السيد الرئيس، أصحاب السعادة، معالي الوزارء، سعادة السفراء، المندوبون الموقرون، سيداتي وسادتي،
هذه فترة انتقال وتحول.
فالمنظمة تستجيب حالياً للزلازل المدمرة التي هزت نيبال حيث تنسق عمل أكثر من 150 منظمة إنسانية و130 فريقاً طبياً أجنبياً مكتفياً ذاتياً.
على أن أعظم استجابة طارئة تضطلع بها المنظمة تتركز في غرب أفريقيا حيث يعمل حوالي 1000 موظف من موظفي المنظمة حالياً في الميدان. وفي أواخر عام 2013 ، توسعت الرقعة الجغرافية التي انتشر فيها فيروس الإيبولا الذي أهلك سكان غينيا وليبيريا وسيراليون واقتصاداتها.
ولم يكن العالم مستعداً للتصدي لفاشية واسعة الانتشار وشديدة الوخامة والثبات والتعقيد. وقد تكثفت الطلبات على المنظمة وعلى جميع الجهات المستجيبة الأخرى إذ تضاعف عدد الطلبات على المنظمة بما يزيد على عشرة أضعاف أي عدد ما شهدته هذه المنظمة في حوالي 70 سنة من تاريخ وجودها.
وأحرزت البلدان الثلاثة تقدماً هائلاً في الأشهر الأخيرة بدعم من عدة جهات شريكة ومن دول أعضاء عديدة. وأعلنت المنظمة انتهاء فاشية الإيبولا في ليبيريا في 9 أيار/ مايو. وأود أن أهنئ الرئيسة إلن جونسون سيرليف على قيادتها المميزة طوال هذه الأزمة.
وسيبقى موظفو المنظمة في البلدان الثلاثة حتى ينتهي العمل الذي يشمل استعادة الخدمات الصحية الأساسية.
وقد دفعت فاشية الإيبولا عملية إصلاح المنظمة دفعة عالية السرعة بمنح الأولوية القصوى للتغييرات في عمليات المنظمة الطارئة.
واتخذتُ بعض القرارات مسترشدة بالقرار الذي اعتمده المجلس التنفيذي في دورته الاستثنائية بشأن الإيبولا المعقودة في كانون الثاني/ يناير 2015 وبالتقرير الأول للفريق المعني بالتقييم المبدئي لمرض الإيبولا.
ولقد سمعت ما يتوقعه العالم من المنظمة وسمعت النداءات الداعية إلى توضيح خطوط القيادة والإشراف وإلى تبسيط الإجراءات الإدارية الداعمة للعمل السريع وإلى التنسيق الفعال مع الجهات الأخرى وإلى تدعيم مشاركة المجتمعات وتحسين الاتصالات.
وفيما يخص القيادة والإشراف، أستعين بفريق إداري ممتاز مؤلف من المديرين الإقليميين الستة الذين يسدون المشورة. فأنصت إليهم ثم أقرر.
وإني ملتزمة بصفتي الم ديرة العامة للمنظمة ببناء منظمة تتمتع بالثقافة والنظم والموارد اللازمة لقيادة جهود التصدي للفاشيات والطوارئ الصحية الأخرى. فالمنظمة التي تريدونها هي المنظمة التي يحتاج العالم إليها.
وأنا في صدد إحداث بعض التغييرات الأساسية لتمكين المنظمة من اتقان هذا العمل. وأعمل على إنشاء برنامج جديد واحد خاص بالطوارئ الصحية بتوحيد جميع مواردنا المتصلة بالفاشيات والطوارئ على مستويات المنظمة الثلاثة.
ويستهدف البرنامج الجديد تحقيق السرعة والمرونة والتأثير السريع. ويرفع التقارير إلي مباشرة. وأكون مسؤولة أمامكم. وسينطوي البرنامج على معايير مرجعية خاصة بالأداء تبين ما يجب حدوثه في غضون 24 ساعة و 48 ساعة و 72 ساعة وليس في غضون أشهر.
وإن تعزيز القدرة الوطنية على الاستجابة هو هدف رئيسي من أهداف هذه المبادرة. والشراكات مع الوكالات الرئيسية التابعة للأمم المتحدة وسائر الجهات الدولية المستجيبة هي سمة أساسية. وتشمل هذه الجهات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود.
