سعادة الدكتور هارش فاردان، رئيس المجلس التنفيذي، شكراً لكم على قيادتكم خلال هذه الأوقات العصيبة. أصحاب السعادة، الزملاء والأصدقاء الأعزاء، صباح الخير، مساء الخير وأمسية طيبة لكم جميعاً، وسنة جديدة سعيدة.
قبل أربعين عاماً ظهر فيروس جديد وأثار جائحة. وتم تطوير أدوية منقذة للحياة، ولكن مرّ أكثر من عقد من الزمان قبل أن يحصل فقراء العالم عليها. وقبل اثني عشر عاما، ظهر فيروس جديد وأثار جائحة. وتم تطوير لقاحات منقذة للحياة، ولكن عندما أتيحت لفقراء العالم، كانت الجائحة قد انتهت. وقبل عام، ظهر فيروس جديد وأثار جائحة. وتم تطوير لقاحات منقذة للحياة. أما ما سيحدث بعد ذلك فهو أمر راجع لنا.
إن أمامنا فرصة لتحقيق انتصار تاريخي؛ لكتابة رواية مختلفة؛ لتجنُّب أخطاء الجائحة التي تَسَبَّبَ فيها فيروس العوز المناعي البشري/ الأيدز والأنفلونزا الجائحة (H1N1). إن تطوير واعتماد لقاحات آمنة وفعالة بعد أقل من عام على ظهور فيروس جديد هو إنجاز علمي مذهل، ومصدر أمل نحن في أمسّ الحاجة إليه. فاللقاحات التي نحقنها في الذراع هي ما نحتاجه جميعاً - حَرفيّاً ومجازيّاً. وظهور سلالات متحوّرة سريعة الانتشار مؤخّراً يجعل من طرح اللقاحات بشكل سريع ومنصف أمراً أكثر أهميةً من أي وقت مضى.
ولكننا نواجه الآن خطراً حقيقياً يهدِّد بتحوّل اللقاحات، حتى وإن كانت مبعث أمل لدى البعض، إلى لبنة أخرى في جدار عدم المساواة بين من يملكون ومن لا يملكون في العالم. صحيح أن جميع الحكومات تريد إعطاء الأولوية لتطعيم العاملين الصحيين وكبار السن فيها أولاً. ولكن ليس من الصواب تطعيم البالغين الأصغر سناً والأكثر صحة في البلدان الغنية قبل العاملين الصحيين وكبار السن في البلدان الفقيرة.
سيكون هناك ما يكفي من اللقاح للجميع. ولكن في الوقت الحالي، يجب أن نعمل معاً كعائلة عالمية واحدة لإعطاء الأولوية لمن هم أكثر عرضة لخطر الإصابة بأمراض وخيمة والوفاة بسببها، في جميع البلدان.
وعلى مدى الأشهر الـتسعة الماضية، كانت مبادرة تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد-19 (مُسَرّعِ الإتاحة) ومرفق كوفاكس لإتاحة لقاحات كوفيد-19 على الصعيد العالمي (مرفق كوفاكس)، وهو ركيزة اللقاحات لتلك المبادرة، هما الأساس لتوزيع اللقاحات ونشرها على نحو منصف. لقد تغلبنا على الحواجز العلمية والحواجز القانونية والحواجز اللوجستية والحواجز التنظيمية. وقمنا بتأمين ملياري جرعة من خمسة منتجين، مع خيارات لتوفير أكثر من مليار جرعة أخرى، ونهدف إلى بدء عمليات التسليم في شباط/ فبراير.
وأغتنم هذه الفرصة لأتوجه بالشكر إلى تحالف غافي للقاحات، والائتلاف المعني بابتكارات التأهب لمواجهة الأوبئة. ويقف مرفق كوفاكس على أهبة الاستعداد لتلبية الهدف الذي أنشئ من أجله.
ولكني في الأسابيع الأخيرة استمعت إلى العديد من الدول الأعضاء التي تساءلت عما إذا كان مرفق كوفاكس سوف يحصل على اللقاحات التي يحتاجها، وما إذا كانت البلدان المرتفعة الدخل ستفي بالوعود التي قطعتها. ومع بدء نشر اللقاحات الأولى، يتعرض وعد الإتاحة العادلة لخطر شديد.
