الكلمة الافتتاحية للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية في الدورة الثامنة والأربعين بعد المائة للمجلس التنفيذي

18 كانون الثاني/يناير 2021
سعادة الدكتور هارش فاردان، رئيس المجلس التنفيذي، شكراً لكم على قيادتكم خلال هذه الأوقات العصيبة. ‏أصحاب السعادة، الزملاء والأصدقاء الأعزاء، صباح الخير، مساء الخير وأمسية طيبة لكم جميعاً، وسنة جديدة ‏سعيدة.‏

قبل أربعين عاماً ظهر فيروس جديد وأثار جائحة. وتم تطوير أدوية منقذة للحياة، ولكن مرّ أكثر من عقد من ‏الزمان قبل أن يحصل فقراء العالم عليها. وقبل اثني عشر عاما، ظهر فيروس جديد وأثار جائحة. وتم تطوير ‏لقاحات منقذة للحياة، ولكن عندما أتيحت لفقراء العالم، كانت الجائحة قد انتهت. وقبل عام، ظهر فيروس جديد ‏وأثار جائحة. وتم تطوير لقاحات منقذة للحياة. أما ما سيحدث بعد ذلك فهو أمر راجع لنا. ‏

إن أمامنا فرصة لتحقيق انتصار تاريخي؛ لكتابة رواية مختلفة؛ لتجنُّب أخطاء الجائحة التي تَسَبَّبَ فيها فيروس ‏العوز المناعي البشري/ الأيدز والأنفلونزا الجائحة ‏‎(H1N1)‎‏. إن تطوير واعتماد لقاحات آمنة وفعالة بعد أقل من ‏عام على ظهور فيروس جديد هو إنجاز علمي مذهل، ومصدر أمل نحن في أمسّ الحاجة إليه. فاللقاحات ‏التي نحقنها في الذراع هي ما نحتاجه جميعاً - حَرفيّاً ومجازيّاً. وظهور سلالات متحوّرة سريعة الانتشار مؤخّراً ‏يجعل من طرح اللقاحات بشكل سريع ومنصف أمراً أكثر أهميةً من أي وقت مضى. ‏

ولكننا نواجه الآن خطراً حقيقياً يهدِّد بتحوّل اللقاحات، حتى وإن كانت مبعث أمل لدى البعض، إلى لبنة أخرى ‏في جدار عدم المساواة بين من يملكون ومن لا يملكون في العالم. صحيح أن جميع الحكومات تريد إعطاء ‏الأولوية لتطعيم العاملين الصحيين وكبار السن فيها أولاً. ولكن ليس من الصواب تطعيم البالغين الأصغر سناً ‏والأكثر صحة في البلدان الغنية قبل العاملين الصحيين وكبار السن في البلدان الفقيرة. ‏

سيكون هناك ما يكفي من اللقاح للجميع. ولكن في الوقت الحالي، يجب أن نعمل معاً كعائلة عالمية واحدة ‏لإعطاء الأولوية لمن هم أكثر عرضة لخطر الإصابة بأمراض وخيمة والوفاة بسببها، في جميع البلدان.‏

وعلى مدى الأشهر الـتسعة الماضية، كانت مبادرة تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد-19 (مُسَرّعِ الإتاحة) ‏ومرفق كوفاكس لإتاحة لقاحات كوفيد-19 على الصعيد العالمي (مرفق كوفاكس)، وهو ركيزة اللقاحات لتلك ‏المبادرة، هما الأساس لتوزيع اللقاحات ونشرها على نحو منصف. لقد تغلبنا على الحواجز العلمية والحواجز ‏القانونية والحواجز اللوجستية والحواجز التنظيمية. وقمنا بتأمين ملياري جرعة من خمسة منتجين، مع خيارات ‏لتوفير أكثر من مليار جرعة أخرى، ونهدف إلى بدء عمليات التسليم في شباط/ فبراير. ‏

وأغتنم هذه الفرصة لأتوجه بالشكر إلى تحالف غافي للقاحات، والائتلاف المعني بابتكارات التأهب لمواجهة ‏الأوبئة. ويقف مرفق كوفاكس على أهبة الاستعداد لتلبية الهدف الذي أنشئ من أجله.‏