وبناءً على ما طُلب مني في القرار الصادر في كانون الثاني/ يناير عن المجلس التنفيذي في دورته الاستثنائية بشأن الإيبولا، وضعت خططاً بشأن إنشاء قوى عاملة مستعدة للاستجابة للطوارئ الصحية العالمية باستمدادها من الشبكة العالمية للإنذار بحدوث الفاشيات ومواجهتها ومجموعة الصحة العالمية والأفرقة الطبية الأجنبية وغيرها. وسيتولى البرنامج الجديد تنسيق أعمال هذه القوى العاملة.
وقد أنشأت عدة حكومات أفرقة للاستجابة السريعة يمكن نشرها بسرعة للاستجابة للأزمات الوطنية أو الدولية. وأشكرها على دعمها المقدم إلى المنظمة. وإننا نستفيد استفادة جيدة من هذا الدعم في إطار جهودنا المبذولة للتصدي للزلازل في نيبال.
وإني أعزز قاعدة مهارات الموظفين المعنيين بحالات الطوارئ الذين أستعين بهم من خلال ضم خبراء لوجيستيين ومختصين طبيين بعلم الأنثروبولوجيا وخبراء في مجال التبليغ عن المخاطر إليهم. وتتجلى هذه القدرة الإضافية في الزيادة التي اقترحتها في الميزانية البرمجية المقترحة للفترة 2016-2017.
وسيستند البرنامج إلى قائمة بمنسقي الطوارئ المحنكين والمختصين المستمدين من المنظمة ككل الذين يمكن نشرهم بسرعة لقيادة العمليات الميدانية.
وستكون للبرنامج قواعده المتعلقة بتسيير أعماله ومنصاته التشغيلية. وإني أضع إجراءات إدارية وتنظيمية مبسطة، بما فيها إجراءات متصلة باللوجيستيات والمشتريات وتعيين الموظفين.
وإني أنشئ بدعم من الدول الأعضاء صندوقاً احتياطياً تبلغ قيمته 100 مليون دولار أمريكي ويموّل من المساهمات الطوعية المرنة لضمان تزوّدنا بالموارد المتاحة اللازمة من أجل استهلال استجابة أولية فورية.
وبالمختصر المفيد، إني في صدد إحداث التغييرات الخمسة التالية:
إنشاء برنامج موحد للمنظمة خاص بالطوارئ الصحية وخاضع للمساءلة أمامي.
ووضع قياسات واضحة لأداء البرنامج بناءً على الشراكات مع سائر الجهات المستجيبة.
وإنشاء قوى عاملة مستعدة للاستجابة للطوارئ الصحية العالمية وتعزيز قدارتنا الأساسية والاحتياطية المكونة من موظفين مدربين معنيين بالاستجابة للطوارئ.
ووضع إجراءات جديدة متعلقة بتسيير الأعمال لتيسير الاستجابة السريعة والفعالة.
واقتراح خيارات خاصة بإنشاء صندوق احتياطي جديد تبلغ قيمته 100 مليون دولار أمريكي.
لا أريد على الإطلاق أن أرى مجدداً هذه المنظمة تواجه وضعاً لا تكون مهيأة أو مزودة بالموظفين أو ممولة أو مستعدة إدارياً لتدبره.
وسنمضي قدماً بعملنا بسرعة عاجلة. وأعتزم استكمال هذه التغييرات بحلول نهاية السنة.
سيداتي وسادتي،
وإن البلدان في حاجة إلى نظم صحية حسنة الأداء وقادرة على التصدي للصدمات سواء أكانت هذه الصدمات ناجمة عن تغير المناخ أم عن فيروس جامح أم عن زيادة حمل المرضى المصابين بأمراض غير سارية.
وتحتاج البلدان أيضاً إلى القدرات الأساسية اللازمة لتنفيذ اللوائح الصحية الدولية ( 2005 ) من أجل التصدي لتهديد الأمراض المعدية. ويكتسي الاضطلاع بذلك أهمية حاسمة في إطار الخطة العالمية للأمن الصحي.
ولا تحقق اللوائح الفعالية المتصورة فيما يخص هذا الصك القانوني الذي يساعد على التأهب وينهض باستجابة منهجية قائمة على القواعد. ومن الضروري إحداث تغييرات في هذا الصدد أيضاً. وكما لاحظ العديد منكم، ليس التقييم الذاتي للقدرات الأساسية اللازمة لتنفيذ اللوائح كافياً. ولابد من إجراء استعراض الأقران المستقل لضمان وفاء هذه القدرات بالمعايير الدولية.