فقد أُعطِيَت حتى الآن أكثر من 39 مليون جرعة من اللقاح في 49 بلداً على الأقل من البلدان ذات الدخل الأعلى. ولم تُعطَ سوى 25 جرعة في بلد واحد من البلدان ذات الدخل الأدنى. ليس 25 مليوناً؛ ولا 25 ألفاً؛ بل 25 فقط.
لا مناص من الصراحة: إن العالم على شفا فشل أخلاقي كارثي - وسوف يُدفع ثمن هذا الفشل من الأرواح وسبل العيش في أفقر بلدان العالم.
وحتى في الوقت الذي تتحدث فيه بعض البلدان والشركات بلغة الإتاحة العادلة، فإنها تواصل إعطاء الأولوية للصفقات الثنائية، والالتفاف حول مرفق كوفاكس، متسبِّبةً في ارتفاع الأسعار ومحاوِلةً القفز إلى مقدمة صفوف الانتظار. وهذا خطأ فادح. فقد تم توقيع 44 صفقة ثنائية في العام الماضي، وجرى بالفعل توقيع ما لا يقل عن 12 صفقة هذا العام.
ومما يزيد الوضع تعقيداً أن معظم المصنِّعين قد أعطوا الأولوية للموافقة التنظيمية في البلدان الغنية حيث تكون الأرباح أعلى، بدلاً من تقديم ملفات كاملة إلى منظمة الصحة العالمية. وهو ما قد يؤخر تسليم اللقاحات التي يتيحها مرفق كوفاس ويفضي بالضبط إلى السيناريو الذي صُمِّمَ هذا المرفق لتجنُّبه، حيث الاكتناز، وفوضى السوق، وغياب التنسيق في الاستجابة، واستمرار الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي.
وهذا النهج الأناني لا يترك أفقر الناس في العالم وأكثرهم ضعفاً مهدَّدين بالخطر فحسب، بل إنه يؤدي أيضاً إلى تدمير ذاتي. ففي نهاية المطاف، لن تؤدي هذه الإجراءات إلا إلى إطالة أمد الجائحة، والقيود اللازمة لاحتوائها، والمعاناة البشرية والاقتصادية.
إن الإنصاف في اللقاحات ليس مجرد ضرورة أخلاقية، بل هو ضرورة استراتيجية واقتصادية.
لقد قدّرت دراسة حديثة أن الفوائد الاقتصادية من تخصيص اللقاحات بشكل عادل في عشرة بلدان مرتفعة الدخل ستصل إلى 153 مليار دولار أمريكي على الأقل في عام 2021، وترتفع إلى 466 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2025. وهو ما يفوق بأكثر من 12 مرة التكلفة الإجمالية لمسرِّع الإتاحة.
لم يَفُت الأوان بعد. أدعو جميع البلدان إلى التضامن للعمل معاً على ضمان تطعيم العاملين الصحيين وكبار السن في جميع البلدان في غضون المائة يوم الأولى من هذا العام. وهو ما يصبّ في مصلحة كل بلد على وجه الأرض.
علينا تغيير قواعد اللعبة معاً، بثلاث طرق.
أولاً، ندعو البلدان التي أبرمت تعاقدات ثنائية -مع ضوابط للإمداد – إلى التحلي بالشفافية بشأن هذه التعاقدات مع مرفق كوفاكس، بما في ذلك الأحجام والتسعير ومواعيد التسليم. وندعو هذه البلدان إلى إعطاء أولوية أكبر بكثير لموضِع مرفق كوفاكس في صفوف الانتظار، وتقاسم الجرعات الخاصة بها معه، ولاسيما عندما تنتهي من تطعيم العاملين الصحيين وكبار السن لديها، حتى تتمكن البلدان الأخرى من فعل الشيء نفسه.