ولكني في الأسابيع الأخيرة استمعت إلى العديد من الدول الأعضاء التي تساءلت عما إذا كان مرفق كوفاكس ‏سوف يحصل على اللقاحات التي يحتاجها، وما إذا كانت البلدان المرتفعة الدخل ستفي بالوعود التي قطعتها. ‏ومع بدء نشر اللقاحات الأولى، يتعرض وعد الإتاحة العادلة لخطر شديد. ‏

فقد أُعطِيَت حتى الآن أكثر من 39 مليون جرعة من اللقاح في 49 بلداً على الأقل من البلدان ذات الدخل ‏الأعلى. ولم تُعطَ سوى 25 جرعة في بلد واحد من البلدان ذات الدخل الأدنى. ليس 25 مليوناً؛ ولا 25 ألفاً؛ ‏بل 25 فقط.‏

لا مناص من الصراحة: إن العالم على شفا فشل أخلاقي كارثي - وسوف يُدفع ثمن هذا الفشل من الأرواح ‏وسبل العيش في أفقر بلدان العالم.‏

وحتى في الوقت الذي تتحدث فيه بعض البلدان والشركات بلغة الإتاحة العادلة، فإنها تواصل إعطاء الأولوية ‏للصفقات الثنائية، والالتفاف حول مرفق كوفاكس، متسبِّبةً في ارتفاع الأسعار ومحاوِلةً القفز إلى مقدمة صفوف ‏الانتظار. وهذا خطأ فادح. فقد تم توقيع 44 صفقة ثنائية في العام الماضي، وجرى بالفعل توقيع ما لا يقل ‏عن‎ ‎‏12 صفقة هذا العام.‏

ومما يزيد الوضع تعقيداً أن معظم المصنِّعين قد أعطوا الأولوية للموافقة التنظيمية في البلدان الغنية حيث تكون ‏الأرباح أعلى، بدلاً من تقديم ملفات كاملة إلى منظمة الصحة العالمية. وهو ما قد يؤخر تسليم اللقاحات التي ‏يتيحها مرفق كوفاس ويفضي بالضبط إلى السيناريو الذي صُمِّمَ هذا المرفق لتجنُّبه، حيث الاكتناز، وفوضى ‏السوق، وغياب التنسيق في الاستجابة، واستمرار الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي. ‏

وهذا النهج الأناني لا يترك أفقر الناس في العالم وأكثرهم ضعفاً مهدَّدين بالخطر فحسب، بل إنه يؤدي أيضاً ‏إلى تدمير ذاتي. ففي نهاية المطاف، لن تؤدي هذه الإجراءات إلا إلى إطالة أمد الجائحة، والقيود اللازمة ‏لاحتوائها، والمعاناة البشرية والاقتصادية.‏

إن الإنصاف في اللقاحات ليس مجرد ضرورة أخلاقية، بل هو ضرورة استراتيجية واقتصادية.‏

لقد قدّرت دراسة حديثة أن الفوائد الاقتصادية من تخصيص اللقاحات بشكل عادل في عشرة بلدان مرتفعة ‏الدخل ستصل إلى 153 مليار دولار أمريكي على الأقل في عام 2021، وترتفع إلى 466 مليار دولار أمريكي ‏بحلول عام 2025. وهو ما يفوق بأكثر من 12 مرة التكلفة الإجمالية لمسرِّع الإتاحة.‏

لم يَفُت الأوان بعد. أدعو جميع البلدان إلى التضامن للعمل معاً على ضمان تطعيم العاملين الصحيين وكبار ‏السن في جميع البلدان في غضون المائة يوم الأولى من هذا العام. وهو ما يصبّ في مصلحة كل بلد على ‏وجه الأرض. ‏

علينا تغيير قواعد اللعبة معاً، بثلاث طرق.‏

أولاً، ندعو البلدان التي أبرمت تعاقدات ثنائية -مع ضوابط للإمداد – إلى التحلي بالشفافية بشأن هذه ‏التعاقدات مع مرفق كوفاكس، بما في ذلك الأحجام والتسعير ومواعيد التسليم. وندعو هذه البلدان إلى إعطاء ‏أولوية أكبر بكثير لموضِع مرفق كوفاكس في صفوف الانتظار، وتقاسم الجرعات الخاصة بها معه، ولاسيما ‏عندما تنتهي من تطعيم العاملين الصحيين وكبار السن لديها، حتى تتمكن البلدان الأخرى من فعل الشيء ‏نفسه.‏
ثانياً، ندعو منتجي اللقاحات إلى تزويد المنظمة ببيانات كاملة على النحو اللازم لإجراء استعراض تنظيمي ‏بصورة آنيّة، من أجل تسريع عمليات الاعتماد. كما ندعو المنتجين إلى السماح للبلدان التي أبرمت تعاقدت ‏ثنائية بتقاسم الجرعات مع مرفق كوفاكس، وإعطاء الأولوية لتزويده بالإمدادات اللازمة بدلاً من عقد صفقات ‏ثنائية جديدة. ‏

