مركز وسائل الإعلام

داء قرحة بورولي

(العدوى الناجمة عن المتفطّرة المقرّحة)

صحيفة وقائع رقم 199
تم تنقيحها في آذار/مارس 2007

يُعد داء قرحة بورولي، وهو مرض ناجم عن الإصابة بعدوى المتفطّرة المقرّحة، من أكثر أمراض المناطق المدارية إهمالاً، غير أنّ علاجه من الأمور الممكنة. وينتمي الكائن المسبّب لقرحة بورولي إلى فصيلة الجراثيم التي تسبّب السلّ والجذام، ولكنّ ذلك المرض حظي بأقلّ قدر من الاهتمام مقارنة بهاذين المرضين. وتؤدي العدوى إلى إتلاف البشرة والنسيج الرخو بصورة شاملة وظهور تقرّحات كبيرة على الساقين والذراعين في غالب الأحيان. وكثيراً ما يعاني الأشخاص الذين لا يُقدّم لهم العلاج في مراحل المرض المبكّرة من عجز وظيفي طويل الأجل، مثل تقيّد حركة المفاصل وتعرّض المظهر الخارجي لمشاكل جليّة. ومن الأمور الأساسية لتوقّي ذلك العجز تشخيص المرض وعلاجه في مراحل مبكّرة.

وتم الإبلاغ عن حالات قرحة بورولي في أكثر من 30 بلداً يسودها، أساساً، طقس مداري أو شبه مداري، غير أنّه قد تحدث حالات أيضاً في بعض البلدان التي لم يُكتشف فيها المرض بعد. ويسهم نقص المعارف الخاصة بالمرض، فضلاً عن توزيعه البؤري ونزوعه إلى إصابة المجتمعات الريفية الفقيرة بالدرجة الأولى، في تقليص عدد الحالات المُبلّغ عنها. ويجري الآن إحراز تقدم مطّرد نحو تطوير أدوات لتشخيص المرض وفهم كيفية انتقال العدوى فهماً دقيقاً واستحداث وسائل العلاج والوقاية، ممّا يفتح آفاقاً جديدة في مجال تحسين مكافحة المرض.

نبذة تاريخية

في عام 1897، وصف السيد ألبيرت كوك، وهو طبيب بريطاني كان يعمل في مستشفى مينغو الكائن في كامبالا بأوغندا، حالات من التقرّحات الجلدية المتساوقة مع داء قرحة بورولي. وفي عام 1948، قدم الأستاذ بيتر ماكالوم وزملاؤه، في أستراليا، وصفاً تفصيلياً للمرض بالاستناد إلى ست حالات وقعت في منطقة بيرنسديل قرب مدينة ميلبورن. وكان الأستاذ ماكالوم وزملاؤه أوّل فريق علمي يتمكّن من عزل الكائن المسبّب للمرض، أي المتفطّرة المقرّحة. ولا يزال يُشار إلى المرض، في جنوب أستراليا، بمصطلح قرحة بيرنسديل. وفي الستينات، وقعت حالات كثيرة في إقليم بورولي في أوغندا (الذي يُدعى حالياً منطقة ناكاسونغالا)، وأصبح اسم ذلك الإقليم أكثر أسماء المرض شيوعاً- قرحة بورولي. ومنذ عام 1980، ظهر المرض بسرعة في عدة مناطق من العالم، وبخاصة في غرب أفريقيا، ممّا حمل منظمة الصحة العالمية على اتخاذ إجراءات عاجلة في عام 1998. ونظراً لاتّساع رقعة المرض الجغرافية وآثاره الوخيمة وقلّة المعارف الخاصة به اعتمدت جمعية الصحة العالمية، في عام 2004، قراراً (1) من أجل تحسين ترصده ومكافحته والتعجيل بإجراء البحوث اللازمة من أجل استحداث أدوات تمكّن من مكافحته بطريقة أفضل.