ثانياً، ندعو منتجي اللقاحات إلى تزويد المنظمة ببيانات كاملة على النحو اللازم لإجراء استعراض تنظيمي بصورة آنيّة، من أجل تسريع عمليات الاعتماد. كما ندعو المنتجين إلى السماح للبلدان التي أبرمت تعاقدت ثنائية بتقاسم الجرعات مع مرفق كوفاكس، وإعطاء الأولوية لتزويده بالإمدادات اللازمة بدلاً من عقد صفقات ثنائية جديدة.
وثالثاً، ندعو جميع البلدان التي تقوم باعتماد لقاحات إلى استخدام اللقاحات التي تفي بمعايير دولية صارمة بشأن المأمونية والفعالية والجودة، وتسريع خطى التأهّب لنشرها.
إن موضوع يوم الصحة العالمي هذا العام هو عدم المساواة في مجال الصحة. ويتمثل التحدي الذي أطرحه على جميع الدول الأعضاء في ضمان إعطاء لقاحات كوفيد-19 في كل بلد بحلول يوم الصحة العالمي في السابع من نيسان/ أبريل، كرمز للأمل في التغلب على الجائحة وعلى أوجه عدم المساواة التي تتسبّب في العديد من التحديات الصحية العالمية. وآمل أن يتحقق هذا.
وتنطوي الجائحة على دروس لنا جميعاً - لكل دولة عضو، وللأمانة. علينا جميعاً أن نتحلّى بالتواضع كي نتعلم ونغيِّر ونبتكر وننمو.
إن عمل الفريق المستقل المعني بالتأهّب والاستجابة للجائحة، ولجنة المراجعة المعنية بتنفيذ اللوائح الصحية الدولية (2005) أثناء الاستجابة لجائحة كوفيد-19، ولجنة الرقابة الاستشارية المستقلة المعنية ببرنامج المنظمة للطوارئ الصحية، سيسفر عن توصيات تقدّم إلى الدول الأعضاء والأمانة.
ولكنّ العديد من الدروس ماثلة أمامنا بالفعل.
أولاً، التأهّب والاستجابة للطوارئ. لقد فاجأت جائحة كوفيد-19 حتى بعض أغنى وأقوى دول العالم. وقد باغتتها وهي غير مستعدة، وكشفت عن فشل جماعي في الاستثمار في التأهب للطوارئ.
وحتى قبل اندلاع الجائحة، كانت المنظمة تعمل على تعزيز التأهب والاستجابة كجزء من تحوُّلنا، إدراكاً منا أن الجائحة التالية هي مسألة وقت، لا مجرد احتمال. وقد قمنا مع البنك الدولي بإنشاء المجلس العالمي لرصد التأهب قبل عامين، واستحدثنا شعبة جديدة للتأهب للطوارئ، وشعبة جديدة للعلوم، وطوّرنا أدوات رقمية جديدة للمراقبة والإنذار المبكر.
وفي العام الماضي، اتخذنا خطوات أخرى، يرد وصفها في تقريرنا إليكم لهذا الاجتماع. وخلال انعقاد جمعية الصحة العالمية في تشرين الثاني/ نوفمبر، أعلنتُ عن إنشاء مستودع جديد للعينات في مرفق آمن في سويسرا، لتيسير التقاسم الطوعي للفيروسات والإسراع في تطوير التدابير الطبية المضادة، وأسميناه مستودع "BioHub". ويسرني أن أقول إنه بالإضافة إلى تعهّدات سابقة من إيطاليا وتايلند، التزمت جنوب أفريقيا الآن بتقاسم عينات من السلالة المتحوّرة لفيروس كورونا المسبب للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة -2/ فيروس كورونا-سارس-2 مع مستودع "BioHub". ونشجع جميع الدول الأعضاء على تبادل بيانات وعيّنات السلالات المتحوّرة الجديدة في حينه.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر، اقترحتُ أيضاً آليّة جديدة لتعزيز التأهُّب على أساس الثقة المتبادلة والمساءلة المشتركة - وهي الاستعراض الشامل للصحة والتأهُّب. وأودّ أن أشكر بنن وجمهورية أفريقيا الوسطى على طرح الفكرة باسم المجموعة الأفريقية. إن الأدوات السابقة، مثل التقييمات الخارجية المشتركة التي تستند إلى استعراض الخبراء للتأهّب على الصعيد الوطني، هي أدوات قيّمة، ولكن الجائحة أظهرت أنها لم تكن كافية.