وثالثاً، ندعو جميع البلدان التي تقوم باعتماد لقاحات إلى استخدام اللقاحات التي تفي بمعايير دولية صارمة ‏بشأن المأمونية والفعالية والجودة، وتسريع خطى التأهّب لنشرها.‏

إن موضوع يوم الصحة العالمي هذا العام هو عدم المساواة في مجال الصحة. ويتمثل التحدي الذي أطرحه ‏على جميع الدول الأعضاء في ضمان إعطاء لقاحات كوفيد-19 في كل بلد بحلول يوم الصحة العالمي في ‏السابع من نيسان/ أبريل، كرمز للأمل في التغلب على الجائحة وعلى أوجه عدم المساواة التي تتسبّب في ‏العديد من التحديات الصحية العالمية. وآمل أن يتحقق هذا.‏

وتنطوي الجائحة على دروس لنا جميعاً - لكل دولة عضو، وللأمانة. علينا جميعاً أن نتحلّى بالتواضع كي ‏نتعلم ونغيِّر ونبتكر وننمو.‏

إن عمل الفريق المستقل المعني بالتأهّب والاستجابة للجائحة، ولجنة المراجعة المعنية بتنفيذ اللوائح الصحية ‏الدولية (2005) أثناء الاستجابة لجائحة كوفيد-19، ولجنة الرقابة الاستشارية المستقلة المعنية ببرنامج المنظمة ‏للطوارئ الصحية، سيسفر عن توصيات تقدّم إلى الدول الأعضاء والأمانة. ‏

ولكنّ العديد من الدروس ماثلة أمامنا بالفعل.‏

أولاً، التأهّب والاستجابة للطوارئ. لقد فاجأت جائحة كوفيد-19 حتى بعض أغنى وأقوى دول العالم. وقد ‏باغتتها وهي غير مستعدة، وكشفت عن فشل جماعي في الاستثمار في التأهب للطوارئ.‏

وحتى قبل اندلاع الجائحة، كانت المنظمة تعمل على تعزيز التأهب والاستجابة كجزء من تحوُّلنا، إدراكاً منا أن ‏الجائحة التالية هي مسألة وقت، لا مجرد احتمال. وقد قمنا مع البنك الدولي بإنشاء المجلس العالمي لرصد ‏التأهب قبل عامين، واستحدثنا شعبة جديدة للتأهب للطوارئ، وشعبة جديدة للعلوم، وطوّرنا أدوات رقمية جديدة ‏للمراقبة والإنذار المبكر. ‏

وفي العام الماضي، اتخذنا خطوات أخرى، يرد وصفها في تقريرنا إليكم لهذا الاجتماع. وخلال انعقاد جمعية ‏الصحة العالمية في تشرين الثاني/ نوفمبر، أعلنتُ عن إنشاء مستودع جديد للعينات في مرفق آمن في سويسرا، ‏لتيسير التقاسم الطوعي للفيروسات والإسراع في تطوير التدابير الطبية المضادة، وأسميناه مستودع ‏‎"BioHub"‎‏. ‏ويسرني أن أقول إنه بالإضافة إلى تعهّدات سابقة من إيطاليا وتايلند، التزمت جنوب أفريقيا الآن بتقاسم عينات ‏من السلالة المتحوّرة لفيروس كورونا المسبب للمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة -2/ فيروس كورونا-سارس-2 ‏مع مستودع ‏‎"BioHub"‎‏. ونشجع جميع الدول الأعضاء على تبادل بيانات وعيّنات السلالات المتحوّرة الجديدة ‏في حينه.‏

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر، اقترحتُ أيضاً آليّة جديدة لتعزيز التأهُّب على أساس الثقة المتبادلة والمساءلة ‏المشتركة - وهي الاستعراض الشامل للصحة والتأهُّب. وأودّ أن أشكر بنن وجمهورية أفريقيا الوسطى على طرح ‏الفكرة باسم المجموعة الأفريقية. إن الأدوات السابقة، مثل التقييمات الخارجية المشتركة التي تستند إلى ‏استعراض الخبراء للتأهّب على الصعيد الوطني، هي أدوات قيّمة، ولكن الجائحة أظهرت أنها لم تكن كافية. ‏