العوامل المسبّبة للمرض

المتفطّرة المقرّحة متفطّرة بيئية. وتشير المعلومات الأخيرة إلى أنّ هذا الكائن لا يعيش بشكل مستقل في البيئة، كما كان يُعتقد من قبل، بل من المرجّح أنّه يحتلّ عشاًّ معيّناً من أعشاش الكائنات المائية (مثل الحيوانات المائية الصغيرة أو الأفلام الحيوية) ينتقل منه إلى البشر عبر آليات غير معروفة. وعلى الرغم من بطء نمو المتفطّرة المقرّحة يمكن زرعها انطلاقاً من التقرّحات البشرية في مستنبتات مخصّصة للمتفطّرات، شريطة الإبقاء على حرارة الحضانة بين 29 و33 درجة سلسيوس (أقل من حرارة الحضانة الخاصة بالمتفطّرة السلّية). وهناك بعض التنوع بين سلالات المتفطّرة المقرّحة المنتمية إلى مناطق جغرافية مختلفة (أفريقيا وأمريكا وآسيا وأستراليا)، بيد أنّه لم يثبت وجود علاقة بين مختلف السلالات وفوعة المرض لدى الإنسان. وتصدر المتفطّرة المقرّحة مادة سامة فتاكة تُدعى الميكولاكتون، وهي مادة تلحق أضرارً بالأنسجة وتتسبّب في كبت الاستجابة المناعية. وتُفسّر فوعة المتفطّرة، في مجملها، بالآثار السامة التي تخلّفها تلك المادة.

انتقال المرض

لا يزال نمط الانتقال الحقيقي قيد التحري. ويفيد بعض المرضى بأنّ الآفات التي أُصيبوا بها ظهرت في موضع تعرّضوا فيه لرضوح من قبل. وتشير البحوث إلى أنّ بعض الحشرات المائية الأفريقية التي تنتمي إلى صنف نصفيات الجناح (فصيلتا بقّ المياه الزاحف وبقّ المياه العملاق) قادرة على احتواء المتفطّرة المقرّحة في غددها اللعابية ونقل المرض إلى حيوانات المختبرات. وتشير معطيات أحدث عهداً وردت من أستراليا إلى اكتشاف الحمض الريبي النووي المنزوع الأكسجين للمتفطّرة المقرّحة لدى بعوض المستنقعات الملحية، على الرغم من عدم ثبوت انتقال المرض من خلال هذا الصنف من البعوض. ويجري الاضطلاع بمزيد من البحوث لتحديد الدور الحقيقي الذي تؤديه الحشرات وغيرها من العوامل في نقل المرض إلى البشر. وإذ تبيّن أنّ الحشرات تلعب دوراً في انتقال المرض فسكون جاء قرحة بورولي المرض المتفطّري الوحيد الذي ينتقل عن طريق الحشرات.

وبائيات المرض

يحدث داء قرحة بورولي، عادة قرب الكتل المائية- الأنهار البطيئة الجريان والبرك والمستنقعات والبحيرات؛ وقد سُجّل أيضاً حدوث حالات من المرض في أعقاب الفيضانات. ومن عوامل الاختطار المسبّبة للمرض الأنشطة التي يُضطلع بها قرب الكتل المائية، مثل الأنشطة الزراعية. ويبدو أنّ ارتداء الألبسة الوقائية يسهم في الحد من مخاطر الإصابة بالمرض. وما زال الغموض يكتنف الأسباب الكامنة وراء انتشار داء قرحة بورولي بشكل متزايد. فقد بات المرض يصيب جميع الفئات العمرية، ولكن تبقى أشدّها تعرّضاً فئة الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 15 عاماً. وليس هناك، بشكل عام، أيّ اختلاف بين الذكور والإناث فيما يخص معدلات الإصابة بالعدوى. ويمكن أن يصيب المرض أيّ عضو من أعضاء الجسم، غير أنّ الآفات تطال الأطراف في نحو 90% من الحالات، كما أنّ 60% من مجموع الآفات تصيب الأطراف السفلية. ولا توجد، على عكس السل، أيّة بيّنات تشير إلى أنّ الإصابة بفيروس العوز المناعي تؤهّب الأفراد للإصابة بداء قرحة بورولي. كما لا توجد أيّة بيّنات تثبت أنّ للمرض القدرة على الانتقال بين البشر. والجدير بالذكر أنّ هناك بعض التباين الموسمي الطفيف فيما يخص وقوع المرض.