ويستند الاستعراض الشامل للصحة والتأهب إلى آلية طوعية لاستعراض النظراء، تتولى زمامها الدول الأعضاء، لتوطيد التعاون الدولي وتعزيز فعاليته من خلال الجمع بين الدول وأصحاب المصلحة معاً بروح التضامن.
وفي كانون الأول/ ديسمبر، أطلعنا الدول الأعضاء على الاستعراض الشامل للصحة والتأهُّب. وبدأنا مناقشات لتطوير الأداة، وفي الأسابيع المقبلة نخطط لبدء مرحلة تجريبية مع المجموعة الأولى من البلدان التي تطوعت لذلك. ونشجع جميع البلدان على المشاركة بفاعلية ومساعدتنا في بناء هذه المبادرة معاً.
والدرس الرئيسي الثاني الذي تعلمناه من الجائحة هو أن صحة البشر والحيوانات والكوكب متشابكة بشكل وثيق. فلا يمكننا حماية الصحة البشرية وتعزيزها إلا من خلال تحسين رصد وإدارة المخاطر بشكل أساسي على مستوى العلاقة التفاعلية بين البشر والحيوانات والنظم الإيكولوجية. وهي ليست بفكرة جديدة، ولكن الجائحة وضعتها في بؤرة التركيز بشكل أكثر حِدّة. فأكثر من 70% من الأمراض الناشئة التي اكتُشِفت في السنوات الأخيرة ترتبط بانتقال العدوى من الحيوان إلى الإنسان.
ومنذ أكثر من عِقد من الزمان، اجتمعت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة والمنظمة العالمية لصحة الحيوان معاً في مبادرة ثلاثية لتطوير وتعزيز مفهوم "الصحة الواحدة".
لقد أظهرت الجائحة أنّ علينا أن ننقل شراكتنا إلى مستوى جديد، وأنها يجب أن تصبح أكثر من مجرد مفهوم، وإنما يتعيّن ترجمتها إلى نظم تحافظ على سلامة الناس في البلدان. ومن الواضح أيضاً أن مفهوم "الصحة الواحدة" ينبغي أن يتجاوز نطاق الأمراض الحيوانية المنشأ؛ ويلزم أن يعالج المجموعة الكاملة من القضايا التي تؤثر على العلاقة بين البشر والحيوانات والكوكب، بما في ذلك إزالة الغابات، والزراعة المكثفة، والتلوث، وتغير المناخ، وما إلى ذلك.
وبالتعاون مع شركائنا في المبادرة الثلاثية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، اتفقنا الآن على إنشاء مجلس خبراء رفيع المستوى معني بمفهوم "الصحة الواحدة"، تدعمه أمانة مشتركة. وسيقوم المجلس بتحليل البَيِّنات العلمية واستجابات السياسات العامة في البلدان وتقديم المشورة للوكالات الأربع بشأن الإجراءات التي يجب اتخاذها والتوصيات التي يتعين وضعها. وسيكون على رأس أولوياته دراسة الأولويات الفورية للوقاية من الأمراض الحيوانية المصدر الناشئة التي تنطوي على احتمالات التحول إلى أوبئة وجوائح، والتنبؤ بها وكشفها ورصدها والاستجابة لها وتقديم المشورة بشأنها. ونتوقع أن يتزامن أول اجتماع للمجلس مع انعقاد جمعية الصحة العالمية في أيار/ مايو، وسنبقيكم على اطِّلاع بآخر المستجدّات عندما يتحدّد شكل المجلس وجدول أعماله.
وفي الوقت نفسه، يجب أن نترجم هذا العمل الرفيع المستوى إلى نظم ملموسة على المستوى المحلي قدر الإمكان لالتقاط إشارات تفشي الأمراض الجديدة واحتوائها عند المصدر حيثما أمكن.