ويستند الاستعراض الشامل للصحة والتأهب إلى آلية طوعية لاستعراض النظراء، تتولى زمامها الدول ‏الأعضاء، لتوطيد التعاون الدولي وتعزيز فعاليته من خلال الجمع بين الدول وأصحاب المصلحة معاً بروح ‏التضامن. ‏

وفي كانون الأول/ ديسمبر، أطلعنا الدول الأعضاء على الاستعراض الشامل للصحة والتأهُّب. وبدأنا مناقشات ‏لتطوير الأداة، وفي الأسابيع المقبلة نخطط لبدء مرحلة تجريبية مع المجموعة الأولى من البلدان التي تطوعت ‏لذلك. ونشجع جميع البلدان على المشاركة بفاعلية ومساعدتنا في بناء هذه المبادرة معاً. ‏

والدرس الرئيسي الثاني الذي تعلمناه من الجائحة هو أن صحة البشر والحيوانات والكوكب متشابكة بشكل ‏وثيق. فلا يمكننا حماية الصحة البشرية وتعزيزها إلا من خلال تحسين رصد وإدارة المخاطر بشكل أساسي على ‏مستوى العلاقة التفاعلية بين البشر والحيوانات والنظم الإيكولوجية. وهي ليست بفكرة جديدة، ولكن الجائحة ‏وضعتها في بؤرة التركيز بشكل أكثر حِدّة. فأكثر من 70% من الأمراض الناشئة التي اكتُشِفت في السنوات ‏الأخيرة ترتبط بانتقال العدوى من الحيوان إلى الإنسان. ‏

ومنذ أكثر من عِقد من الزمان، اجتمعت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ‏والمنظمة العالمية لصحة الحيوان معاً في مبادرة ثلاثية لتطوير وتعزيز مفهوم "الصحة الواحدة".‏

لقد أظهرت الجائحة أنّ علينا أن ننقل شراكتنا إلى مستوى جديد، وأنها يجب أن تصبح أكثر من مجرد مفهوم، ‏وإنما يتعيّن ترجمتها إلى نظم تحافظ على سلامة الناس في البلدان. ومن الواضح أيضاً أن مفهوم "الصحة ‏الواحدة" ينبغي أن يتجاوز نطاق الأمراض الحيوانية المنشأ؛ ويلزم أن يعالج المجموعة الكاملة من القضايا التي ‏تؤثر على العلاقة بين البشر والحيوانات والكوكب، بما في ذلك إزالة الغابات، والزراعة المكثفة، والتلوث، وتغير ‏المناخ، وما إلى ذلك.‏

وبالتعاون مع شركائنا في المبادرة الثلاثية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، اتفقنا الآن على إنشاء مجلس خبراء ‏رفيع المستوى معني بمفهوم "الصحة الواحدة"، تدعمه أمانة مشتركة. وسيقوم المجلس بتحليل البَيِّنات العلمية ‏واستجابات السياسات العامة في البلدان وتقديم المشورة للوكالات الأربع بشأن الإجراءات التي يجب اتخاذها ‏والتوصيات التي يتعين وضعها. وسيكون على رأس أولوياته دراسة الأولويات الفورية للوقاية من الأمراض ‏الحيوانية المصدر الناشئة التي تنطوي على احتمالات التحول إلى أوبئة وجوائح، والتنبؤ بها وكشفها ورصدها ‏والاستجابة لها وتقديم المشورة بشأنها. ونتوقع أن يتزامن أول اجتماع للمجلس مع انعقاد جمعية الصحة العالمية ‏في أيار/ مايو، وسنبقيكم على اطِّلاع بآخر المستجدّات عندما يتحدّد شكل المجلس وجدول أعماله.‏

وفي الوقت نفسه، يجب أن نترجم هذا العمل الرفيع المستوى إلى نظم ملموسة على المستوى المحلي قدر ‏الإمكان لالتقاط إشارات تفشي الأمراض الجديدة واحتوائها عند المصدر حيثما أمكن.‏