انتشار المرض

تم الإبلاغ عن حدوث حالات من داء قرحة بورولي في 30 بلداً من بلدان أفريقيا والأمريكتين وآسيا وغرب المحيط الهادئ، وبخاصة في المناطق المدارية وشبه المدارية من تلك البلدان. وسُجّل، في كوت ديفوار، حدوث نحو 000 24 حالة في الحقبة الممتدة بين عامي 1978 و2006. وسُجّل، في بنن، حدوث نحو 7000 حالة في الحقبة الممتدة بين عامي 1989 و2006؛ كما سُجّل، في غانا، حدوث أكثر من 000 11 حالة منذ عام 1993. وتم الإبلاغ، في الأعوام الأخيرة في أستراليا، عن حدوث حالات من المرض بأعداد أكبر ممّا سُجل في الماضي- 25 حالة في عام 2004، و47 حالة في عام 2005 و72 حالة في عام 2006. وقد سُجّلت معظم تلك الحالات في ولاية فيكتوريا ومدينة بونت لونسنديل. ويزداد الإبلاغ عن حدوث حالات من المرض في الكاميرون والكونغو وغابون والسودان وتوغو وأوغندا. وبعد مرور 30 عاماً لم يصدر خلالها أيّ تقرير رسمي في هذا الشأن أكّدت دراسة تقييمية أُجريت في جنوب شرق نيجيريا في تشرين الثاني/نوفمبر 2006 حدوث بعض الحالات من داء قرحة بورولي. وتم الإبلاغ عن حدوث بعض الحالات في الصين، ولكنّ حجم المرض لا يزال مجهولاً. وتشير التقارير الصادرة مؤخراً، لأوّل مرة، إلى احتمال أنّ المرض بات يتوطن البرازيل في المناطق الحدودية مع غويانا الفرنسية. وقد لا تمثّل تلك الأرقام إلاّ علامة عن وجود المرض، ولكنّها لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة.

ولا بد من إجراء بحوث واسعة لتحديد حجم انتشار المرض وعبئه بشكل دقيق، وذلك لعدة أسباب منها:

  • عدم كفاية المعارف الخاصة بالمرض لدى العاملين الصحيين وعامة الناس على حد سواء، ممّا يؤدي إلى عدم الإبلاغ عن كثير من الحالات؛
  • وجود أكثر الفئات تعرّضاً للمرض في مناطق ريفية نائية تفتقر إلى النُظم الصحية؛
  • تنوّع سمات المرض السريرية، ممّا يؤدي إلى تضليل عملية تشخيص المرض والخلط بين أعراضه وأعراض أمراض وتقرّحات جلدية مدارية أخرى؛
  • كون المرض من الأمراض التي لا يُعد الإبلاغ عنها أمراً إلزامياً في كثير من البلدان.

ويصعب، لتلك الأسباب ولأسباب أخرى، تحديد العدد الحقيقي للمصابين بالمرض وحجم المناطق التي بات المرض يتوطنها، ومواقع تلك المناطق على خريطة العالم. لذا يجب توخي اليقظة لدى ترصد الأوضاع في كل من البلدان التي يتوطنها المرض والدول التي لم تبلّغ عن حدوث حالات منه ولكن لها حدود مع تلك البلدان. وهناك احتمال بأن يتوطن المرض بلداناً مدارية وشبه مدارية أخرى، وعليه فإنّ من الأهمية بمكان ترصد الأوضاع فيها بتيقظ. وقد تظهر أعراض المرض، في بعض الأحيان، لدى المسافرين العائدين من مناطق يتوطنها المرض إلى أمريكا الشمالية أو أوروبا، ممّا قد يطرح مشاكل تشخيصية كبيرة بالنسبة للأطباء غير المعتادين على هذا المرض.