وخلال انعقاد الجمعية في العام الماضي، طلبت الدول الأعضاء أيضاً من الأمانة العمل مع شركائنا لتحديد المصدر الحيواني المنشأ للفيروس. وكما تعلمون، وصل الآن 14 عضوا ًمن البعثة الدولية لدراسة منشأ الفيروس إلى الصين. وهناك ثلاثة آخرون يعملون مع الفريق عن بُعد.
وهذه عملية ذات منحى علمي دون أي شك. والغرض المنشود منها هو إدراك كيف ومتى ظهر فيروس كورونا الجديد هذا حتى يتسنى لنا جميعاً اتخاذ التدابير الرامية إلى الوقاية من ظهور ممرضات أخرى حيوانية المصدر في المستقبل.
والدرس الرئيسي الثالث الذي تلقّننا إياه الجائحة هو أن العالم يحتاج إلى أن تكون منظمة الصحة العالمية منظمة قوية. ومرة أخرى ليس هذا بالأمر الجديد. فمَن عمل منا في مجال الصحة العالمية لأي فترة معينة من الزمن يدرك مواطن القوة والضعف في المنظمة.
وتدعيم المنظمة هو محور تركيز مسار التحوّل الذي باشرناه معاً خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية. وقد قدمت أحدث المعلومات عن التحوّل في الملاحظات التي أبديتها أمام الجمعية في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر. وأحيلكم أيضاً إلى التقرير المرحلي المفصل الذي أصدرناه في شهر كانون الأول/ ديسمبر ونتطلع إلى الحصول خلال هذا الأسبوع على مزيد من تعليقاتكم بشأن الوثيقة عن التحوّل من أجل تحسين الأثر في البلدان.
ونقدّر ما أبدته الدول الأعضاء حتى الآن من تأييد عام للتحوّل ونرحب بالتعليقات التي قدمها رئيس لجنة الخبراء المستقلين الاستشارية في مجال المراقبة خلال اجتماع لجنة البرنامج والميزانية والإدارة في الأسبوع الماضي ومفادها أن التحوّل يحقق نتائج بالفعل.
لكننا سمعنا أيضاً دعوتكم إلى زيادة التركيز على تأثير التحوّل في البلدان. والتحوّل مسار قطعنا شوطاً بعيداً منه وما زال أمامنا شوط آخر. وفي السنة المقبلة، سنواصل التعلم والتغيير والإنصات.
وكما تعلمون، فقد قررت مع المديرين الإقليميين في نهاية السنة الماضية منح جائزة منظمة الصحة العالمية للامتياز لجميع الموظفين العاملين في المنظمة لمكافأتهم على جهودهم الخارقة المبذولة خلال السنة الأكثر خروجاً عن المألوف. وهذا ما قاله رئيس مجلسنا، الدكتور هارش فاردهان، في كلمته.
واعترافاً بسنة 2021 باعتبارها السنة الدولية للعاملين في مجالي الصحة والرعاية، قررنا أيضاً أن تكون سنة 2021 سنة القوى العاملة للتركيز على جعل منظمة الصحة العالمية منظمة تجذب أفضل الموظفين وتوفر لهم أفضل بيئة شاملة ومتنوعة وتمكنهم من بذل قصارى جهدهم وتحقيق أفضل أداء لهم.
وقد حددت الدول الأعضاء بنفسها أن إحدى أكبر العقبات التي تحول دون أن تحقق المنظمة أفضل أداء ممكن لها تتمثل في التمويل المستدام الذي يمكن التنبؤ به. ونعلم أن الدول الأعضاء تعتزم بجدية تدعيم المنظمة ولذلك يجب أن تكون جادة في توفير التمويل المستدام وفي سد الفجوة بين العمل المتوقع منا والموارد المتاحة لنا لإنجازه. وأود أن أشكر فرنسا وألمانيا على تولي زمام المبادرة في هذا الصدد.
وكما تعلمون، لقد بذلت الأمانة جهوداً جبارة للتصدي لهذه المشكلة عن طريق أول وثيقة عن "جدوى الاستثمار في المنظمة" واستراتيجية جديدة لتعبئة الموارد ومنتدى الشركاء الأول، ومن خلال إنشاء مؤسسة منظمة الصحة العالمية في الآونة الأخيرة في إطار عملية التحوّل التي بدأنا تنفيذها في عام 2017.