وخلال انعقاد الجمعية في العام الماضي، طلبت الدول الأعضاء أيضاً من الأمانة العمل مع شركائنا لتحديد ‏المصدر الحيواني المنشأ للفيروس. وكما تعلمون، وصل الآن 14 عضوا ًمن البعثة الدولية لدراسة منشأ ‏الفيروس إلى الصين. وهناك ثلاثة آخرون يعملون مع الفريق عن بُعد. ‏

وهذه عملية ذات منحى علمي دون أي شك. والغرض المنشود منها هو إدراك كيف ومتى ظهر فيروس كورونا ‏الجديد هذا حتى يتسنى لنا جميعاً اتخاذ التدابير الرامية إلى الوقاية من ظهور ممرضات أخرى حيوانية المصدر ‏في المستقبل.‏

والدرس الرئيسي الثالث الذي تلقّننا إياه الجائحة هو أن العالم يحتاج إلى أن تكون منظمة الصحة العالمية ‏منظمة قوية. ومرة أخرى ليس هذا بالأمر الجديد. فمَن عمل منا في مجال الصحة العالمية لأي فترة معينة من ‏الزمن يدرك مواطن القوة والضعف في المنظمة.‏

وتدعيم المنظمة هو محور تركيز مسار التحوّل الذي باشرناه معاً خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية. وقد ‏قدمت أحدث المعلومات عن التحوّل في الملاحظات التي أبديتها أمام الجمعية في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر. ‏وأحيلكم أيضاً إلى التقرير المرحلي المفصل الذي أصدرناه في شهر كانون الأول/ ديسمبر ونتطلع إلى ‏الحصول خلال هذا الأسبوع على مزيد من تعليقاتكم بشأن الوثيقة عن التحوّل من أجل تحسين الأثر في ‏البلدان.‏

ونقدّر ما أبدته الدول الأعضاء حتى الآن من تأييد عام للتحوّل ونرحب بالتعليقات التي قدمها رئيس لجنة ‏الخبراء المستقلين الاستشارية في مجال المراقبة خلال اجتماع لجنة البرنامج والميزانية والإدارة في الأسبوع ‏الماضي ومفادها أن التحوّل يحقق نتائج بالفعل.‏

لكننا سمعنا أيضاً دعوتكم إلى زيادة التركيز على تأثير التحوّل في البلدان. والتحوّل مسار قطعنا شوطاً بعيداً ‏منه وما زال أمامنا شوط آخر. وفي السنة المقبلة، سنواصل التعلم والتغيير والإنصات.‏

وكما تعلمون، فقد قررت مع المديرين الإقليميين في نهاية السنة الماضية منح جائزة منظمة الصحة العالمية ‏للامتياز لجميع الموظفين العاملين في المنظمة لمكافأتهم على جهودهم الخارقة المبذولة خلال السنة الأكثر ‏خروجاً عن المألوف. وهذا ما قاله رئيس مجلسنا، الدكتور هارش فاردهان، في كلمته. ‏

واعترافاً بسنة 2021 باعتبارها السنة الدولية للعاملين في مجالي الصحة والرعاية، قررنا أيضاً أن تكون سنة ‏‏2021 سنة القوى العاملة للتركيز على جعل منظمة الصحة العالمية منظمة تجذب أفضل الموظفين وتوفر لهم ‏أفضل بيئة شاملة ومتنوعة وتمكنهم من بذل قصارى جهدهم وتحقيق أفضل أداء لهم.‏

وقد حددت الدول الأعضاء بنفسها أن إحدى أكبر العقبات التي تحول دون أن تحقق المنظمة أفضل أداء ‏ممكن لها تتمثل في التمويل المستدام الذي يمكن التنبؤ به. ونعلم أن الدول الأعضاء تعتزم بجدية تدعيم ‏المنظمة ولذلك يجب أن تكون جادة في توفير التمويل المستدام وفي سد الفجوة بين العمل المتوقع منا والموارد ‏المتاحة لنا لإنجازه. وأود أن أشكر فرنسا وألمانيا على تولي زمام المبادرة في هذا الصدد.‏

وكما تعلمون، لقد بذلت الأمانة جهوداً جبارة للتصدي لهذه المشكلة عن طريق أول وثيقة عن "جدوى الاستثمار ‏في المنظمة" واستراتيجية جديدة لتعبئة الموارد ومنتدى الشركاء الأول، ومن خلال إنشاء مؤسسة منظمة الصحة ‏العالمية في الآونة الأخيرة في إطار عملية التحوّل التي بدأنا تنفيذها في عام 2017.‏