العلامات والأعراض

يبدأ داء قرحة بورولي، في كثير من الأحيان، بظهور تورّم متحرك غير مؤلم في الجلد يُسمّى "عقيدة". ويمكن أن يظهر المرض في شكل مساحة متصلّبة كبيرة أو تورّم منتشر على طول الساقين والذراعين. وقد تبيّن وجود تطابق بين سلالات المتفطّرة المقرّحة المعزولة من حالات سريرة مختلفة في منطقة جغرافية معيّنة، ممّا يوحي باحتمال تأدية العوامل المضيفة دوراً هاماً في تحديد مختلف السمات السريرية. ونظراً لقدرة مادة الميكولاكتون على كبت المناعة موضعياً، أو ربّما نتيجة عوامل أخرى مجهولة، يتطوّر المرض دون ظهور ألم أو حمى، ممّا يفسّر، جزئياً، سبب عدم إسراع المصابين بالتماس العلاج في غالب الأحيان. غير أنّ الامتناع عن التماس العلاج يؤدي إلى ظهور تقرّحات كبيرة تميّزها حوافها الهشّة المعروفة. وقد تُصاب العظام في بعض الأحيان، ممّا يفضي إلى حدوث تشوّهات بالغة. وقد تتسبّب التندّبات، عندما تبرأ الآفات، في تقييد حركة الأطراف وظهور حالات عجز مستديمة أخرى لدى ربع المرضى تقريباً. ومن الحالات المرضية الأخرى التي تشبه أعراضها أعراض داء قرحة بورولي ما يلي: القرحات الآكلة المدارية، التي غالباً ما يُشار إليها باسم القرحات المدارية؛ وداء الليشمانيات، وبخاصة في أمريكا الجنوبية؛ وعقيدات داء كلابية الذنب؛ وأنواع العدوى الفطرية التي تصيب الجلد.

تشخيص المرض

يتم، في كثير من الأحيان، تشخيص داء قرحة بورولي وعلاجه بالاستناد، أساساً، إلى الاستنتاجات السريرية التي يخلص إليها العاملون الصحيون في المناطق التي يتوطنها المرض. وقلّما تُستخدم التشخيصات المختبرية لاتخاذ قرارات علاجية، وذلك نظراً للصعوبات اللوجيستية والتشغيلية المرتبطة بها. غير أنّه يمكن استخدام التشخيصات المختبرية لتأكيد التشخيص السريري بشكل استعادي على مسحات وخزعات نسيجية تُجمع أثناء العلاج، غير أنّ تلك العملية لا تزال من الإجراءات النادرة.

ويتم استخدام أربعة أساليب مختبرية توكيدية، هي كالتالي:

  • فحص اللطاخة بشكل مباشر: وهو فحص يُجرى على مسحات القرحات أو لطاخات الخزعات النسيجية التي يمكن الاضطلاع بها على وجه السرعة في المرافق الصحية المحلية التي تتيح خدمات الفحص المجهري للسل. غير أنّ حساسية هذا الأسلوب منخفضة (حوالي 40%) بسبب الانتشار العشوائي لعصيات المتفطّرة المقرّحة داخل الأنسجة وانخفاض أعدادها مع مرور الوقت.
  • زرع المتفطّرة المقرّحة: وهي عملية تُجري باستخدام مسحات القرحات أو لطاخات الخزعات النسيجية ويمكنها أن تستغرق من 6 إلى 8 أسابيع؛ وتتراوح حساسية هذا الأسلوب بين 20% و60% تقريباً.
  • تفاعل البوليميراز التسلسلي: وهو اختبار يُجرى على مسحات القرحات أو لطاخات الخزعات النسيجية ويمكّن من الحصول على نتائج في غضون يومين؛ وتناهز حساسية هذا الاختبار 98%.
  • الهيستوباثولوجيا: وهو أسلوب يقتضي إجراء خزعات نسيجية؛ وتبلغ حساسية هذه العملية 90% تقريباً، وهي عملية مفيدة أيضاً لإجراء تشخيصات تفريقية عندما تكون نتائج الأساليب الأخرى (1-3) سلبية.