ومؤسسة منظمة الصحة العالمية هي كيان قانوني مستقل يستهدف تحصيل مليار دولار أمريكي في السنوات الثلاث القادمة من مصادر لم يسبق للمنظمة الوصول إليها. وستخصَّص نسبة متراوحة بين 70% و80% من الأموال المحصّلة لمنظمة الصحة العالمية والنسبة المتبقية لمنظمات أخرى معنية بالصحة العامة تركز على المجتمع المدني.
وللمؤسسة مجلس إدارة قوي يقوده الدكتور توماس زيلتنر ويمثل جميع الأقاليم، وقد بدأ الرئيس التنفيذي الأول للمؤسسة، السيد أنيل سوني، عمله في مستهل هذا العام. ونتوقع أن تساعد المؤسسة على تنويع قاعدة الجهات المانحة للمنظمة وتكون مصدراً لمزيد من التمويل المرن.
تلك هي بعض الحلول الاستراتيجية التي اقترحناها أثناء عملية التشخيص عندما بدأنا مسار التحوّل. ومع ذلك، ما زال ينبغي تكثيف الجهود لضمان حصول المنظمة على ما تحتاج إليه من تمويل مستدام يمكن التنبؤ به.
وخلال هذا الأسبوع، ستنظرون في اقتراح يدعو إلى إنشاء فريق عامل شامل لتحديد المبادئ الخاصة بالمجالات التي ينبغي تمويلها وإعداد الخيارات بشأن مبلغ التمويل اللازم والنظر في كيفية تمويل هذه الأولويات. ورهناً بموافقة الدول الأعضاء، يمكن للفريق العامل أن ينظر في اقتراح سوف يُعرض مجدداً على هذا المجلس قبل إحالته إلى جمعية الصحة العالمية في عام 2022.
ونحن ملتزمون بالمساءلة وبأن نكفل لكم تحقيق القيمة مقابل المال. وهذا ما يجب فعله، إلا أننا نطلب من الدول الأعضاء أن تضمن حصول الأمانة على المال الكافي مقابل تحقيق القيمة. وحتى ونحن نعمل بلا كلل من أجل وضع حد للجائحة والاستجابة للطوارئ الأخرى، سنواصل مسار التحوّل لإحداث الأثر حيث تمس الحاجة إليه، أي في البلدان.
ويجسد جدول أعمالكم لهذا الأسبوع النطاق الشاسع لعمل المنظمة الذي يشمل سلامة المرضى والأمراض غير السارية وصحة الفم ورعاية العين ومقاومة مضادات الميكروبات والأمراض النادرة والمنتجات الطبية المتدنية النوعية والمغشوشة والصحة النفسية وشلل الأطفال والتمنيع ومواضيع أخرى جمة.
وأعلم أن بعض الدول الأعضاء يساورها القلق بسبب التأخير في إصدار وثائق هذا الاجتماع. وأعتذر شخصياً عن أي صعوبة سببها لكم هذا التأخير في إطار تحضيركم للاجتماع. ونظل ملتزمين بتوفير وثائق الأجهزة الرئاسية في الوقت المناسب وقد أحرزنا تقدماً ملحوظاً في هذا المجال.
ونلتمس تفهمكم نظراً إلى الظروف الاستثنائية التي عمل في ظلها موظفو منظمتنا والوقت الضيق جداً الفاصل بين الدورة المستأنفة لجمعية الصحة العالمية التي عُقدت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر وهذه الدورة للمجلس التنفيذي.
ونتطلع إلى إجراء مناقشة بناءة خلال هذا الأسبوع إذ نعمل معاً من أجل التصدي للتحديات الصحية الأخرى التي لا تحصى ويواجهها سكان العالم كل يوم. ونتوقع بحلول نهاية هذه السنة إنجاز ما تصل نسبته إلى 90% من العمل الذي التزمنا بالاضطلاع به في مستهل الثنائية.