ومؤسسة منظمة الصحة العالمية هي كيان قانوني مستقل يستهدف تحصيل مليار دولار أمريكي في السنوات ‏الثلاث القادمة من مصادر لم يسبق للمنظمة الوصول إليها. وستخصَّص نسبة متراوحة بين 70% و80% من ‏الأموال المحصّلة لمنظمة الصحة العالمية والنسبة المتبقية لمنظمات أخرى معنية بالصحة العامة تركز على ‏المجتمع المدني.‏

وللمؤسسة مجلس إدارة قوي يقوده الدكتور توماس زيلتنر ويمثل جميع الأقاليم، وقد بدأ الرئيس التنفيذي الأول ‏للمؤسسة، السيد أنيل سوني، عمله في مستهل هذا العام. ونتوقع أن تساعد المؤسسة على تنويع قاعدة الجهات ‏المانحة للمنظمة وتكون مصدراً لمزيد من التمويل المرن.‏

تلك هي بعض الحلول الاستراتيجية التي اقترحناها أثناء عملية التشخيص عندما بدأنا مسار التحوّل. ومع ذلك، ‏ما زال ينبغي تكثيف الجهود لضمان حصول المنظمة على ما تحتاج إليه من تمويل مستدام يمكن التنبؤ به.‏

وخلال هذا الأسبوع، ستنظرون في اقتراح يدعو إلى إنشاء فريق عامل شامل لتحديد المبادئ الخاصة ‏بالمجالات التي ينبغي تمويلها وإعداد الخيارات بشأن مبلغ التمويل اللازم والنظر في كيفية تمويل هذه ‏الأولويات. ورهناً بموافقة الدول الأعضاء، يمكن للفريق العامل أن ينظر في اقتراح سوف يُعرض مجدداً على ‏هذا المجلس قبل إحالته إلى جمعية الصحة العالمية في عام 2022.‏

ونحن ملتزمون بالمساءلة وبأن نكفل لكم تحقيق القيمة مقابل المال. وهذا ما يجب فعله، إلا أننا نطلب من ‏الدول الأعضاء أن تضمن حصول الأمانة على المال الكافي مقابل تحقيق القيمة. وحتى ونحن نعمل بلا كلل ‏من أجل وضع حد للجائحة والاستجابة للطوارئ الأخرى، سنواصل مسار التحوّل لإحداث الأثر حيث تمس ‏الحاجة إليه، أي في البلدان.‏

ويجسد جدول أعمالكم لهذا الأسبوع النطاق الشاسع لعمل المنظمة الذي يشمل سلامة المرضى والأمراض غير ‏السارية وصحة الفم ورعاية العين ومقاومة مضادات الميكروبات والأمراض النادرة والمنتجات الطبية المتدنية ‏النوعية والمغشوشة والصحة النفسية وشلل الأطفال والتمنيع ومواضيع أخرى جمة.‏

وأعلم أن بعض الدول الأعضاء يساورها القلق بسبب التأخير في إصدار وثائق هذا الاجتماع. وأعتذر شخصياً ‏عن أي صعوبة سببها لكم هذا التأخير في إطار تحضيركم للاجتماع. ونظل ملتزمين بتوفير وثائق الأجهزة ‏الرئاسية في الوقت المناسب وقد أحرزنا تقدماً ملحوظاً في هذا المجال.‏

ونلتمس تفهمكم نظراً إلى الظروف الاستثنائية التي عمل في ظلها موظفو منظمتنا والوقت الضيق جداً الفاصل ‏بين الدورة المستأنفة لجمعية الصحة العالمية التي عُقدت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر وهذه الدورة للمجلس ‏التنفيذي.‏

ونتطلع إلى إجراء مناقشة بناءة خلال هذا الأسبوع إذ نعمل معاً من أجل التصدي للتحديات الصحية الأخرى ‏التي لا تحصى ويواجهها سكان العالم كل يوم. ونتوقع بحلول نهاية هذه السنة إنجاز ما تصل نسبته إلى 90% ‏من العمل الذي التزمنا بالاضطلاع به في مستهل الثنائية. ‏