غير أنّ الأساليب من 2 إلى 4 تظلّ محصورة في المختبرات المرجعية والبحثية، التي غالباً ما تبعد كثيراً عن المناطق التي يتوطنها المرض. وتم، في الآونة الأخيرة، استحداث اختبار ابتكاري يمكن استخدامه في مختبرات المستشفيات المحلية، وهو اختبار يمكّن من إجراء تفاعل البوليميراز التسلسلي بالاستناد إلى كاشف جاف.

ولا بد من التعجيل بتوفير اختبار بسيط يمكّن من تشخيص داء قرحة بورولي على وجه السرعة في الميدان، ويمكّن بالتالي من علاج الأعراض الأولى (العقيدة) على المستوى المحلي وبتكاليف زهيدة. بيد أنّ أعراض المرض الأولى هي التي تطرح أكبر مشكلة تشخيصية من الناحية السريرية. وتتوزّع المادة السامة للمتفطّرة المقرّحة على مساحة أوسع داخل الآفة، مقارنة بمساحة توزيع العصيات، ممّا يشير إلى أنّ استحداث ضدّ لمادة الميكولاكتون من شأنه الإسهام في إعداد اختبار لأغراض التشخيص الميداني السريع. وبالمثل، مكّن تحديد التسلسل الجيني للمتفطّرة المقرّحة، على ما يبدو، من الكشف عن بروتينات خاصة بتلك المتفطّرة دون سواها. ومن أولويات البحث الأولى السعي إلى استخدام تلك البروتينات كمستضدات محتملة لاستحداث اختبار بسيط للتشخيص الدموي واستحداث أضداد لمادة الميكولاكتون.

العلاج

تتمثّل التوصيات العلاجية الراهنة فيما يلي:

  • توليفة من الريفامبيسين والستربتوميسين/الأميكاسين لمدة 8 أسابيع كعلاج الخط الأول لجميع أشكال المرض الفاعل. ويمكن علاج المصابين بالعقيدات والحالات غير المصحوبة بمضاعفات دون الاضطرار إلى إدخالهم المستشفى.
  • الجراحة لإزالة النسيج النخري وإصلاح العيوب الجلدية والتشوّهات.
  • الاضطلاع بتدخلات من أجل الحد من حالات العجز وتوقّيها.

لقد تبيّن من التجربة التي تم اكتسابها بعلاج نحو 300 مريض في بنن والكاميرون وغانا أنّ العلاج بمادتي الريفامبيسين والستربتوميسين لمدة ثمانية أسابيع يمكّن، حسب دلائل منظمة الصحة العالمية، من الشفاء التام من قرابة 50% من آفات قرحة بورولي. والجدير بالملاحظة أنّه يمكن أيضاً علاج بعض المرضى في إطار خدمات الرعاية الخارجية. وتقلّ نسبة الانتكاس بعد العلاج بالمضادات الحيوية عن 2% مقارنة بحالات الانتكاس التي تعقب العلاج الجراحي الحصري والتي تتراوح نسبة حدوثها بين 16 و30%. وتسهم هذه التطورات المشجعة في الحثّ على تغيير الاستراتيجية الخاصة بمكافحة داء قرحة بورولي وعلاجه، علماً بأنّها استراتيجية كانت تركّز، حتى عام 2004، على العلاج الجراحي.

الجوانب الاجتماعية والثقافية

تؤثّر المعتقدات والممارسات الاجتماعية الثقافية، في البلدان النامية، تأثيراً قوياً في سلوكيات المصابين بداء قرحة بورولي فيما يخص التماس الرعاية الصحية. وغالباً ما يكون الملاذ الأول العلاج التقليدي. ومن العوامل المؤثّرة الأخرى، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف العلاج الجراحي، خوف الناس من الجراحة وشعورهم بالقلق إزاء التندّبات الناجمة عنها واحتمال بتر أطرافهم. كما أنّ الوصم المرتبط بالتشوّهات بات من الأسباب التي تمنع الناس من التماس العلاج. ونتيجة لذلك يلتمس معظم المصابين العلاج بعد فوات الأوان، ممّا يؤدي إلى تعاظم الآثار المباشرة وغير المباشرة على حد سواء. وقد بلغ الأثر الذي يخلّفه المرض على المرافق الصحية القليلة في البلدان المتضرّرة مستويات فادحة. ذلك أنّ المكوث في المستشفى لفترات طويلة (مكوث المريض الواحدة فترة تتجاوز ثلاثة أشهر) يمثّل خسارة ضخمة في الإنتاجية عندما يتعلّق الأمر بالمرضى البالغين والمرضى الذين يرعون أسراً، وخسارة في فرص التعليم عندما يكون المرضى من الأطفال. كما تضع الرعاية الطويلة الأجل للمصابين بحالات العجز، الذين ينتمي معظمهم لفئة الأطفال دون سن 15 عاماً، عبئاً إضافياً فادحاً على عاتق الأسر المتضرّرة.