وقد أبدى العديد تقديره للطريقة التي اتبعتها المنظمة لتوحيد صفوف العلماء وأوساط البحث والتطوير ودوائر صناعة المستحضرات الصيدلانية من أجل تطوير اللقاحات والأدوية والعلاجات والاختبارات التشخيصية السريعة بسرعة قياسية خارقة.
وفيما يرتبط بالمنتجات الطبية الجديدة، عقد محفل رفيع المستوى للبحث والتطوير بشأن الإيبولا في الأسبوع الماضي. وجسد هذا الاجتماع التجارب المتعلقة بالإيبولا في نموذج جديد لتعجيل تطوير المنتجات الطبية واختبارها واعتمادها إبان الطوارئ الناتجة عن أي مرض من الأمراض المعدية المستجدة أو المعاودة الظهور.
وهذا إنجاز رائد. فالإيبولا ليس المرض الوحيد الذي قد يتحول إلى وباء ولا يوجد أي لقاح ضده أو علاج له. كما أن العالم لم يشهد آخر عامل جديد مسبب للمرض لدى البشر.
سيداتي وسادتي،
وهذا عام يشهد فترة انتقال.
فقد تغير العالم تغيراً شديداً منذ بداية هذا القرن عندما اقتُرحت الأهداف الإنمائية للألفية بصفتها الإطار الشامل للتعاون الإنمائي.
وسعى قادة العالم خلال مؤتمر قمة الألفية إلى تحقيق ما سموه عالماً يتسم "بمزيد من السلام والرخاء والعدل". ولم يتحقق ذلك حسب التوقعات.
والهجمات الإرهابية التي تعمدت استهداف المدنيين أصبحت أكثر فتكاً وجسارة وشيوعاً. والنزاعات المسلحة غدت النزاعات الأوسع نطاقاً والأطول أمداً المسجلة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
واندرج تعبير "الكارثة الضخمة" في قاموس المفردات البشرية عقب الزلازل وكوارث تسونامي والأعاصير المدارية وظواهر الجفاف والفيضانات التي حطمت الأرقام القياسية.
وعلا صوت الإنذارات بشأن عواقب تغير المناخ.
وكشفت أزمات الغذاء والوقود المنتشرة على الصعيد الدولي عن تكاليف العيش في عالم يزداد ترابطه تزايدا جذرياً. وهزت أزمة مالية الاقتصاد العالمي بتحويل النظر من الازدهار إلى التقشف بين ليلة وضحاها.
وأثبتت عواقب هذه الأزمات أنها شديدة السريان والإجحاف بإيذاء بلدان لم تكن لها أي صلة بالأسباب.
وازدادت كثافة سكان العالم ومستويات تحضرهم وطال عمرهم مما أضاف الخرف إلى قائمة الأولويات القصوى.
كما ازداد سكان العالم ثراء. وانتشلت بلدان مثل الصين والهند ملايين الأشخاص من مواطنيها من قبضة الفقر. وفي عدة بلدان أخرى، عادت الثروات المتنامية بالفوائد على حفنة من المحظوظين.
وارتفع عدد البلدان الغنية المليئة بالفقراء. وتبدلت ديمغرافيا الفقر. فاليوم، يقيم 70 ٪ من فقراء العالم في البلدان المتوسطة الدخل.
لقد وثقت الإحصاءات الظلم والإجحاف حيث بينت أعداد الزيجات القسرية بين المراهقات، والمواليد الذين لم يسجلوا قط، والأطفال المصابين بالتقزم أو الهزال البالغ عددهم 212 مليون طفل، وملايين الأشخاص الذين أصبحوا تحت خط الفقر نتيجة لتكاليف الرعاية الصحية التي كانوا في حاجة إليها ليبقوا على قيد الحياة.
والجوع مستمر، ولكن العالم ككل أصيب بالسمنة.
وأدت عولمة تسويق المنتجات غير الصحية إلى فتح الباب على مصراعيه أمام زيادة الأمراض المتعلقة بنمط المعيشة. وتجاوزت الأمراض غير السارية الأمراض السارية لتصبح السبب الأول للوفيات في العالم، مغيّرة القاعدة نفسها التي تعمل الصحة العمومية على أساسها.