وتصدياً لتعطّل الخدمات الصحية الأساسية في عدة دول أعضاء، تنفذ المنظمة "مبادرة التدعيم" لتكليف ‏موظفين من المقر الرئيسي بالعمل بصورة افتراضية مع المكاتب الإقليمية والقطرية، حسب احتياجات البلدان. ‏وفي المرحلة الأولى، كُلّف موظفون بالعمل مع 20 بلداً في مجالات تعزيز النظم والمجتمعات والتمويل ووسائل ‏التشخيص والعلاجات والترصد ومجالات أخرى.‏
وسنواصل دعم البلدان في إحراز التقدم من أجل تحقيق التغطية الصحية الشاملة عن طريق تكثيف المساعدة ‏التقنية لتوفير الرعاية الصحية الأولية والحفاظ على الخدمات الصحية الأساسية، بما في ذلك خدمات التمنيع ‏والصحة الجنسية والإنجابية وصحة الأمهات والمواليد والأطفال والمراهقين.‏

وسندعم الدول الأعضاء في حماية المكاسب الهشة التي تحققت في مكافحة فيروس العوز المناعي البشري ‏والسل والملاريا والتهاب الكبد والأمراض المنقولة جنسياً وأمراض المناطق المدارية المهملة وتوسيع نطاقها. ‏وسننفذ الاستراتيجية العالمية لتسريع وتيرة التخلص من سرطان عنق الرحم التي وافقت عليها الدول الأعضاء ‏في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر.‏

وسنكثف دعمنا للبلدان لتتمكن تدريجياً من تزويد مليار شخص آخر يعاني من أمراض غير سارية واعتلالات ‏صحية نفسية بالخدمات الصحية والأدوية الأساسية بحلول عام 2023.‏

وعلى الرغم من الانتكاسات التي شهدها العام الماضي، ما زلنا ملتزمين تماماً بتنفيذ الأولويتين المتمثلتين في ‏استئصال شلل الأطفال والانتقال في مجال شلل الأطفال وباستخدام البنية التحتية لبرنامج مكافحة شلل الأطفال ‏لبدء نشر اللقاحات المضادة لكوفيد-19.‏

وبناءً على طلب الدول الأعضاء، نعكف على إعداد توجهات استراتيجية جديدة لسياسات التمريض والقبالة.‏

وفي ضوء الخسائر الفادحة الناجمة عن جائحة كوفيد-19 لدى المسنين وسعياً إلى تعزيز جودة خدمات الرعاية ‏المقدمة إليهم، ندرس تنظيم وتمويل نظم الرعاية الطويلة الأجل.‏

وسنثابر على تعزيز القدرات القطرية على تنفيذ خطط العمل الوطنية الخاصة بمقاومة مضادات الميكروبات ‏بينما نعمل على تعزيز ترصد مقاومة مضادات الميكروبات واستهلاكها.‏

واستجابةً للطلبات المتزايدة من الدول الأعضاء، سنعمل على تعزيز الإنتاج المحلي للأدوية والمنتجات الصحية ‏الأخرى الجيدة والمأمونة والناجعة والميسورة التكلفة وإتاحتها.‏

وبعد الموافقة على الاستراتيجية العالمية بشأن الصحة الرقمية، فإننا نعكف على إعداد أدوات لدعم الدول ‏الأعضاء في تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية للصحة الرقمية، بما في ذلك شهادات التطعيم الرقمية.‏

وسنعمل مع البلدان على تنفيذ توصيات السياسات الواردة في بيان التعافي الصحي المراعي للبيئة.‏

وسنستضيف في شهر حزيران/ يونيو مؤتمر قمة في مجال الصحة للدول الجزرية الصغيرة النامية يُعقد بصورة ‏افتراضية ويركز على إرساء نظم صحية قادرة على الصمود والتصدي لتهديدي الأمراض غير السارية وتغيّر ‏المناخ.‏

وسندعم تعزيز النظم الوطنية للبيانات الصحية عبر حزمة "سكور" التقنية للبيانات الصحية، التي ترمز إلى ‏‏"الاستقصاء والحساب والتحسين الأمثل والاستعراض والتمكين".‏

وسنواصل مساءلة أنفسنا عن طريق تقييمات الإنجاز لتتبع التقدم المحرز من أجل بلوغ غايات "المليارات ‏الثلاثة".‏
وسنعزز وضع إرشادات معيارية لضمان صدورها في الوقت المناسب وملاءمتها واستنادها إلى أحدث البيّنات ‏وسهولة الاطلاع عليها.‏