التكاليف الاقتصادية

يتسبّب داء قرحة بورولي في عبء اقتصادي كبير تتحمّله الأسر المتضرّرة والنُظم الصحية المعنية بتشخيص المرض وعلاج المصابين به. ففي غانا، في الفترة بين عامي 2001 و2003 على سبيل المثال، تراوح متوسط تكاليف المرض السنوية الإجمالية للأسرة الواحدة، حسب مرحلة المرض، بين 20ر76 دولاراً أمريكياً (16% من الدخل المتأتي من سنة عمل واحدة) للمريض في مرحلة العقيدة إلى 428 دولاراً أمريكياً (89% من الدخل المتأتي من سنة عمل واحدة) للمريض الذي تعرّض للبتر. وكان متوسط تكاليف علاج حالة من حالات داء قرحة بورولي يُقدّر، في الفترة بين عامي 1994 و1996، بنحو 780 دولاراً أمريكياً للمريض الواحد، ممّا يتجاوز بكثير المبلغ الذي تنفقه الحكومة على صحة الفرد الواحد. وكان متوسط تكاليف تشخيص المرض وعلاج المصاب به يبلغ، في أستراليا في الفترة بين عامي 1997 و1998، زهاء 608 14 دولارات أسترالية، وهو مبلغ يتجاوز متوسط النفقات الصحية الوطنية للفرد الواحد بسبعة أضعاف (2557 دولاراً أسترالياً). وعليه فإنّ الكشف عن المرض وعلاجه في مراحل مبكّرة من الإجراءات الاقتصادية التي ينبغي تشجيعها على نطاق واسع. كما لا بد من إجراء البحوث لاستحداث معالجات عالية المردود لهذا المرض المكلّف.

الوقاية

يوفّر لقاح البي سي جي، على ما يبدو، بعض الحماية القصيرة الأجل ضدّ المرض. وعلى الرغم من محدودية الحماية، فإنّ ضمان تغطية كاملة بلقاح البي سي جي في المناطق الريفية المتضرّرة قد يكون من التدابير المفيدة. ومن آفاق البحث المحتملة في مجال استحداث لقاح للمرض تحسين لقاحات البي سي جي أو التوهين العقلاني من معزول حيّ من معزولات المتفطّرة المقرّحة أو إنتاج لقاحات الوحيدات، استناداً إلى البروتينات السطحية أو المادة السامة نفسها. وقد يكون استحداث لقاح مأمون وفعال يستهدف المناطق الجديدة التي يتوطنها المرض من أكثر الوسائل فعالية لمكافحة المرض على المدى الطويل.

استراتيجيات مكافحة المرض

تهدف استراتيجيات المكافحة الراهنة، نظراً لعدم وجود وسائل تمكّن من مكافحة المرض بفعالية، إلى الحد ممّا يخلّفه المرض من معاناة وحالات عجز وعبء اقتصادي اجتماعي. وقد تم، في الاجتماع السنوي الذي عقدته المبادرة العالمية لمكافحة قرحة بورولي التابعة لمنظمة الصحة العالمية في جنيف في الفترة بين 14 و17 آذار مارس 2005، الاتفاق على استراتيجيات المكافحة التالية:

  • الكشف عن الحالات في مراحل مبكّرة على الصعيد المجتمعي، والسعي إلى الإعلام والتثقيف والإبلاغ.
  • تدريب العاملين الصحيين وأساتذة المدارس ومقدمي خدمات الرعاية الصحية في القرى.
  • التدبير العلاجي للحالات ( الجمع بين المضادات الحيوية وخدمات الجراحة وخدمات الوقاية من حالات العجز/خدمات التأهيل.
  • تأكيد الحالات مختبرياً.
  • وضع نظام موحّد لتسجيل الحالات والإبلاغ بها باستخدام الاستمارتين BU 01 وBU 02 وبرنامج "HealthMapper" لرسم الخرائط الصحية.
  • تعزيز المرافق الصحية.
  • رصد أنشطة المكافحة وتقييمها.