وتعد هذه لحظة غير مسبوقة في التاريخ، حيث يؤدي التقدم الاقتصادي إلى زيادة المخاطر المحدقة بالصحة بدلاً من أن يحد منها.
وظهر صوت جديد يصدح بقوة وهو صوت وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك في غياب ضمانات كافية تحكم دقة محتوياتها. وانتشرت الشائعات وكأنها وقائع، فقوضت الامتثال العام بالسياسات الصحية، مثل تمنيع الأطفال على الرغم من أن جذوره ضاربة في العلم السليم.
أدى انتشار جماعات الواجهة وجماعات الضغط التي تحمي السلع التي تضر بالصحة وبالبيئة، إلى خلق الحجج التي زادت من تشويش التفكير العام ووضعت صحة البيِّنات العلمية موضع تساؤل.
ومع تقدم القرن، يفشل المزيد من مضادات الجراثيم من الخطين الأول والثاني. وجفت ينابيع المنتجات البديلة التي يجري استحداثها، فلاح شبح حقبة ما بعد المضادات الحيوية التي تعود فيها حالات العدوى الشائعة لتصبح من جديد سبباً للموت. ويتضمن جدول أعمالنا مسودة خطة عمل عالمية بشأن مقاومة مضادات الجراثيم. وأنا أدعوكم إلى اعتماد هذه الخطة.
وظهرت ثلاث مُمرضات بشرية جديدة، ألا وهي: متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم وأنفلونزا الطيور H7N9 وفيروس كورونا المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية. ومازالت أنفلونزا الطيور H7N9 تهدد الصحة وفي كانون الأول/ ديسمبر 2013 ، أخذ فيروس الإيبولا ينتشر لمدة ثلاثة أشهر دون أن نلتفت إليه أو نكتشفه.
وفي هذه اللحظة، تشهد نيجيريا فاشية كبيرة جداً لالتهاب السحايا، حيث ظهرت 6000 حالة تسببت في أكثر من 400 وفاة. وقد أوشكت اللقاحات التي لدينا على النفاد.
وفي السنوات الثلاث الماضية فقط، بلغ تنوع فيروسات الأنفلونزا السارية في الطيور البرية والداجنة وتوزيعها الجغرافي مستويات لم نشهدها منذ استحداث الأدوات العصرية التي تمكننا من الكشف عن الفيروسات وتحديد خصائصها. فالموقف اليوم لم يسبق له مثيل. ويلزم على العالم أن يكون في حالة تأهب قصوى.
وتشكل هذه الانتقالات والتغيرات والصدمات والتحديات جميعها السياق الذي تعمل فيه الصحة والتنمية.
وينبغي ألا ننسى أبداً أن جميع هذه المخاطر الجديدة التي تهدد عالمنا الذي يزداد خطورة، تؤثر على الناس وعلى صحتهم وسبل عيشهم. وأياً كان ما سنفعله، يجب علينا دائماً أن نتذكر الناس.
وأتقدم بأحر التعازي إلى أسر الضحايا الكثيرين الذين توفوا نتيجة للكوارث الطبيعية والنزاعات والفاشيات الكبيرة والصغيرة والأمراض غير السارية التي اكتُشفت وعولجت بعد فوات الأوان.
سيداتي وسادتي
ومع انتقال العالم إلى حقبة ما بعد عام 2015 ، هناك ثلاثة اجتماعات رفيعة المستوى ستُعقد خلال الأشهر القادمة، ويتوقع أن توجه مستقبل التنمية.
ففي تموز/ يوليو، سيُعقد في أديس أبابا بإثيوبيا مؤتمر دولي لتمويل التنمية. وفي أيلول/ سبتمبر، سيضع مؤتمر قمة في الأمم المتحدة بنيويورك خطة التنمية لما بعد عام 2015 في صيغتها النهائية. وفي كانون الأول/ ديسمبر ستستضيف باريس المؤتمر الحادي والعشرين للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ.
وسيتناول الاجتماع الذي سيُعقد في تموز/ يوليو احتياجات التمويل اللازمة لتنفيذ خطة التنمية لما بعد عام 2015 والاتفاق المتوقع بشأن المناخ. ومن المتوقع أن تغير الحصيلة أنماط التمويل القائمة، وأن يُستمد التمويل من مصادر أوسع نطاقاً وأكثر تنوعاً.