وسنعزز أيضاً القدرة على إجراء بحوث عالية الجودة ومراعية للمبادئ الأخلاقية في جميع البلدان وضمان ‏تسريع وتيرة توسيع نطاق الابتكارات والمنتجات الصحية لتلبية احتياجات الصحة العامة.‏

وسنحرص على توطيد التعاون مع الجهات الشريكة المتعددة الأطراف عبر خطة العمل العالمية بشأن تمتّع ‏الجميع بأنماط عيش صحية وبالرفاهية لتدعيم الإنصاف في الحصول على اللقاحات وحفز التعافي ودعم الدول ‏الأعضاء للعودة إلى المسار الصحيح لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.‏

وفي الوقت ذاته، نلتفت أيضاً إلى الثنائية المقبلة المدعومة بمشروع الميزانية البرمجية المقترحة لعامي 2022 ‏و2023 التي ستنظرون فيها خلال هذا الأسبوع. ويعكس مشروع الميزانية المقترحة الحاجة إلى المضي قدماً ‏بالعمل الذي يتعين علينا الاضطلاع به، من خلال تنفيذ الدروس التي استخلصناها من الجائحة حتى ونحن ‏ننتظر صدور توصيات مختلف عمليات الاستعراض.‏

وذلك وضعنا ميزانية برمجية مقترحة مرنة تدور حول أربعة محاور استراتيجية رئيسية هي التالية: أولاً، الحاجة ‏الملحّة إلى تسريع وتيرة التقدم المحرز من أجل تحقيق غايات "المليارات الثلاثة" وأهداف التنمية المستدامة، بما ‏في ذلك تزويد المكاتب القطرية بالموارد المناسبة؛ وثانياً، الحاجة إلى تعزيز التأهب والاستجاية للطوارئ ‏الصحية على جميع المستويات؛ وثالثاً، الحاجة إلى بناء القدرة على الصمود من خلال تدعيم الرعاية الصحية ‏الأولية كأساس لتحقيق الأمن الصحي والتغطية الصحية الشاملة؛ ورابعاً، الحاجة إلى الارتقاء بقيادة المنظمة ‏في مجال العلوم والبيانات.‏

وتوضح وثيقة الميزانية كل محور من هذه المحاور بمزيد من التفصيل. وتقترح أيضاً تمديد الموعد الأخير ‏المحدد لبلوغ غايات "المليارات الثلاثة" لمدة سنتين حتى عام 2025. وسيسمح لنا هذا التمديد بتبيُّن المجالات ‏المحددة التي تتأخر فيها البلدان في إحراز التقدم وتحديد الحلول المحتملة لتسريع وتيرة التقدم المحرز.‏

وبعد مضي عام على أكبر أزمة شهدها عصرنا لا شك أننا ما برحنا نواجه مخاطر لم يسبق لها مثيل. ولكن ‏لدينا أيضاً فرصة لم يسبق لها مثيل لغرس الصحة في صميم التنمية وجعلها ركيزة لإرساء عالم أكثر أمناً ‏وإنصافاً.‏

وفي العام الماضي، فقدنا أكثر من مليوني شخص من أخواتنا وإخواننا بسبب هذه الجائحة، بمن فيهم العديد ‏من العاملين الصحيين الذين ضحوا بحياتهم في سبيل خدمة الآخرين. كما فقدنا زملاء من بينهم زميلتنا بيلندا ‏كاسونغو التي قُتلت في جمهورية الكونغو الديمقراطية بينما كانت تعمل من أجل حماية الآخرين من مرض ‏فيروس الإيبولا. ولم تكن تضحيتها عبثاً. فبفضل أشخاص عرضوا أنفسهم للخطر مثل بيلندا تمكنا من وضع حد ‏لفاشية الإيبولا في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي كانت في عداد حالات الطوارئ الأكثر تعقيداً التي ‏واجهناها. ويوافق الأسبوع القادم مرور عام واحد على وفاة صديقنا وزميلنا العزيز بيت سلامة. فقد رحل عنا ‏لكننا لن ننساه أبداً لأن إرثه باق. ‏

نحن مدينون لهم جميعاً بضمان التغلب على أي تحديات نواجهها واستخلاص أي دروس تلقننا إياها الجائحة ‏واغتنام أي فرص تتاح لنا لإرساء عالم أوفر صحة وأكثر أماناً وعدلاً. شكراً لكم.‏