وتصدياً لتعطّل الخدمات الصحية الأساسية في عدة دول أعضاء، تنفذ المنظمة "مبادرة التدعيم" لتكليف موظفين من المقر الرئيسي بالعمل بصورة افتراضية مع المكاتب الإقليمية والقطرية، حسب احتياجات البلدان. وفي المرحلة الأولى، كُلّف موظفون بالعمل مع 20 بلداً في مجالات تعزيز النظم والمجتمعات والتمويل ووسائل التشخيص والعلاجات والترصد ومجالات أخرى.
وسنواصل دعم البلدان في إحراز التقدم من أجل تحقيق التغطية الصحية الشاملة عن طريق تكثيف المساعدة التقنية لتوفير الرعاية الصحية الأولية والحفاظ على الخدمات الصحية الأساسية، بما في ذلك خدمات التمنيع والصحة الجنسية والإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال والمراهقين.
وسندعم الدول الأعضاء في حماية المكاسب الهشة التي تحققت في مكافحة فيروس العوز المناعي البشري والسل والملاريا والتهاب الكبد والأمراض المنقولة جنسياً وأمراض المناطق المدارية المهملة وتوسيع نطاقها. وسننفذ الاستراتيجية العالمية لتسريع وتيرة التخلص من سرطان عنق الرحم التي وافقت عليها الدول الأعضاء في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر.
وسنكثف دعمنا للبلدان لتتمكن تدريجياً من تزويد مليار شخص آخر يعاني من أمراض غير سارية واعتلالات صحية نفسية بالخدمات الصحية والأدوية الأساسية بحلول عام 2023.
وعلى الرغم من الانتكاسات التي شهدها العام الماضي، ما زلنا ملتزمين تماماً بتنفيذ الأولويتين المتمثلتين في استئصال شلل الأطفال والانتقال في مجال شلل الأطفال وباستخدام البنية التحتية لبرنامج مكافحة شلل الأطفال لبدء نشر اللقاحات المضادة لكوفيد-19.
وبناءً على طلب الدول الأعضاء، نعكف على إعداد توجهات استراتيجية جديدة لسياسات التمريض والقبالة.
وفي ضوء الخسائر الفادحة الناجمة عن جائحة كوفيد-19 لدى المسنين وسعياً إلى تعزيز جودة خدمات الرعاية المقدمة إليهم، ندرس تنظيم وتمويل نظم الرعاية الطويلة الأجل.
وسنثابر على تعزيز القدرات القطرية على تنفيذ خطط العمل الوطنية الخاصة بمقاومة مضادات الميكروبات بينما نعمل على تعزيز ترصد مقاومة مضادات الميكروبات واستهلاكها.
واستجابةً للطلبات المتزايدة من الدول الأعضاء، سنعمل على تعزيز الإنتاج المحلي للأدوية والمنتجات الصحية الأخرى الجيدة والمأمونة والناجعة والميسورة التكلفة وإتاحتها.
وبعد الموافقة على الاستراتيجية العالمية بشأن الصحة الرقمية، فإننا نعكف على إعداد أدوات لدعم الدول الأعضاء في تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية للصحة الرقمية، بما في ذلك شهادات التطعيم الرقمية.
وسنعمل مع البلدان على تنفيذ توصيات السياسات الواردة في بيان التعافي الصحي المراعي للبيئة.
وسنستضيف في شهر حزيران/ يونيو مؤتمر قمة في مجال الصحة للدول الجزرية الصغيرة النامية يُعقد بصورة افتراضية ويركز على إرساء نظم صحية قادرة على الصمود والتصدي لتهديدي الأمراض غير السارية وتغيّر المناخ.
وسندعم تعزيز النظم الوطنية للبيانات الصحية عبر حزمة "سكور" التقنية للبيانات الصحية، التي ترمز إلى "الاستقصاء والحساب والتحسين الأمثل والاستعراض والتمكين".
وسنواصل مساءلة أنفسنا عن طريق تقييمات الإنجاز لتتبع التقدم المحرز من أجل بلوغ غايات "المليارات الثلاثة".
وسنعزز وضع إرشادات معيارية لضمان صدورها في الوقت المناسب وملاءمتها واستنادها إلى أحدث البيّنات وسهولة الاطلاع عليها.