وسينطوي ذلك على إعادة تشكيل جذرية للمشهد الخاص بالتمويل. فأهداف التنمية المستدامة طموحة. ويجب أن تكون خطط التمويل طموحة أيضاً، وأن تتمتع مع ذلك بالمصداقية.
وقد جاءت خطة التنمية لما بعد عام 2015 التي ستوضع في صيغتها النهائية في أيلول/ سبتمبر كنتيجة لأكبر عملية تشاورية في تاريخ الأمم المتحدة.
وتتضمن الخطة المقترحة للتنمية المستدامة حالياً 17 هدفاً و 169 غاية. وتمثل الصحة بؤرة تركيز الهدف الثالث. وتُعد الأهداف الإنمائية للألفية المتعلقة بالصحة جزءاً من هذا الهدف. وقد حددت غايات جديدة وموضع ترحيب فيما يتعلق بالأمراض غير السارية والإصابات والتغطية الصحية الشاملة.
وتُعد الصحة حصيلة مرغوبة في حد ذاتها، وأحد المدخلات اللازمة للأهداف الأخرى، ومقياساً يعتد به لمدى التقدم الذي تحرزه التنمية المستدامة. وتحتل الصحة مكانة بارزة من الخطة. وأنا أدعوكم إلى التأكد من أن تظل كذلك، واضحة وجلية.
وهناك ثمانية أهداف أخرى مرتبطة ارتباطاً صريحاً بالصحة حيث أنها تتناول أسبابها الجذرية ومحدداتها الاجتماعية.
وبفضل إدراج الأمراض غير السارية أصبح الهدف الخاص بالصحة ذا صلة بالبلدان الغنية والفقيرة سواءً بسواء. ويعبر إدراج التغطية الصحية الشاملة عن روح الخطة الجديدة نفسها وتركيزها على الإنصاف والإدماج الاجتماعي الذي لا يغفل أي شخص.
وتوفر التغطية الصحية الشاملة مفهوماً موحِّداً جيداً للهدف الخاص بالصحة، وقاعدة لتقديم الخدمات الصحية المتكاملة، وعاملاً من أقوى عوامل تحقيق المساواة الاجتماعية من بين جميع الخيارات السياسية.
وسوف تستضيف فرنسا وترأس المؤتمر الذي سيُعقد في كانون الأول/ ديسمبر بشأن تغير المناخ. ومما يبعث على الاطمئنان أن نرى الجدية التي تبديها فرنسا في تحمل هذه المسؤوليات.
ومما يبعث على الاطمئنان أيضاً أن نرى أنه قد أصبح من المسلم به أن بني البشر يعدون أهم الأنواع التي يهددها تغير المناخ. فقد ظلت صحة الإنسان مهمشة في الحديث حول المناخ لمدة طويلة جداً. وقد ساعدت تقديرات المنظمة الجديدة للوفيات المرتبطة بتلوث الهواء ومؤتمر العام الماضي بشأن الصحة والمناخ على توضيح هذه النقطة. وقد بدأنا نلمس قدراً كبيراً من الاهتمام بالصحة في الحديث حول عواقب تغير المناخ.
ويعتبر الكثيرون أن اجتماع باريس هو الفرصة الأخيرة المتاحة لتجنب عواقب تغير المناخ الكارثية. فكما أشار الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي- مون من قبل، ليست هناك خطة بديلة، لأنه ليس هناك كوكب بديل.
وواصل مؤتمر التغذية الذي انعقد في العام الماضي تشكيل الخطة الناشئة، حيث تناول العواقب الصحية لنقص التغذية وفرط التغذية. كما أكد هذا المؤتمر أثر تغير المناخ على الأمن الغذائي والتغذية.
سيداتي وسادتي،
ولكن هل ستقربنا الخطة الجديدة التي تتشكل الآن من "العالم الأكثر سلاماً وازدهاراً وعدلاً" الذي تصورناه منذ ١٥ عاماً؟
لدينا أسباب وجيهة لنعلق آمالاً كبيرة على الصحة العمومية، وما تعطيه من قيمة للإنصاف وما تقدمه من مساهمة في تحقيق الاستقرار والتماسك الاجتماعي. ولدينا أسباب وجيهة للطموح. فقطاع الصحة يدخل حقبة التنمية الجديدة وهو يتمتع بعدد من المزايا الواضحة.
