة على المراقبة لا تستخدم عيّنات عشوائية ونظراً لكون المرضى أقل حظاً في الخضوع للتمنيع (بل إنهم معرضون بشكل أكبر لخطر الإصابة بحادث غير مرغوب)، فإن الدراسات الوبائية بشأن مأمونية اللقاحات يجب أن تراعي النواهي مراعاة خاصة بوصفها عوامل تضليل محتملة. وقد ينجم عن هذا النوع من الانحراف دراسات سلبية خاطئة.

تقرير من إعداد اللجنة العالمية المعنية بمأمونية اللقاحات.

انظر العدد 41، 1999، الصفحات من 337 إلى 340 (من النص الإنكليزي).

وزارة الصحة التابعة للولايات المتحدة الأمريكية، التعليم والرعاية الاجتماعية، المنشور رقم 1103 لإدارة الصحة العمومية.

معلومات الاتصال بنا:
اللجنة الاستشارية العالمية المعنية بمأمونيـة اللقاحات
World Health Organization
20 Avenue Appia
1211 Geneva 27
Switzerland