وسنعزز أيضاً القدرة على إجراء بحوث عالية الجودة ومراعية للمبادئ الأخلاقية في جميع البلدان وضمان تسريع وتيرة توسيع نطاق الابتكارات والمنتجات الصحية لتلبية احتياجات الصحة العامة.
وسنحرص على توطيد التعاون مع الجهات الشريكة المتعددة الأطراف عبر خطة العمل العالمية بشأن تمتّع الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية لتدعيم الإنصاف في الحصول على اللقاحات وحفز التعافي ودعم الدول الأعضاء للعودة إلى المسار الصحيح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وفي الوقت ذاته، نلتفت أيضاً إلى الثنائية المقبلة المدعومة بمشروع الميزانية البرمجية المقترحة لعامي 2022 و2023 التي ستنظرون فيها خلال هذا الأسبوع. ويعكس مشروع الميزانية المقترحة الحاجة إلى المضي قدماً بالعمل الذي يتعين علينا الاضطلاع به، من خلال تنفيذ الدروس التي استخلصناها من الجائحة حتى ونحن ننتظر صدور توصيات مختلف عمليات الاستعراض.
وذلك وضعنا ميزانية برمجية مقترحة مرنة تدور حول أربعة محاور استراتيجية رئيسية هي التالية: أولاً، الحاجة الملحّة إلى تسريع وتيرة التقدم المحرز من أجل تحقيق غايات "المليارات الثلاثة" وأهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك تزويد المكاتب القطرية بالموارد المناسبة؛ وثانياً، الحاجة إلى تعزيز التأهب والاستجاية للطوارئ الصحية على جميع المستويات؛ وثالثاً، الحاجة إلى بناء القدرة على الصمود من خلال تدعيم الرعاية الصحية الأولية كأساس لتحقيق الأمن الصحي والتغطية الصحية الشاملة؛ ورابعاً، الحاجة إلى الارتقاء بقيادة المنظمة في مجال العلوم والبيانات.
وتوضح وثيقة الميزانية كل محور من هذه المحاور بمزيد من التفصيل. وتقترح أيضاً تمديد الموعد الأخير المحدد لبلوغ غايات "المليارات الثلاثة" لمدة سنتين حتى عام 2025. وسيسمح لنا هذا التمديد بتبيُّن المجالات المحددة التي تتأخر فيها البلدان في إحراز التقدم وتحديد الحلول المحتملة لتسريع وتيرة التقدم المحرز.
وبعد مضي عام على أكبر أزمة شهدها عصرنا لا شك أننا ما برحنا نواجه مخاطر لم يسبق لها مثيل. ولكن لدينا أيضاً فرصة لم يسبق لها مثيل لغرس الصحة في صميم التنمية وجعلها ركيزة لإرساء عالم أكثر أمناً وإنصافاً.
وفي العام الماضي، فقدنا أكثر من مليوني شخص من أخواتنا وإخواننا بسبب هذه الجائحة، بمن فيهم العديد من العاملين الصحيين الذين ضحوا بحياتهم في سبيل خدمة الآخرين. كما فقدنا زملاء من بينهم زميلتنا بيلندا كاسونغو التي قُتلت في جمهورية الكونغو الديمقراطية بينما كانت تعمل من أجل حماية الآخرين من مرض فيروس الإيبولا. ولم تكن تضحيتها عبثاً. فبفضل أشخاص عرضوا أنفسهم للخطر مثل بيلندا تمكنا من وضع حد لفاشية الإيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي كانت في عداد حالات الطوارئ الأكثر تعقيداً التي واجهناها. ويوافق الأسبوع القادم مرور عام واحد على وفاة صديقنا وزميلنا العزيز بيت سلامة. فقد رحل عنا لكننا لن ننساه أبداً لأن إرثه باق.
نحن مدينون لهم جميعاً بضمان التغلب على أي تحديات نواجهها واستخلاص أي دروس تلقننا إياها الجائحة واغتنام أي فرص تتاح لنا لإرساء عالم أوفر صحة وأكثر أماناً وعدلاً. شكراً لكم.