إن تقدم الصحة يقاس بسهولة وعلى نحو يعتمد عليه. وبالفعل، تعد مقاييس الصحة بين أفضل مقاييس التقدم في خطة أهداف التنمية المستدامة على وجه العموم.
وفي حزيران/ يونيو، ستصدر منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي أول تقرير مشترك للرصد العالمي للتغطية الصحية الشاملة. ويبين التقرير أن التغطية الصحية الشاملة قابلة للقياس الكمي، وأن التقدم صوب هدفيها الرئيسيين وهما بالتحديد التغطية بالخدمات الصحية والحماية المالية، يمكن قياسه وتعقبه عبر الزمن.
ولدينا الكثير لنستند إليه. فقد تركت حقبة الأهداف الإنمائية للألفية وراءها موروثاً من الآليات ومنصات التعاون المبتكرة مثل التحالف العالمي من أجل اللقاحات ومجموعة كبيرة من المبادرات الصحية العالمية. كما خلقت نوعاً جديداً من الشراكات بين القطاع العام والقطاع الخاص ترمي إلى استحداث منتجات جديدة وميسورة التكلفة لمكافحة الأمراض من أجل الفقراء. واعتُمدت أُطر المساءلة والآليات الجديدة لرصد النتائج على نحو مستقل. وقد رأينا ذلك بوضوح كبير في مبادرة "كل امرأة وكل طفل" والعديد من المبادرات الأخرى.
ويمثل النجاح ميزة أخرى. فقد كشفت لنا الخبرات الحديثة أن العام إذا رغب حقاً في تحسين الصحة، يمكنه أن يفعل ذلك، مهما كانت الصعوبات.
وتتراجع وفيات الأمهات والأطفال بسرعة أكبر من أي وقت مضى، وسجلت أفريقيا جنوب الصحراء بعض أعلى معدلات هذا التراجع. وفي عام 2013، قل عدد الأطفال الذين يموتون يومياً بنحو 17000 طفل مقارنة بعام 1999.
وبلغت متلازمة العوز المناعي البشري نقطة حرجة في العام الماضي، عندما تجاوز عدد الأشخاص الذين بدأوا يتلقون العلاج المضاد للفيروسات القهقرية، عدد حالات العدوى الجديدة. وعلينا أن نتذكر أنه في بداية هذا القرن، تنبأ العديد من الخبراء بأن الأيدز سيؤدي إلى تفريغ الإقليم الأفريقي من السكان، ويزيد من احتمالات انهيار الدول في الأماكن الأشد تضرراً. ولكن ذلك لم يحدث. وقد دلتنا القيادات في أفريقيا على الطريق الذي ينبغي اتباعه.
وفيما يتعلق بالملاريا، أسهم التوسع الكبير في التدخلات التي أوصت بها المنظمة في الحد بنسبة 47 من الوفيات الناجمة عنها بين عامي 2000 و 2013. ونجحنا في تلافي ما يقدر بنحو 4.3 ملايين وفاة.
وخلال الفترة نفسها، أُنقذت حياة 37 مليون شخص بفضل تشخيص السل وعلاجه على نحو فعال.
ومنذ عام 2006، قُدم أكثر من 5 مليارات معالجة مضادة للطفيليات لمحاربة أمراض المناطق المدارية المهملة. وحصل أكثر من 800 مليون شخص على هذه المعالجات في عام 2012 فقط. وتكبل هذه الأمراض أكثر من مليار امرأة وطفل ورجل بقيود الفقر المدقع. وها نحن نقهر زملاء الفقر القدامى ونمهد الطريق لخروج جماعي من الفقر.
وفي تطور آخر، أصبحنا الآن أقرب من أي وقت مضى إلى استئصال شلل الأطفال. والوضع في نيجيريا يبدو مشجعاً للغاية، حيث لم يبلَّغ عن أي حالة خلال الأشهر التسعة الماضية. كما أن أفغانستان وباكستان أحرزتا تقدماً كبيراً على الرغم من التحديات الصعبة. وهذه المبادرة لا ينبغي أن تفشل.