تحديد التسلسل الجيني

لقد تم نشر التسلسل الجيني الكامل للمتفطّرة المقرّحة في شباط/فبراير 2007، ممّا يوفّر أساساً متيناً يساعد على المضي قدماً بالبحوث في مجال استحداث اختبارات تشخيصية بسيطة وسريعة وأدوية ولقاحات جديدة. وقد مكّن تحديد التسلسل الجيني للمتفطّرة المقرّحة من تحديد الجينات المسؤولة عن إنتاج مادة الميكولاكتون وتبيان الطريقة التي تتشكّل بها تلك المادة. وتساعد تلك المعلومات الخبراء العلميين على إيجاد سُبل لإعاقة عملية إنتاج تلك المادة، ممّا قد يتيح إمكانية جديدة لعلاج قرحة بورولي.

أولويات البحث

هناك ست أولويات في مجال بحوث داء قرحة بورولي: تحديد نمط الانتقال؛ واستحداث اختبارات تشخيصية بسيطة؛ واستنباط علاجات دوائية ومناهج علاجية أخرى؛ واستحداث لقاحات؛ وإجراء دراسات اجتماعية واقتصادية؛ والاضطلاع بدراسات لتحديد معدلات وقوع المرض وانتشاره.

دور منظمة الصحة العالمية

لقد نشأ وعي كبير بداء قرحة بورولي منذ أن بدأت منظمة الصحة العالمية بمكافحة المرض وإجراء البحوث ذات الصلة في عام 1998. ويشارك في الأنشطة الآن عدد من البلدان التي يتوطنها المرض والباحثين والمنظمات غير الدولية والهيئات المانحة من أجل التعمّق في فهم المرض. ويتم حالياً، بتنسيق من المنظمة، إحراز تقدّم مطّرد في مجالي المكافحة والبحث على حد سواء. وقد بات الاجتماع السنوي الذي تعقده المبادرة العالمية لمكافحة قرحة بورولي التي ترعاها المنظمة يستقطب عدداً كبيراً من المشاركين. ويمثّل ذلك الاجتماع محفلاً يتم فيه اتخاذ قرارات هامة في مجال السياسات بغية توجيه أنشطة المكافحة والبحث ذات الصلة بالمرض.

ويساعد القرار الذي اعتمدته جمعية الصحة العالمية في عام 2004 على استقطاب ما يلزم من اهتمام ودعم من خلال تشجيع جميع الدول الأعضاء في المنظمة على "تكثيف البحوث الرامية إلى تطوير وسائل لتشخيص المرض وعلاجه والوقاية منه، وكذلك إدراج داء قرحة بورولي في النظام الوطني لترصد الأمراض".

ولا شك في أنّ تزايد الاهتمام، حالياً، بأمراض المناطق المدارية سيسهم في التعمّق في فهم داء قرحة بورولي ويساعد على استقطاب الموارد اللازمة لتسريع البحوث من أجل استحداث أدوات جديدة لأغراض التشخيص والعلاج والوقاية.


(1) قرار جمعية الصحة العالمية 57-1: ترصد ومكافحة داء المتفطّرة المقرّحة (قرحة بورولي). في: جمعية الصحة السابعة والخمسون، جنيف، 17-22 أيار/مايو 2004. القرارات والمقررات الإجرائية. جنيف، منظمة الصحة العالمية، 2004 (WHA57/2004/REC/1): 1-2.

شارك

للمزيد من المعلومات الرجاء الاتصال ب:

WHO Media centre
الهاتف: +41 22 791 2222
البريد الإلكتروني: mediainquiries@who.int