أما المسيرة الرامية إلى استئصال مرض الدودة الغينية فقد تجاوزت معلم آخر من المعالم الرئيسية. فقد حصلت غانا على الإشهاد بخلوها من المرض بعد أن كان لديها 180000حالة في كانون الثاني/ يناير.
وقد أعربتُ عن شكري للدول الأعضاء لاعتمادها مؤخراً العديد من الاستراتيجيات وخطط العمل العالمية البعيدة النظر. وتبين لنا الخبرات أن أهداف وغايات هذه الاستراتيجيات وخطط العمل البالغة الطموح، والتي كنا لنستبعدها في بداية القرن، قابلة للتحقيق. وسيسهم تحقيقها دون شك في تحقيق رؤيتنا لعالم أفضل.
إن الأهداف والغايات تحدث تغييراً بالفعل. ففي نهاية نيسان/ أبريل، أصبح إقليم الأمريكتين الأول في العالم في وقف سريان الحصبة الألمانية وتخلص من المرض ومن متلازمة الحصبة الألمانية الولادية المتعلقة به. وبالنجاح في ذلك تحققت غاية محددة في خطة العمل العالمية الخاصة باللقاحات.
وتمثل العبر المستخلصة من التجارب الحديثة ميزة أخرى. وهنا بعضها. يعد الالتزام والملكية على أعلى مستويات الحكومة الشرط الأول للنجاح. ومشاركة النساء هي الشرط الثاني.
والبلدان في حاجة إلى القدرة لا إلى الصدقة. والمساعدة الفعالة هي التي توصَّل عن طريق النُظم والبنى التحتية الصحية القائمة لا بالطرق التي تلتف حولها. فإن ذلك يؤدي إلى تعزيز الاعتماد على الذات. والاعتماد على الذات هو أفضل استراتيجية لخروج المساعدة.
ولا يمكن لأي مبادرة صحية عالمية مهما بلغ حجمها أو ثراؤها أن تحقق تحسينات مستدامة في غياب نظام صحي يعمل جيداً. ولن يمكن تأمين حماية العالم من خطر الأمراض المعدية إلا عندما يدرج المزيد من البلدان القدرات الخاصة بترصد الأمراض والقدرات المختبرية والقدرات الخاصة بالاستجابة كجزء لا يتجزأ من نُظمها الصحية.
كما يلزم ترصد الأمراض أيضاً من أجل الكشف عن الأمراض غير السارية في وقت مبكر، عندما تتوافر أفضل احتمالات نجاح التدبير العلاجي بأقل تكلفة. والمساءلة معناها الحساب. لذا ينبغي توافر نُظم المعلومات القوية.
سيداتي وسادتي،
إن المخاطر التي تتهدد الصحة قد تضاعفت مرات عديدة، ولكن قدرتنا على الاستجابة قد تضاعفت هي الأخرى. ولسبب ما تبرز الصحة أفضل ما لدى البشر من حيث القدرة على الإبداع والعزيمة.
ومع دخولنا في حقبة ما بعد عام 2015 لدينا العديد من المبادرات والأدوات والتدخلات الجديدة بما في ذلك اللقاحات الجديدة والاستراتيجيات الدقيقة ذات الأهداف المحددة بإطار زمني. وسيستمر الزخم المتولد عن الأهداف الإنمائية للألفية. وتحظى المنظمة ببرامج ناضجة وسجل حافل بالنجاحات، سيسترشد بها العمل.
ويتوجه عملنا في المقام الأول إلى الالتزام الصارم بالإنصاف والعدالة الاجتماعية والحق في الصحة. ومع تنامي عدد البلدان التي تستهدف التغطية الصحية الشاملة أصبحنا في موقع يؤهلنا لتغيير الفكر القائل بأن الفقراء الذين يعيشون في أماكن فقيرة يحصلون حتماً على رعاية صحية رديئة. فلم يعُد ذلك صحيحاً.
لقد هزت فاشية الإيبولا المنظمة هزة شديدة. وعلى نحو ما ورد في تقرير التقييم المرحلي، كانت هذه لحظة حاسمة بالنسبة إلى عمل المنظمة ولحظة سياسية تاريخية بالنسبة إلى القادة في العالم كي يمنحوا المنظمة أهمية جديدة ويمكنوها من أداء الدور القيادي في مجال الصحة العالمية.
وأنا أدعوكم إلى تحقيق ذلك. وأنا سأقوم بدوري.
شكراً لكم.